سامية عرموش: بين هندسة الوعي وإغواء الريتينغ.. ثلاثية الجنس والمال والعنف في الدراما الرمضانية

سامية عرموش: بين هندسة الوعي وإغواء الريتينغ.. ثلاثية الجنس والمال والعنف في الدراما الرمضانية سامية عرموش

أذكر أنني، خلال تعلّمي الإعلام في عام 1998، سمعت من أحد المحاضرين عبارة لم تغب عن ذهني حتى اليوم: ثلاثة أمور تجلب المشاهدات وترفع نسب المتابعة وتستقطب الجماهير: الجنس، والعنف، والمال. يومها بدت الجملة توصيفًا أكاديميًا باردًا، أقرب إلى معادلة تسويقية منها إلى رؤية ثقافية. لكن السنوات اللاحقة كشفت لي أن المسألة أعقد بكثير من مجرد قاعدة في التسويق الإعلامي.


ومنذ انخراطي في الكتابة النقدية بعد انتهائي من دراسة الماجستير، وتحديدًا في حقل ثقافة السينما، لم أعد أتابع الدراما بعين المتلقّي وحده، بل بعين الباحثة التي تقرأ ما وراء الصورة. صرت أبحث عمّا بين السطور، وأتساءل عن السياقات التي يُنتَج فيها العمل، عن التوقيت الذي يظهر فيه، وعن الأهداف المعلنة والمضمرة التي قد تقف خلف بروز ثيمات بعينها في لحظة تاريخية محددة. مع الوقت، بات بالإمكان استشراف بعض الاتجاهات، وفهم كيف تتقاطع الصناعة مع المزاج العام، وكيف يمكن لعمل درامي أن يكون استجابة لواقع ما، أو تمهيدًا لتقبّل واقع آخر.


فالدراما ليست ترفيهًا عابرًا يُستهلك ثم يُنسى. إنها خطاب متكامل يتسلل عبر الصورة والموسيقى والإيقاع والحكاية ليصوغ ذائقة عامة، ويقترح تعريفات جديدة لما هو طبيعي ومقبول ومرغوب. يمكنها أن تبني فكرًا نقديًا ينهض بالمجتمع، وأن تفتح مساحات للتساؤل حول العدالة والحرية والمعنى، لكنها قادرة أيضًا — إن خضعت لمنطق الإثارة المجردة — على إعادة برمجة العقول على الخوف، أو على تمجيد الاستهلاك، أو على القبول بفكرة أن القوة وحدها هي اللغة الناجعة.


في الموسم الرمضاني، حيث تتحول الشاشات العربية إلى ساحة تنافس محتدم، تبدو هذه المعادلة أكثر وضوحًا. الميزانيات ترتفع، والإعلانات تتكاثر، وتدخل القنوات الكبرى — التي تضخ ملايين الدولارات في الإنتاج والتسويق — سباقًا محمومًا على انتزاع انتباه المشاهد. في هذا السياق الإنتاجي الضخم، لا يصبح العمل الدرامي مجرد نص أو رؤية فنية، بل استثمارًا اقتصاديًا يسعى إلى ضمان العائد، ما يعزز الميل إلى العناصر الأكثر قدرة على جذب الجمهور سريعًا. هنا تتصدر ثلاثية المال والجنس والعنف بوصفها محركات درامية فعالة، تضمن التشويق وتؤمّن التفاعل وتُبقي المشاهد مشدودًا من حلقة إلى أخرى، لكن السؤال الذي يلحّ عليّ لا يتعلق بنسب المشاهدة، بل بصورة الحياة التي نكرّسها حين تصبح هذه العناصر هي اللغة الدرامية السائدة في بيوتنا طوال شهر كامل، وعلى امتداد سنوات.


حين يُقدَّم الثراء بوصفه معيار النجاح الأوحد، وحين يُختزل الصراع في مشاهد بطش دامية، وحين يتحول الجسد إلى أداة إغراء بصري، فإن الرسائل لا تمر عابرة. إنها تتراكم في الوجدان، وتعيد رسم الحدود بين المقبول والمرفوض. المشكلة لا تكمن في حضور هذه العناصر بحد ذاتها، فهي جزء من التجربة الإنسانية ومن بنية السرد الدرامي، لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول من أدوات تخدم الفكرة إلى غاية قائمة بذاتها، وحين يصبح التصعيد الدائم شرطًا للإبقاء على الانتباه، لا مدخلًا لفهم أعمق للواقع.


ومع تحوّل المشاهدة إلى فعل رقمي تقيسه الخوارزميات بالدقائق والثواني، تتعقّد الصورة أكثر. المنصات تكافئ المحتوى الذي يُبقي الجمهور أطول وقت ممكن أمام الشاشة، والمحتوى الصادم بطبيعته أكثر قدرة على تحقيق ذلك. هنا تتداخل الرغبة مع التوجيه؛ فهل يقدّم المنتج ما يطلبه الجمهور فعلًا، أم أن الجمهور يتكيّف تدريجيًا مع ما تدفعه الخوارزميات إلى الواجهة؟ إنها دائرة متبادلة التأثير، يتراجع فيها سؤال القيمة أمام سؤال الجذب، ويتحول “الراتينغ” من مؤشر قياس إلى معيار جودة.


الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بالتطبيع الرمزي. حين يُقدَّم رجل العصابة بطلًا شعبيًا، أو يُبرَّر الثراء الفاحش بلا مساءلة أخلاقية، أو يُصوَّر العنف كخيار حتمي لا بديل عنه، فإننا لا نتابع حكاية فحسب، بل نتدرّب — من حيث لا نشعر — على قبول أنماط بعينها من التفكير والسلوك. وفي المقابل، ثمة أعمال توظّف هذه العناصر لتفكيكها لا لتجميلها، فتجعل من الصراع مدخلًا لسؤال أعمق حول السلطة والهوية والإيمان والمعنى، كما في بعض التجارب الدرامية التي ناقشت فكرة البحث عن قائد أو عن يقين في زمن الاضطراب، ومنها مسلسل ، حيث يتحول العنف من مادة إثارة إلى مرآة لخلل اجتماعي وأخلاقي أوسع. الفارق هنا ليس في وجود العنصر، بل في طريقة معالجته.


وربما يكون من السهل إلقاء اللوم كاملًا على الصناعة، لكن المسألة أكثر تعقيدًا. نحن لا نجلس أمام الشاشات مكرهين. نختار، نتابع، نعيد النشر، ونتحدث عمّا يعجبنا. نمنح الوقت والاهتمام، وهما عملة العصر الأثمن. الصناعة لا تعمل في فراغ؛ إنها تعكس — بقدر ما تُشكّل — أذواقنا الجماعية. وإذا كانت الإثارة السريعة تتصدر، فلأنها تجد صدى ما فينا، ولو على مستوى الفضول العابر.


يبقى السؤال الأخلاقي والثقافي معلقًا: أي وعي نريد أن نصوغه لأنفسنا ولأبنائنا؟ هل نكتفي بدور المتلقي الذي يستهلك ما يُقدَّم له، أم نمارس حقنا في الاختيار والنقد والدعم الواعي لأعمال ترتقي بالأسئلة بدل أن تكتفي بتكثيف الغرائز؟ الدراما يمكن أن تكون مساحة تحرر، كما يمكن أن تكون أداة تطبيع. وبين الاحتمالين، لا تقف الصناعة وحدها، بل نقف نحن أيضًا. فالمعركة الحقيقية ليست بين مسلسل وآخر، بل بين وعي يُساءَل ووعي يُستدرَج، بين مشاهدة عابرة ومشاهدة تدرك أنها، في النهاية، مشاركة في صياغة المعنى.

 


سامية عرموش/ صحافية وناقدة سينمائيّة، تعمل على تفكيك الخطاب البصري وتحليل أثره الاجتماعي، ومحاضِرة مُستقلّة في موضوع السينما كأداة للتغيير. حاصلة على ماجستير بدرجة امتياز في “ثقافة السينما” من جامعة حيفا.