راضية الدباغ
لم يعد السؤال المطروح في المغرب اليوم هو لماذا يعزف المواطن عن السياسة، بل لماذا لم تعد السياسة قادرة على إقناع المواطن بأنها أداة حقيقية للتغيير. فالعزوف الانتخابي واتساع دائرة الشك في الفاعلين السياسيين لم يعودا مجرد ظاهرة ظرفية مرتبطة بسياق انتخابي معين، بل تحولا إلى مؤشر عميق على أزمة ثقة تمس جوهر العلاقة بين المجتمع والحقل السياسي.
لقد استطاعت الدولة المغربية خلال العقود الأخيرة أن تبني مؤسسات دستورية متقدمة وأن تطلق أوراشاً إصلاحية كبرى، غير أن المفارقة تكمن في اتساع المسافة النفسية بين هذه المؤسسات والمواطن. فالأزمة لم تعد في النصوص القانونية ولا في هندسة المؤسسات، بل في الممارسة اليومية وفي صورة السياسة كما ترسخت داخل الوعي الجماعي، حيث لم يعد المواطن يرى في الفعل السياسي قوة قادرة على تحسين واقعه أو الدفاع عن انتظاراته.
حين لا يلمس المواطن أثر القرار العمومي في حياته اليومية، تتحول الانتخابات إلى طقس دوري بلا رهانات حقيقية. وقد عاشت دول أخرى وضعاً مشابهاً، كما حدث في إيطاليا خلال تسعينيات القرن الماضي، حين أدى تراكم فقدان الثقة وغياب المحاسبة السياسية إلى انهيار مصداقية الأحزاب التقليدية، الأمر الذي فرض إعادة بناء المشهد السياسي على أساس قواعد أكثر صرامة في الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. الدرس الذي قدمته تلك التجربة واضح: الثقة لا تُستعاد عبر الخطابات، بل عندما يدرك المواطن أن المسؤولية السياسية ليست امتيازاً دائماً بل تكليفاً مؤقتاً مرتبطاً بالنتائج.
وفي سياق قريب، عرفت إسبانيا بعد الأزمة الاقتصادية لسنة 2008 اهتزازاً قوياً في ثقة المواطنين بالأحزاب. غير أن النظام السياسي استطاع تجديد نفسه عبر فتح المجال أمام نخب جديدة وتعزيز الديمقراطية الداخلية داخل التنظيمات الحزبية، مما أعاد جزءاً مهماً من الثقة دون المساس باستقرار المؤسسات. ما تكشفه هذه التجربة هو أن قوة الأنظمة الديمقراطية لا تقاس بغياب الأزمات، بل بقدرتها على تجديد الوساطة السياسية كلما ابتعدت عن المجتمع.
أما في الدول الإسكندنافية، فقد بُنيت الثقة السياسية على قواعد مؤسساتية واضحة تجعل الشفافية جزءاً من الثقافة العامة للدولة. سهولة الوصول إلى المعلومة، ووضوح تدبير المال العام، وسرعة المحاسبة السياسية، كلها عناصر جعلت المواطن يشعر بأنه شريك فعلي في القرار العمومي. وهنا يتأكد أن تخليق الحياة السياسية لا يقوم على الوعظ الأخلاقي، بل على بناء منظومة تجعل الانحراف استثناءً مكلفاً لا ممارسة ممكنة.
وفي تجربة مختلفة، قدمت مدينة بورتو أليغري بالبرازيل نموذجاً لافتاً من خلال اعتماد الميزانية التشاركية، حيث أصبح المواطنون يشاركون مباشرة في تحديد أولويات الإنفاق المحلي.
هذا القرب بين القرار العمومي والاحتياجات اليومية أعاد الاعتبار للعمل السياسي لأنه منح المواطن إحساساً ملموساً بالتأثير. فالسياسة تستعيد مشروعيتها عندما يشعر الناس أنهم جزء من صنعها لا مجرد متلقين لنتائجها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الحياة السياسية ليس الاحتجاج، بل اللامبالاة. فالتاريخ السياسي المعاصر يبين أن الفراغ السياسي يولد أشكالاً جديدة من التعبير خارج المؤسسات، كما حدث في عدد من الديمقراطيات الأوروبية حيث أدى تراجع الثقة في الأحزاب إلى صعود خطابات احتجاجية حادة. وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في ارتفاع أو انخفاض نسب المشاركة فقط، بل في الحفاظ على الإيمان الجماعي بجدوى السياسة نفسها.
المغرب اليوم أمام لحظة دقيقة تتطلب إعادة بناء المعنى السياسي قبل البحث عن إصلاحات تقنية جديدة. فاستعادة الثقة تمر عبر جعل المحاسبة السياسية مرئية للمواطن، وتجديد النخب الحزبية على أساس الكفاءة، وتعزيز القرار المحلي حتى تصبح السياسة قريبة من الحياة اليومية، وترسيخ الشفافية كقاعدة ثابتة في تدبير الشأن العام. فحين يشعر المواطن أن صوته قادر على التأثير وأن السياسة خدمة للصالح العام وليست مجالاً مغلقاً للنخب، تعود المشاركة تلقائياً وتستعيد الديمقراطية روحها الحية.
إن تخليق الحياة السياسية ليس شعاراً أخلاقياً عابراً، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الإصلاحات واستمرار الدولة في مسارها التنموي. فالمجتمعات لا تدخل الأزمات عندما تختلف سياسياً، بل عندما تفقد الثقة في جدوى السياسة، وحينها يصبح إصلاح العلاقة بين المواطن والسياسة أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
راضية الدباغ/ عدلة موثقة باستئنافية طنجة محللة سياسية مختصة في قضية الصحراء والوضع الأمني المغربي الإفريقي