فينيسيوس جونيور
يتفاخر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم دومًا بثالوثه المقدس: الاحترام، والعدالة، والمساواة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ما جرى بين فينيسيوس جونيور وجيانلوكا بريستياني: هل هذه القيم مبادئ راسخة تُترجَم إلى أفعال حقيقية، أم أنها مجرد شعارات تُزيّن الواجهة؟
وجّه لاعب بنفيكا جيانلوكا بريستياني إهانة عنصرية إلى نجم ريال مدريد فينيسيوس جونيور خلال مباراة الذهاب بين الفريقين في ملحق ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا. ردّ الويفا جاء سريعًا بـ"تعليق مؤقت" للاعب الأرجنتيني في مباراة الإياب التي ستجمع الفريقين، وذلك استنادًا إلى المادة الرابعة عشرة من لائحتها التأديبية.
تنصّ المادة الرابعة عشرة من اللائحة التأديبية للويفا على أن كل لاعب يُهين كرامة إنسان أو مجموعة من الناس — بسبب لون البشرة أو العرق أو الدين أو الأصل الإثني أو الجنس أو التوجه الجنسي — يُعاقب بإيقاف لا يقل عن 10 مباريات، أو لفترة زمنية محددة، أو بأي عقوبة مناسبة أخرى.
التعليق الذي أعلنه الويفا "مؤقت"، مشروط، وقابل للنقض. الاتحاد نفسه أوضح أن القرار "لا يُخلّ بأي قرار قد تتخذه الأجهزة التأديبية لاحقًا"، أي أن بريستياني قد يُوقَّف عن مباراة واحدة حاسمة، ثم يعود إن ضعفت الأدلة. وهذا بالضبط ما تُلمّح إليه بعض المصادر الصحفية التي تشير إلى أن القضية ماضية نحو الحفظ بسبب شُح الإثباتات المادية.
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم نفسه أمام هذا السيناريو. في عام 2021، صدر بحق لاعب سلافيا براغ أونديرج كوديلا حكم بالإيقاف مباراة واحدة فقط في البداية، قبل أن تنتهي التحقيقات بإيقافه بعشر مباريات — الحد الأدنى الذي نصّت عليه اللائحة — وهو ما وصفه محامي الضحية غلين كامارا آنذاك بأنه "الحد الأدنى فحسب". وجاء الحكم استناداً إلى شهادة زميل كامارا الذي أكد سماعه الإهانة مباشرة، لا إلى دليل مرئي أو مسموع.
يتكرر المشهد بتفاصيل شبه متطابقة. فقد أكد كيليان مبابي، زميل فينيسيوس جونيور، للصحفيين عقب انتهاء المباراة أنه سمع بأذنيه خمس مرات لفظة "قرد" تُوجَّه من بريستياني إلى فينيسيوس. شاهِدٌ من داخل الملعب، بصوت واضح وموقف صريح.
صرّح جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، أن ما جرى "صدمه وأحزنه"، وأن "لا مكان للعنصرية في الرياضة ولا في المجتمع". كلام نبيل، لكن الكلام وحده لا يحمي كرامة فينيسيوس ولا يحمي غيره ممن سيأتون بعده.
ولم يقف الأمر عند حدود الويفا ورئيس الفيفا، فقد دخلت الحكومة البرتغالية على الخط، إذ أعلنت هيئة الوقاية ومكافحة العنف في الرياضة (APCVD) في بيان نشرته على موقعها الرسمي عن فتح إجراء إداري تأديبي للتحقيق فيما إذا كانت قد صدرت فعلاً إهانة عنصرية بحق فينيسيوس خلال المباراة التي احتضنها ملعب دا لوز. تطور يُضيف ثقلاً مؤسسياً جديداً إلى القضية، ويؤكد أن ما جرى لم يعد شأناً كروياً بحتاً، بل تجاوز الملعب إلى دهاليز السلطة، خصوصاً أن البرتغال بلد كرة قدم وستستضيف المونديال بعد أربع سنوات.
يذهب المحلل الرياضي الاسباني والنجم السابق فيرناندو موريانتس إلى أن الحل لا يبدأ من المؤسسة، وربما يكون الأنجع: زملاء اللاعب المتهم في الفريق ذاته هم من يجب أن يكونوا أول من يُدين السلوك العنصري ويفضحه علنًا، لا الفريق الخصم. فحين يصمت أقرب الناس إلى المُخطئ، فإن صمتهم يُرسّخ "ثقافة التسامح" مع العنصرية أكثر مما تفعله أي عقوبة رسمية.
هذه الرؤية تقلب المعادلة: اجعل البيئة المحيطة بالعنصرية نفسها جزءًا من الحل. وهي فكرة تستحق من الويفا أن تُدرجها في بروتوكولاتها، لا أن تكتفي بالتحقيق والانتظار.
في نهاية المطاف، قضية بريستياني وفينيسيوس ليست مجرد حادثة عنصرية في ملعب كرة قدم — بل هي امتحان حقيقي لمؤسسة تضع القيم في صدارة خطابها. الاتحاد الأوربي لكرة القدم، كأي مؤسسة، لا يُحكم عليه بما يكتبه في لوائحه، بل بما يتخذه من قرارات حين يصعب الفعل. نتيجة هذا الامتحان لم تُعلَن بعد.
ياسر أزيار (إعلامي رياضي)