عبد الواحد غيات
ملخص
العولمة التي صممها الغرب لتكون بساطاً لنفوذه، تحولت إلى متاهة تهدد أمنه القومي. يتناول هذا المقال التحول الدراماتيكي من 'السيولة المطلقة' إلى 'الجغرافيا الخشنة'، مستعرضاً كيف منحت العولمة خصوم الغرب مفاتيح القوة التكنولوجية والاقتصادية، مما دفع العواصم الغربية اليوم نحو ارتداد تاريخي إلى حضن 'الدولة القومية' والحمائية الرقمية، معلناً بذلك انتهاء عصر البراءة في النظام الدولي.
مقدمة: "انكسار المرآة الغربية".. ملامح النظام العالمي في عصر ما بعد العولمة
نحن نعيش اليوم اللحظة التي وصفها الجيوسياسيون بـ "الفراغ الاستراتيجي الكبير." بينما كان العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين يغفو على وعود "نهاية التاريخ" وسيادة النموذج الغربي الأوحد، استيقظ منذ مطلع عام 2020 على واقع مغاير تماماً؛ واقعٍ لم تعد فيه العولمة بساطاً أحمر لفرش القيم الليبرالية، بل تحولت إلى "متاهة جيوسياسية" معقدة تهدد فاطرها الأول.
إن السؤال الذي يطرحه هذا المقال: "هل أخطأ الغرب حين عولم العالم؟" ليس سؤالاً أكاديمياً ترفياً، بل هو محاولة لفهم الانقلاب الدراماتيكي في العقيدة السياسية الغربية. فنحن نشهد الآن تحولاً من "العولمة الشاملة" التي تذوب فيها الحدود، إلى "الجغرافيا السياسية الخشنة" حيث تُبنى الجدران الرقمية، وتُسلّح سلاسل التوريد، وتتحول الممرات المائية إلى نقاط خنق استراتيجية.
لقد أدرك الغرب، ربما متأخرا، أن الأدوات التي استخدمها لربط العالم وإخضاعه، هي ذاتها التي منحت خصومه "مفاتيح القوة" لاختراق حصونه الاقتصادية والتقنية. ومن هنا، ينطلق هذا التحليل ليسبر أغوار "الندم الغربي"، ويرصد كيف تحولت العولمة من "جسر للسلام التجاري" إلى "ساحة لحرب باردة جديدة"، تُعاد فيها صياغة مفهوم السيادة، وتستعاد فيها هيبة الدولة القومية من منفى الشركات العابرة للقارات.
إننا بصدد قراءة في "خارطة الندم"، واستشراف لملامح عالم جديد يُولد من رحم الانكفاء الغربي وصعود القوى الصاعدة، حيث لم تعد القوة تُقاس بما تملكه من مال، بل بما تسيطر عليه من جغرافيا، ومعلومات، وموارد.
I - الاستهلال – من نشوة الانتصار إلى صدمة الواقع
لم يكن أحد في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وتحديداً عقب سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي، يتوقع أن تصل لحظة تاريخية يقف فيها الغرب أمام "مرآة الجيوسياسة" ليسأل نفسه بسخط: هل كنا على صواب حين فتحنا أبواب العالم على مصراعيها؟
إن العولمة التي نعيشها اليوم لم تكن مجرد صدفة اقتصادية، بل كانت "مشروعاً إرادياً" صاغه الغرب ببراعة، ورسمه كتاج ذهبي لانتصاره النهائي في الحرب الباردة. كان الاعتقاد السائد في واشنطن ولندن وبروكسل أن العالم قد دخل عصر "السيولة المطلقة"، حيث تتلاشى الحدود أمام تدفقات رؤوس الأموال، وتذوب الثقافات الوطنية في بوتقة "القيم الكونية" الغربية، وتتحول الدولة القومية إلى مجرد "منظم مرور" لشركات عابرة للقارات.
اليوم، وبعد ثلاثة عقود من هذا الانفتاح المطلق، تخيم حالة من "الصمت الثقيل" على مراكز صنع القرار في العواصم الغربية. هذا الصمت ليس غياباً للرؤية بقدر ما هو مراجعة مؤلمة؛ فالعولمة التي رُوّج لها بوصفها أداة للهيمنة الناعمة وتوسيع نفوذ الديمقراطيات الليبرالية، تحولت في نظر الكثير من الاستراتيجيين الغربيين إلى "حصان طروادة" سمح للقوى الصاعدة بمنافسة الغرب في عقر داره، وأدى إلى تآكل الطبقات الوسطى التي هي عماد الاستقرار السياسي في الداخل الغربي.
في هذا المقال التحليلي، نغوص في أعماق هذا التحول، لنرصد كيف انتقل الخطاب الغربي من "التبشير" بالعولمة إلى "التوجس" منها. إننا لا نرصد مجرد تغيير في السياسات التجارية، بل نرصد انكساراً في العقيدة السياسية الغربية، حيث بدأ صانع القرار الغربي يدرك أن الأدوات التي استخدمها لتوحيد العالم تحت قيادته، هي ذاتها التي أصبحت تهدد موقعه، وأمنه القومي، وحتى هويته الثقافية.
II -الجذور الأيديولوجية – غطرسة "نهاية التاريخ" ووهْم الهيمنة الأبدية
لفهم أسباب "الندم" الحالي، يجب العودة إلى اللحظة التي صِيغ فيها مفهوم العولمة بصيغته الليبرالية الحديثة. في أوائل التسعينيات، سيطرت على الفكر الغربي حالة من "النشوة الجيوسياسية". كان كتاب فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" يمثل الإنجيل السياسي لتلك المرحلة؛ حيث جادل بأن الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الحر يمثلان "نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للبشرية".
بناءً على هذا التصور، انطلق الغرب في بناء نظام عالمي يقوم على ثلاث ركائز أساسية:
1. إجماع واشنطن: وهو مجموعة من الوصفات الاقتصادية التي تفرض الخصخصة، وتحرير التجارة، وتقليص دور الدولة، كشرط وحيد للازدهار.
2. تفتيت السيادة: الترويج لفكرة أن "الحدود أصبحت عائقاً"، وأن المنظمات الدولية والشركات الكبرى يجب أن تمتلك سلطة تسمو فوق سلطة الدول القومية.
3. الارتباط السلمي: وهي الفرضية التي اعتقدت أن دمج الدول "غير الديمقراطية" (مثل الصين وروسيا) في التجارة العالمية سيؤدي حتماً إلى تحويلها إلى ديمقراطيات ليبرالية تشبه الغرب.
كان الغرب يرى في العولمة "طريقاً ذا اتجاه واحد"؛ هو يصدّر التكنولوجيا والقيم والسلع الثقافية، ويستورد المواد الخام والعمالة الرخيصة. لم يضع الخبراء في الحسبان سيناريو "انقلاب السحر على الساحر"؛ أي أن تتمكن دول من خارج المنظومة الغربية من تبني "رأسمالية الدولة" واستخدام آليات العولمة ذاتها (حرية التجارة، سلاسل التوريد، الثورة الرقمية) لبناء قوة عسكرية واقتصادية هائلة دون الانصياع للقيم السياسية الغربية.
إن الندم الغربي ينبع من اكتشاف حقيقة مرة: وهي أن العولمة لم تؤدِّ إلى "تغريب العالم" كما كان مخططاً، بل أدت في حالات كثيرة إلى "تشريقه "، حيث انتقل مركز الثقل الاقتصادي من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، تاركاً القوى التقليدية في حالة من الذهول الجيوسياسي.
III: المنعطف الصيني – حين أهدى الغرب خصمه مفاتيح القوة
إذا أراد المؤرخون مستقبلاً تحديد اللحظة التي بدأ فيها أفول الهيمنة الغربية المطلقة، فسيشيرون بلا شك إلى يوم 11 ديسمبر 2001؛ تاريخ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية (OMC). في تلك الحقبة، سيطر 'وهم المروّض' على النخبة السياسية في واشنطن، من بيل كلينتون إلى جورج بوش الابن، اعتقاداً منهم بأن دمج التنين الصيني في شرايين العولمة سيؤدي حتماً إلى تدجينه سياسياً وقيميا.
لكن المشهد في عامي 2024 و2025 كشف عن زلزال جيوسياسي أعمق؛ فالندم الغربي لم يعد محصوراً في خسارة 'حزام الصدأ' الصناعي، بل تعداه إلى صدمة 'التفوق النوعي'. إذ تشير المعطيات الراهنة إلى أن الصين لم تعد مجرد 'ورشة تجميع' خلفية للعالم، بل أضحت تقود البشرية في 37 قطاعاً تقنياً استراتيجياً من أصل 44، تشمل الذكاء الاصطناعي الفائق وتقنيات الطاقة المتجددة. إن هذا التحول يعني باختصار أن الغرب لم يفقد السيطرة على الأسواق والوظائف فحسب، بل فقد 'السيادة المعيارية' التي كانت تمنحه الحق الحصري في صياغة مستقبل التكنولوجيا العالمية."
وهم "الارتباط "
استندت الاستراتيجية الغربية إلى فرضية ليبرالية كلاسيكية تقول إن التجارة المفتوحة ستخلق طبقة متوسطة صينية تطالب بالديمقراطية، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل نظام الحزب الواحد. لكن ما حدث كان "معجزة عكسية"؛ فقد استوعبت بكين آليات السوق الحر دون أن تتخلى عن قبضتها المركزية. بل والأدهى من ذلك، أنها استخدمت الأرباح الهائلة الناتجة عن العولمة لتعزيز نظام "رأسمالية الدولة"، وبناء ترسانة عسكرية وتكنولوجية تتحدى الوجود الأمريكي في المحيط الهادئ.
نزيف "حزام الصدأ" والشرخ الاجتماعي
بينما كانت الشركات الكبرى في "وول ستريت" و"وادي السيليكون" تجني أرباحاً خيالية من نقل المصانع إلى الصين للاستفادة من العمالة الرخيصة، كان القلب الصناعي لأمريكا وأوروبا ينزف. أدى هذا "الندم الغربي" إلى ظهور ظاهرة، حيث فُقدت ملايين الوظائف في قطاعات التصنيع التقليدية. هذا لم يكن مجرد خسارة اقتصادية، بل كان زلزالاً اجتماعياً أدى إلى صعود الحركات الشعبوية. فالعامل في ولاية "أوهايو" أو في شمال "فرنسا" أصبح يرى في العولمة عدواً سلب منه كرامته ومعيشته، مما وفر الوقود السياسي لخطابات الانعزال والجدران الجديدة.
IV: العولمة الرقمية – من القوة الناعمة إلى "السيادة المخترقة"
في التسعينيات، كانت الإنترنت تُعتبر السلاح الأمثل للغرب؛ وسيلة لنشر قيم الحرية الفردية وتفكيك الأنظمة الشمولية. كان الغرب يعتقد أن "المعلومات تريد أن تكون حرة"، وأن هذا التدفق سيخدم حتماً السردية الغربية.
تيك توك ومعضلة "الخوارزميات الأجنبية"
اليوم، نجد الغرب في حالة ذعر رقمي. صعود تطبيقات مثل "تيك توك" يمثل ذروة الندم الغربي على العولمة الرقمية. لأول مرة في التاريخ الحديث، لا يسيطر الغرب على "الميدان العام الرقمي" الذي يستهلك فيه شبابه المعلومات. عندما يحاول الكونجرس الأمريكي حظر تطبيق ما أو إجبار شركته الأم على البيع، فإنه يمارس فعلياً "الحمائية الرقمية" التي كان يعيبها على الصين وروسيا قبل عقدين. هذا الاعتراف بأن التدفق الحر للمعلومات يمكن أن يمثل "تهديداً للأمن القومي" هو إعلان رسمي عن نهاية عصر البراءة في العولمة الرقمية.
سلاح المعلومات والتدخل في الديمقراطيات
لقد أدرك الغرب متأخراً أن العولمة الرقمية جعلت مجتمعاته "مكشوفة". التدخلات في الانتخابات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وانتشار الأخبار الزائفة، واستقطاب الرأي العام، كلها ظواهر أثبتت أن أدوات العولمة التكنولوجية يمكن استخدامها لتفكيك الديمقراطيات من الداخل. لم تعد الإنترنت "طريقاً سريعاً للمعلومات" نحو الديمقراطية، بل أصبحت ساحة لمعارك "الحرب الهجينة. " ويمكن تلخيص هذا الانقلاب المفاهيمي في الفضاء الرقمي من خلال المقارنة التالية :
المفهوم الرقمي | عصر العولمة (1990 - 2010) | عصر الجيوسياسة الخشنة (2020 - 2026) |
طبيعة الإنترنت | فضاء عالمي مفتوح بلا حدود | فضاء مجزأ (الجدران الرقمية السيادية) |
تدفق البيانات | المعلومات تريد أن تكون حرة | البيانات كأصل استراتيجي يخضع للأمن القومي |
المنصات الكبرى | أدوات لنشر الديمقراطية والقيم | ساحات للحرب الهجينة والتأثير الخوارزمي |
السيادة | سيادة تقنية غربية مطلقة | صراع على "السيادة المعيارية" والرقائق
|
V: أزمة "سلاسل التوريد" – العولمة كقيد لا كجسر
جاءت جائحة كورونا لتكون "لحظة الحقيقة" القاسية. اكتشف الغرب فجأة أنه لا يستطيع إنتاج كمامة طبية واحدة أو مادة كيميائية أساسية لدواء بسيط دون المرور بالصين.
تبعية المواد الخام: انكسار الدرع الاستراتيجي "لقد كشف الاعتماد الكلي على خصوم محتملين لتأمين المعادن الأرضية النادرة —العمود الفقري لصناعات المستقبل كالهواتف والسيارات الكهربائية— عن ثغرة أمنية قاتلة في جسد الاقتصاد الغربي. هذا الارتباط الوثيق لم يعد مجرد علاقة تجارية، بل تحول إلى حالة من الضعف الاستراتيجي؛ حيث أدرك الغرب متأخراً أن سلاح 'المواد الخام' قد يُستخدم ضده في أي لحظة، مما دفع الدولة القومية للتدخل السريع لفك هذا الارتباط وإعادة بناء سلاسل توريد أكثر أماناً، حتى لو كانت أكثر كلفة."
من كفاءة الربح إلى درع الأمن: انقلاب المفاهيم الاقتصادية: لم يقتصر التراجع الغربي على الجانب السياسي، بل امتد ليعيد صياغة العقيدة الاقتصادية من جذورها؛ فبعد ثلاثة عقود من سيادة شعار 'الإنتاج في الوقت المحدد' لتحقيق أقصى درجات الربح، يهرع القادة الغربيون اليوم نحو استراتيجية 'التحسب للطوارئ' هذا التحول نحو الإنتاج المحلي أو ما يُعرف بـ 'التحالف الصديق' ، يمثل تراجعاً صريحاً عن مبادئ العولمة الاقتصادية الخالصة لصالح اعتبارات الأمن القومي.
هذا التحول تجلى بوضوح في تبني الغرب لما يعرف بـ 'الأمن الاقتصادي السيادي'. ففي عام 2025، لم يعد الغرب يكتفي بالدعوة لحرية التجارة، بل أصبح يمارس 'الحمائية المقنعة' عبر قوانين دعم الصناعة المحلية (مثل قانون الرقائق والمناخ)، وهو ما يمثل انقلاباً جذرياً على 'إجماع واشنطن' الذي كان الغرب يفرضه على الدول النامية لعقود.
VI: الارتداد نحو الداخل – صعود "القومية المتوجسة" وتآكل الهوية
لم تكن العولمة مجرد حركة لتبادل السلع، بل كانت مشروعاً يطمح لصهر الهويات الوطنية في قالب "المواطنة العالمية". لكن هذا الطموح اصطدم بصخرة الهوية التي عادت لتبرز بقوة كفعل "مقاومة" ضد ما يراه الكثيرون في الغرب "تذويباً لسيادتهم".
اليمين القومي وعودة "الإنسان المتجذر"
يشهد الغرب اليوم صعوداً كاسحاً لتيارات اليمين، من "ترامب" في الولايات المتحدة إلى أحزاب اليمين القومي في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. هذا الصعود ليس مجرد حادث عارض، بل هو "ثورة ضد العولمة". هؤلاء الناخبون يشعرون بأن العولمة قد خانتهم؛ فهي لم تجلب لهم سوى المنافسة غير المتكافئة مع العمالة الرخيصة في الشرق، وتدفقات المهاجرين التي تهدد – في نظرهم – التماسك الثقافي لبلدانهم. الندم هنا يتجلى في العودة إلى خطاب "السيادة الوطنية" و"الحدود الصلبة". إن عبارة "أمريكا أولاً" أو "استعادة السيطرة" في بريطانيا، هي في جوهرها إعلان وفاة لمشروع العولمة الليبرالية التي لا تعترف بالحدود.
التطرّف في المجتمعات الجرمانية واللاتينية
المثير للقلق في هذا "الندم الغربي" هو الانزلاق نحو خطابات كانت تعتبر محرمة بعد الحرب العالمية الثانية. نلاحظ في بعض الدول ذات الإرث الجرماني أو اللاتيني عودة لنغمة "الاستعلاء القومي" أو حتى "شبه النازية" في بعض الأطراف السياسية، حيث يتم تصوير العولمة كمؤامرة "نخبوية" لتدمير الشعوب الأصلية. هذا التمزق الداخلي جعل الغرب "قوة مترددة" وغير قادرة على تقديم نموذج عالمي متماسك كما فعلت في التسعينيات.
VII: العولمة المسلحة – حين تصبح الاعتمادات المتبادلة أسلحة دمار
في الفكر الليبرالي الكلاسيكي، كان يُعتقد أن "الاعتماد المتبادل" هو الضمانة الأكيدة للسلام؛ فالدول التي تتاجر مع بعضها البعض لن تحارب بعضها البعض. لكن الواقع الجيوسياسي الجديد قلب هذه الفرضية رأساً على عقب.
تسليح التجارة
لقد أدرك الغرب، وخصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، أن اعتماده على الغاز الروسي لم يكن جسراً للسلام، بل كان "سلاحاً" استخدمته موسكو لابتزاز القارة الأوروبية. هذا الدرس القاسي أدى إلى ولادة مفهوم "العولمة المسلحة"؛ حيث يتم استخدام الارتباطات الاقتصادية كأدوات للضغط السياسي والعسكري. الندم الغربي هنا يظهر في محاولة "فك الارتباط" أو "تقليل المخاطر" الغرب الذي نادى طويلاً بحرية الأسواق، هو نفسه الذي يفرض اليوم عقوبات خانقة، ويمنع تصدير التكنولوجيا المتقدمة، ويستخدم "الدولار" كأداة للعقاب السياسي، مما دفع القوى الأخرى (مثل مجموعة البريكس) للبحث عن أنظمة بديلة.
إن الندم الغربي اصطدم بحقيقة أن 'سلاح العقوبات' ذو حدين؛ ففي عام 2025 بدأت القوى الصاعدة ممارسة 'الحظر العكسي' من خلال تقييد تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات العسكرية والتحول الأخضر في أوروبا وأمريكا، مما جعل الاعتماد المتبادل الذي صممه الغرب ليكون 'قيداً' للآخرين، يتحول إلى 'فخ' استراتيجي يهدد أمنه القومي.
حرب "الرقائق الإلكترونية" كنموذج
تمثل "حرب أشباه الموصلات" الذروة الحالية لهذا التوجه. تدرك واشنطن أن ترك سلاسل توريد الرقائق في يد العولمة المفتوحة قد يعني تفوق الصين العسكري. لذا، لجأت إلى سياسات "حمائية" فجة، تمنع الشركات العالمية من بيع تقنياتها للصين. هذا التصرف هو نقيض "العولمة" التي بشر بها الغرب؛ إنه اعتراف بأن الأمن الاستراتيجي يتقدم على حرية التجارة.
VIII: ازدواجية المعايير – سقطة "المعبد" الأخلاقي
لا يمكن الحديث عن الندم الغربي دون التطرق إلى "الشرخ القيمي". الغرب الذي استخدم العولمة لنشر مفاهيم حقوق الإنسان وحرية التعبير، يجد نفسه اليوم متهماً بـ "النفاق" في نظر بقية العالم (Global South).
اختبار غزة والجامعات العريق: إن العنف الذي قوبلت به الاحتجاجات الطلابية في هارفارد وكولومبيا ضد الحرب في غزة، كشف عن هشاشة الالتزام الغربي بقيمه المدعاة عندما تتعارض مع مصالحه الاستراتيجية الكبرى.
نهاية "التبشير الأخلاقي": لم يعد العالم ينظر إلى الغرب كمرجع أخلاقي وحيد. فالعولمة التي سمحت بتدفق المعلومات، سمحت أيضاً بكشف "التناقضات الغربية" عبر الفضاء الرقمي، مما أدى إلى تآكل "القوة الناعمة" الغربية بشكل غير مسبوق.
الخاتمة – نحو "عولمة مجزأة" ونظام دولي قيد التشكل
في ختام هذا التحليل، يمكننا القول إن الغرب لا يندم على "العولمة" كفكرة اقتصادية تهدف إلى الرفاهية، بل يندم على "سذاجته الجيوسياسية" التي جعلته يعتقد أن العالم سيبقى للأبد يدور في فلكه. إن اللحظة الراهنة لا تمثل "نهاية التاريخ" كما تنبأ فوكوياما، بل تمثل "عودة التاريخ" بكل صراعاته، وقومياته، وجغرافيته الصلبة.
من "العولمة الشاملة" إلى "عولمة الكتل"
"نحن لا نشهد انسحاباً كاملاً من العالم أو توجهاً نحو عزلة مطلقة، بل نعيش انتقالاً جذرياً من العولمة المفتوحة إلى عصر 'عولمة الخنادق' أو 'الجغرافيا السياسية المجزأة'. في هذا المشهد، ينقسم العالم إلى نظامين متوازيين ودوائر نفوذ متنافسة: دائرة تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها (G7) التي تسعى للانكماش وحماية مكتسباتها، ودائرة صاعدة تقودها الصين ومنظمة (BRICS+) التي تتوسع ديموغرافياً وجغرافياً لتشمل بحلول عام 2026 قرابة نصف سكان العالم. إننا ننتقل إلى عصر 'التعددية القطبية الخشنة'، حيث لم تعد الأولوية لأرخص الأسعار، بل لأكثر الشركاء موثوقية، وحيث أصبحت القوة هي المعيار الأساسي بدلاً من القيم المشتركة."
هذا التحول العالمي أثبت أن 'الدولة القومية' هي الكيان الوحيد القادر على توفير الأمن والحماية لمواطنيها في وقت الشدة، وليس المنظمات الدولية أو الشركات العابرة للحدود. ويتجلى هذا التوجه في استبدال 'اليد الخفية' للسوق التي بشر بها آدم سميث بـ 'اليد الثقيلة' للدولة الأمنية التي تتدخل مباشرة لحماية صناعاتها الاستراتيجية، وهو ما يضع العواصم الغربية اليوم أمام سؤال وجودي: 'هل لا يزال بإمكاننا تدارك الأمر؟'.
إن الجدران التي يبنيها الغرب اليوم —سواء كانت جمركية، رقمية، أو مادية— ليست إلا اعترافاً ضمنياً بأن القوى الأخرى قد تعلمت قواعد اللعبة وتفوقت فيها، مما جعل العودة من 'المنفى' إلى حضن الدولة القومية خياراً حتمياً للبقاء."
ما بعد "الندم".. العالم في انتظار "العقد الكبير"
إن "الندم الغربي" الذي حللناه في هذا المقال ليس مجرد لحظة عاطفية، بل هو "صافرة إنذار" تعلن انتهاء عصر الهيمنة الأحادية وبداية عصر "الجغرافيا السياسية الصلبة". ونحن نستشرف أفق عام 2026 وما بعده، يبدو أن العالم لن يتخلى عن العولمة كلياً، بل سيعيد تعريفها لتصبح "عولمة خنادق" قائمة على الولاءات الاستراتيجية لا على حرية الأسواق.
في هذا المشهد الجديد، تبرز ثلاث ملامح كبرى ستشكل مستقبلنا:
1. بروز "القوى المرجحة": لن يكون العالم حكراً على واشنطن وبكين؛ بل ستلعب دول "الوسط الجيوسياسي" (مثل القوى العربية الكبرى، الهند، وتركيا) دور "بيضة القبان". هذه الدول التي تمتلك الموارد (الطاقة والمعادن) والممرات (البحر الأحمر والخليج العربي) ستكون هي القادرة على مقايضة "الارتباط" بـ "السيادة".
2. جغرافيا "السيادة التقنية": ستتحول الحدود من "جدران إسمنتية" إلى "جدران رقمية". الصراع القادم سيمحور حول من يمتلك "البيانات والذكاء الاصطناعي"، فالدولة التي لا تملك سيادة رقمية ستجد نفسها "مستعمرة تكنولوجية" في نظام العولمة الجديد.
3. عودة "الإقليمية" القوية: أمام فشل المنظمات الدولية (مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية) في كبح جماح الصراعات، سنشهد صعود التكتلات الإقليمية المرنة. إن نجاح العرب في تحويل منطقتهم إلى "جسر ربط" عالمي عبر الممرات التجارية الجديدة، هو الرهان الوحيد للخروج من عباءة "الندم الغربي" والدخول في عصر "الفعل التاريخي".
إن التاريخ لا يعود للوراء، والغرب الذي يندم اليوم على عولمة العالم، يدرك في قرارة نفسه أن "الجني قد خرج من المصباح". التحدي الحقيقي أمامنا الآن ليس في البكاء على أطلال العولمة القديمة، بل في القدرة على حجز مقعد في قطار "النظام العالمي التعددي" الذي يُكتب ميثاقه اليوم، ليس بالحبر، بل بالممرات، والرقائق، وموازين القوى الجديدة.
خلاصة القول: إن العولمة لم تنتهِ، ولكنها فقدت براءتها. لقد تحولت من "وعد بالسلام العالمي" إلى "ساحة حرب" باردة جديدة. والغرب الذي شكل العالم على صورته قبل ثلاثين عاماً، يجد نفسه اليوم مضطراً للعيش في عالم لم يعد يشبهه، بل ربما بدأ يتمرد عليه. إن "الندم الصامت" الذي نلمسه في القوانين الحمائية والخطابات القومية، هو في الحقيقة أنين الهيمنة وهي تحاول إعادة اختراع نفسها في بيئة دولية لم تعد تعترف بالأستاذ الوحيد.
إننا نعيش لحظة تحوّل تاريخية كبرى، حيث يكتب الغرب اليوم أولى سطور "انكماشه" التكتيكي، ليس ضعفاً منه بالضرورة، بل إدراكاً بأن العالم الذي صنعه أصبح أكبر من أن يسيطر عليه.
الدكتور عبد الواحد غيات، باحث في العلوم السياسية
يتمتع الدكتور عبد الواحد غيات بمسار استثنائي يمزج بين الرصانة الأكاديمية والخبرة الميدانية الواسعة. فهو حاصل على دكتوراة في العلوم السياسية، ودبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد من جامعة محمد الخامس، بالإضافة إلى ماجستير في تدبير الموارد البشرية من معهد (ISCAE) . وتتجسد خبرته العملية في تقلده لمناصب قيادية بالقطاع العام وممارسته للاستشارة في القطاع الخاص، فضلاً عن كونه كاتباً ومحللاً بارزاً في منصات إعلامية وطنية ودولية باللغتين العربية والفرنسية.