عبد العالي بلقايد
تنشط ذاكرة الطفولة من خلال أراجيز محددة وألعاب مخصوصة بهذا الشهر الكريم، فغذاة حلول الشهر الفضيل تنطلق حناجر الأطفال مالئة أزقة دواويرنا ضجيجا له معنى وله محاولة لمفهمة هذا الطقس الديني والشعيرة التي تطبع المجتمع المغربي، على اعتبار أنها موحدة لتصرفات كل المغاربة، بحيث أن لا تسامح مع من يفطر شهر رمضان، الأطفال الذين كنا، كانت تغوينا أرجوزة (تيريرا، تيريرا. هذا عام لحريرة)، فكنا نرددها بشغف كبير، ونتجمع تحت مصباح الحي الكهربائي لكي نطلق احتفالنا الطفولي بهذا النزوع المشوب باللذة الفمية التي تشبع نهمنا إلى هذه الوجبة التي تكون غائبة عنا طيلة السنة من مائدة الأسرة، كما تسجل الحضور بالأعراس حيث يحظى المدعوون بها خلال فترة الصباح الموالي (للفراجة).
إنها وجبة لا تحضر إلا في المناسبات المتميزة كما كانت أسلوب حياة على أساسها تكون ثقافات الفئات، فسكان الأحياء الطينية الوطئة، لا حظ للوصول إليها إلا بالمناسبات شأن الموز والتفاح اللذان لا يحظى بهما إلا نزيل المستشفى.
حين تمتليء البطون بالحريرة والتي يفضلون أن تكون مما ترسّب بقاع القدر الذي تتجمع به القطنيات نخرج للحي. لنملأ الحي بالقرب من المصباح الكهربائي لجعل فضائه يهيمن عليه هرجنا ومرجنا الجميل عبر لعبة (حريق) المكونة من حدين على تناقض مطلق بمعنى (حر...رق).
فأنت حر حين تكون غير موشوم بوضع يد الخصم على رأسك مقرون بعلامة (حنينة) التي تخرجك من اللعبة مؤقتا. فهو أسر متميز بالحنان لأنه يقع ضمن نطاق اللعب.
في نفس الوقت تكون فتيات الحي منغمسات حد الإنتشاء في حفل غنائي لوحدهن دون إزعاج من أي كان. كل هذا الشغب الطفولي يتم والآباء منهمكون في أداء التراويح، فبانتهائها يهيمن الصمت إيذانا برجوع الكل إلى المنازل حيث وجبة العشاء، فالخلود للنوم المبكر بحيث لا وجود لوسائط من تلفاز أو ما شاكلها للانخراط أو التسلي بها، ما عدا حكايات الجدات أو الأمهات التي كانت متعتنا التي تستهوينا وتؤجج أحلامنا.
هي ألعاب وأراجيز كصور وأشكال من التنشئة الإجتماعية التي هي من خلق وإبداع بيئتنا، تحتوي متعة وقيما نشأنا وكبرنا عبرها في أحياء طينية وطئة تستحق أن تعاش وأن تكون موضوعا لنوستالجيا ذات قيمة إجتماعية وثقافية في عالم اخترقته الكثير من الوسائط التي تهدم الذاكرة والتاريخ.