المريزق المصطفى
إلى الأستاذة الراحلة سيمون فايل،
درّستك مراراً لطلبتي، وقرأتك بتمعّن. كل مرة أقترب فيها من موقفك، كان شعوري وكأنني ألامس فكرة نقية، حدّ الشفافية. حجتك حادة، أخلاقية، تكاد تكون مطلقة: الأحزاب السياسية آلات لصناعة الشغف الجماعي، تضغط على التفكير الفردي، وتسعى أولاً إلى توسيع ذاتها.
كنت أفهمك جيداً، وأكاد أوافقك… لكنني، في اللحظة الحاسمة، لا أستطيع. ليس لأن تحليلك ضعيف، بل لأنه قوي جداً، قوي إلى درجة أنه يلامس المثال ويتجاوز الواقع.
لقد كنت تفكرين في الحقيقة كقيمة عليا، منزّهة عن كل انتماء. كنت تخافين أن يتحول الحزب إلى معبد دنيوي، وأن يصبح الولاء التنظيمي بديلاً عن البحث الحر عن الصواب. في زمنك، زمن الحروب الشمولية، كان هذا التحذير أخلاقياً ووجودياً.
لكنني أعيش وأفكر في مجتمع لا يُدار بالمثال الأخلاقي وحده، بل بتوازنات، وبنيات، ووسائط. هنا تبدأ مسافة التردد بيننا. الحزب — مهما كان ناقصاً — يظل إطاراً للتأطير، مدرسة للسياسة، ووسيطاً بين المجتمع والدولة. إلغاء الأحزاب لا يعني بالضرورة تحرير السياسة، بل قد يعني تعرية المجتمع أمام سلطة بلا وسائط، أو أمام فوضى بلا أفق.
في السياق المغربي، الوضع أكثر تعقيداً. لسنا أمام أحزاب شمولية تبتلع المجتمع، بل أمام أحزاب تعاني أحياناً من ضعف المعنى وضعف الجاذبية. المشكلة ليست في فائض القوة، بل في هشاشة الثقة. المشكلة ليست في هيمنة التنظيم، بل في تراجع قدرته على التعبئة الأخلاقية والفكرية.
ومن هنا وُلد عندي ما أسميه مؤقتاً “الطريق الرابع”: ليس طريق الإلغاء كما اقترحتِ، وليس طريق التقديس الحزبي التقليدي. إنه حلم بأحزاب أقل انغلاقاً إيديولوجياً، أكثر انفتاحاً على المجتمع، أكثر تواضعاً أمام الحقيقة، وأقل هوساً بالنمو العددي والانتخابي. أحزاب تتحول من “آلة تعبئة” إلى “فضاء تفكير”، ومن جهاز ولاء إلى “مختبر اقتراح”، من تنظيم يسعى إلى ذاته، إلى مؤسسة تبحث عن الصالح العام.
ربما لا أستطيع أن أوافقك تماماً لأنني لا أستطيع أن أؤمن بالسياسة بلا تنظيم، لكنني أوافقك في شيء أعمق: أن الحزب، حين يتحول إلى غاية في ذاته، يفقد روحه.
أدرّسك لطلبتي لا لأتبنى دعوتك حرفياً، بل لأبقي السؤال مفتوحاً: كيف نجعل الانتماء السياسي خادماً للحقيقة لا سيداً عليها؟ وكيف نبني تعددية حزبية تُغني المغرب بدل أن تُثقله؟
بين نقدك الجذري، وحلمنا الواقعي، تمتد المسافة التي أعيش فيها فكرياً… مسافة ليست رفضاً لك، بل محاولة لتجاوزك دون خيانتك.
يتبع
مع كل الاحترام والتقدير،
المريزق المصطفى
مؤسس الطريق الرابع، فاعل مدني، داعم للحوار الديمقراطي
* سيمون فايل ( 1909 – 1943)، فرنسية، فيلسوفة، كاتبة وناشطة مدنية واجتماعية.
مجال اشتغالها: الفلسفة، الفكر الاجتماعي والسياسي، الأخلاق.
من أهم مواقفها: نقد شديد للأحزاب السياسية، وطالبت بإلغائها، كما ركزت على خطر السلطة والتنظيم على الحرية الفردية.
طالبت بدمج الفكر الفلسفي مع العمل الاجتماعي والعملي..