سعيد الكحل
يجسد انضمام المغرب إلى مجلس السلام كعضو مؤسس، وانخراطه في تحقيق الأهداف التي تأسس من أجلها تحت رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفاء جلالة الملك بمسؤولياته كرئيس لجنة القدس تجاه الشعب الفلسطيني، وكذا الالتزام التاريخي الذي شدد عليه جلالته في الرسالة التي وجهها إلى التجريدة المغربية التي كانت متوجهة إلى جمهورية إفريقيا الوسطى (2013) كالتالي: "إن مبادرتنا اليوم التي تعزز رصيد بلدنا الكبير والغني في عمليات حفظ السلام على الصعيد العالمي، لتستمد جذورها من تقاليدنا الاسلامية والحضارية الراسخة ومن انتمائنا الإفريقي المتجذر وكذا من التزام جلالتنا التاريخي بوجوب التعاون الدولي المتعدد الاطراف من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وصيانة الوحدة الترابية والوطنية للشعوب".
إن التجربة الغنية التي راكمها المغرب بمشاركاته المتعدد في جهود إحلال السلام بكثير من الدول مثل الكونغو، الصومال، والبوسنة والهرسك والكوسوفو، والكوت ديفوار، تؤهله ليضطلع بالمهمات التي أسندت إليه أو اختار تنفيذها ضمن إطار الأمم المتحدة. من هنا جاءت تلبية المغرب للدعوة التي تلقاها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعضوية في مجلس السلام، وكذا سرعة المبادرة التي أعلنها على لسان السيد ناصر بوريطة والمهام التي تكلف بإنجازها لفائدة الفلسطينيين، وعلى رأسها: المشاركة في إدارة قطاع غزة، بناء مستشفى ميداني لتقديم الخدمات الصحية للغزيين، تكوين وتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية من أجل حفظ الأمن وتثبيت شرعية المؤسسات الفلسطينية.
لا غرو أن التزام المغرب بالدفاع عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة ووفاءه بتعهداته المالية لفائدة وكالة بيت مال المقدس، وكذا مبادراته الإنسانية الداعمة لصمود المقدسيين حفاظا على هوية المقدسات ضد سياسة التهويد، جعله يحظى باحترام الفصائل الفلسطينية وترحيبها بعضويته في مجلس السلم ومشاركته في جهود إحلال السلام وكف العدوان عن غزة والضفة. فالمغرب، وبخلاف من يصنفون أنفسهم ضمن "محور الممانعة"، يحترم القرار الفلسطيني ولا يتدخل في الشؤون الداخلية للفلسطينيين أو يتاجر بقضيتهم. وكلما دعت الضرورة واقتضى الوضع الإنساني التدخل إلا وكان المغرب أول المبادرين (في 2012 ثم 2018 أقام مستشفى ميداني بقطاع غزة، في 2021 أعاد المغرب بناء وتجهيز مستشفى القدس التخصصي بقطاع غزة بعد أن دمره العدوان الإسرائيلي على غزة سنة 2008، بالإضافة إلى العمل الميداني الذي تضطلع به وكالة بيت مال القدس، كآلية تنفيذية وميدانية للجنة القدس في إنجاز خطط ومشاريع ملموسة، سكنية وصحية، وتعليمية واجتماعية لفائدة المقدسيين). كما ساهم المغرب في إعادة بناء كلية الملك الحسن الثاني للعلوم الزراعية والبيئية التابعة لجامعة الأزهر في غزة التي دمرها الاحتلال سنة 2009، فضلا عن بناء مطار غزة الدولي.
الأفعال أبلغ من الأقوال.
ليس غريبا على المغرب أن يسارع إلى تقديم يد العون إلى الفلسطينيين، سواء في مبادرات إنسانية، أو في إطار مجلس السلام المنبثق عن قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي رحب بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة و"تثبيت وقف إطلاق النار الدائم والشامل في قطاع غزة، وإدخال وتقديم المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإعادة إعمار القطاع"، فضلا عن "تهيئة مسار موثوق يتيح للشعب الفلسطيني تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية". إنها أهداف واضحة من أجلها تم إنشاء المجلس، وبدافع تحقيقها انضم إليه المغرب.
إن المغرب الذي جعل من القضية الفلسطينية قضيته الوطنية الأولى توازي في قدسيتها قضية الصحراء المغربية، لا يمكنه إلا أن يكون على رأس المستجيبين لنداء أهل غزة من أجل وقف العدوان وإدخال المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار. من هنا يؤكد المغرب أن استقرار غزة وإعادة إعمارها وعودة الحياة الطبيعة إلى سكانها، هي المدخل الأساس لإطلاق مفاوضات السلام من جديد على أساس حل الدولتين. ولا شك أن الارتهان الفلسطيني إلى أجندات قوى إقليمية أو دولية لخدمة أهدافها، انتهى إلى ما انتهى إليه من دمار وتقتيل وإضعاف للموقف الفلسطيني مع ما ترتب عنه من تعدد الولاءات. فالمغرب يتصرف من منطلق مسؤولياته الدينية والسياسية والإنسانية والأخلاقية؛ لهذا لا ينتظر تزكية ولا ترخيصا من أي جهة كانت لكي يقوم بواجبه تجاه الشعب الفلسطيني. لهذا لن تزعجه أصوات الناعقين ولا بكائيات الفاشلين ولا نحيب سماسرة القضية الفلسطينية. فالمغرب بدبلوماسيته الواقعية وحكمة ملكه اختار بناء تحالفات وفق ما يخدم مصالحه العليا ويضمن السلم والاستقرار في المنطقة والعالم، فيما ترك للسماسرة جوطية الشعارات الزائفة التي لا تبني الأوطان ولا تضمن الأمن والسلام. وهذا ما نوه به الجنرال "مارك ميلي"، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الأمريكية السابق "لولا المغرب لرأينا أزمة الشرق الأوسط بشمال أفريقيا، المغرب دولة محورية في نشر الاستقرار بجواره وعلى الدول المحيطة به أن تعي بحجم هذا المعطى، أمريكا لا تتحالف مع الدول الاستفزازية أو التي تتسبب بزعزعة الاستقرار". فما أحوج الفلسطينيين إلى المبادرات التي تنهي معاناتهم وتحمي أرواحهم وترسم لهم مسار إقامة دولتهم المستقلة. إذ بعد أن فشلت هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في إيجاد حلول عملية للفلسطينيين، جاءت مبادر الرئيس ترامب بتشكيل مجلس السلام كآلية فعالة لوقف الحرب وإنهاء معاناة سكان غزة من التقتيل والدمار. ويبقى مبدأ المغرب ومثله العملي: Actions speak louder than words.