ابراهيم افروخ
في السياسة، لا تُقاس الحقائق بما يُقال في المؤتمرات الصحفية، بل بما يترسخ في موازين القوى على الأرض. ومنذ سنة 2020، لم يعد المغرب يتحرك داخل ملف الصحراء بمنطق ردّ الفعل، بل بمنطق إعادة التموضع الاستراتيجي داخل نظام دولي يتشكل من جديد.
من قرار 2797 إلى منطق الحسم
يشكل قرار مجلس الأمن 2797 محطة ضمن المسار الأممي للنزاع، باعتباره امتدادًا لتراكم قرارات تعود إلى سنة 1991، ودعوة متجددة إلى حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق. الرباط تتعامل مع هذا القرار باعتباره جزءًا من دينامية دولية تتجه نحو إنهاء الجمود عبر حل سياسي يمثله الحكم الذاتي.
هذا التحرك الخارجي تزامن مع رمزية وطنية واضحة تخليد ذكرى المسيرة الخضراء، والوصول إلى 31 أكتوبر عيد الوحدة المغربية، في رسالة مفادها أن المسار الدبلوماسي ليس منفصلًا عن العمق السيادي والوجداني للمملكة.
من اتفاق مدريد إلى مفاوضات فلوريدا
بالعودة إلى اتفاقية مدريد لسنة 1975، يتضح أن ملف الصحراء ظل مرتبطًا بمحطات تفاوضية مفصلية. واليوم تُقرأ مفاوضات مدريد التمهيدية كحلقة ضمن مسار تقوده واشنطن، يُستكمل في جولات فلوريدا، في محاولة للانتقال من إدارة النزاع إلى صياغة تسوية سياسية نهائية.
الاستفزازات الجزائرية على الحدود لم تؤثر على هذا المسار، لا في مدريد ولا في فلوريدا، ولا في عضوية المغرب كمؤسس لمجلس السلام العالمي، ما يعكس أن الرهان أصبح استراتيجيًا طويل النفس في صمت وعلى أرض الواقع.
جولة واشنطن: امتداد لتحول 2020
جولة 23 فبراير 2026 بالولايات المتحدة تأتي في سياق تحرك تقوده واشنطن بتنسيق مع الأمم المتحدة. ويُقرأ هذا المسار كامتداد للتحول الذي وقع في 10 دجنبر 2020 عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء، وهو قرار أعاد رسم جزء من التوازن داخل مجلس الأمن.
الهدف المعلن اليوم هو الانتقال من إدارة النزاع إلى فرض منطق الحل، في ظل اتساع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربي، وتزايد الاعترافات بمغربية الصحراء.
مجلس السلم العالمي: تموقع خارج القوالب التقليدية
الحديث عن “مجلس السلم العالمي” يعكس تشكل إطار تحالفي جديد خارج البنية التقليدية للأمم المتحدة. عضوية المغرب فيه وفق الطرح المتداول تعني انتقاله من موقع الدفاع الدبلوماسي إلى موقع المبادرة داخل هندسة تحالفات قوية وإستراتيجية.
هذا المجلس كشف خيوط تحريض إقليمي كان مساهم في تعميق القطيعة المغاربية. فالدولة التي فشلت في لعب دور الوسيط بين الرباط والجزائر، هي نفسها التي يُتهم إعلامها وفي مقدمته قناة الجزيرة بتكريس مناخ التوتر، من خلال استضافة الرئيس عبد المجيد تبون عقب كل خطاب تصالحي كان يلقيه الملك محمد السادس ويمد فيه يده للجزائر، بل ويعرض لقاءً مباشرًا لتجاوز الخلافات.
فرنسا، الجزائر، واستمرار التصعيد
تُشير بعض القراءات إلى دور فرنسي سابق في تأزيم العلاقات بين المغرب والجزائر سنة 2019 ، قبل أن تجد باريس نفسها أمام تصعيد يصعب احتواؤه. وإذا كانت فرنسا تدعم المغرب داخل مجلس الأمن، فإن منطق المصالح قد يفتح باب دعم متبادل داخل أطر تحالفية جديدة ففرنسا لا تملك مقعدا في مجلس السلام العالمي.
والنظام الجزائري الذي دخل في مسار التصعيد ضد المغرب هو نظام لا يجيد المناورة أو التراجع، ما يجعل الأزمة مستمرة رغم الدعوات المتكررة للحوار بعبارة أخرى من دفع نظام تبون لهذا الوضع لن يثنيه...
قطر ومصر: حسابات النفوذ العربي
قطر ليست عدوًا معلنًا للمغرب ولا حليفًا ثابتًا. غير أن اتهامات تطالها بلعب أدوار توتيرية في عدة ساحات إقليمية، عبر أدوات إعلامية وسياسية. ويُقال إنها تقف وراء حملات ترفض أي دور مغربي في غزة، خصوصًا في جنين.
أما مصر، فتنظر وفق هذا الطرح بتحفظ إلى أي امتياز جيوسياسي عربي خارج دائرتها التقليدية. وقد حاول تبون إستغلال هذه النظرة معبرا في خروج علني عن امتنانه لدعمها مصر التاريخي للجزائر، مستحضرًا حرب الرمال وذكر مساندة نظام جمال عبد الناصر ومشاركة الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك جنب الجزائر في حرب 1963 ضد المغرب ، محاولا تشكيل تقارب سياسي وإعلامي ظرفي يتوافق مع الطرح الجزائري.
من العطاء دون مقابل إلى دبلوماسية المصالح
قبل 2020، كان المغرب يمنح كثيرًا دون مقابل واضح، خصوصًا في ملف الصحراء، لكن بعد جائحة كورونا، تغيّر المنظار: كل علاقة دولية أصبحت تُقاس من زاوية الاعتراف بمغربية الصحراء وهذا أعلنه الملك محمد السادس في خطاب رسمي سابق. لم يعد هناك دعم مجاني، بل شراكات مبنية على المصالح. للمغرب اليوم حضور فاعل داخل مجلس الأمن، وتموقع داخل مجلس السلم العالمي، ورغبة في تمثيل القضايا العربية والإفريقية من موقع الندّية.
غزة والدور المغربي
رغم الحملات الإعلامية، يصعب إقصاء المغرب عن أي دور محتمل في غزة، بحكم موقعه الإقليمي ورئاسته للجنة القدس ضمن منظمة التعاون الإسلامي. وحتى داخل حسابات الفصائل الفلسطينية، تبقى التوازنات الإقليمية عنصرًا حاسمًا لا يمكن تجاهله وبالتالي صوت قطر ضد المغرب في جنين لن يسمع.
انفراج الملف يزعج دول ضد موقع المغرب الجديد
هناك مؤشرات قوية توحي بأن نزاع الصحراء قد يعرف إنفراجا في الشهور المقبلة، في ظل تغير موازين القوى الدولية وتنامي الاعترافات بمغربية الصحراء. فالمعادلة اليوم واضحة من يملك الأرض والتنمية والتحالف، يملك القدرة على فرض الرواية، والمغرب، منذ 2020، لم يكتفِ بالدفاع عن موقفه، بل أعاد صياغة موقعه داخل شبكة التحالفات الدولية، رابطًا السيادة بالمصلحة، والتحالف بالاعتراف، والدبلوماسية بالتنمية.