كمال السعيدي: مرافعة ضد "إعلان موت السياسة"

كمال السعيدي: مرافعة ضد "إعلان موت السياسة" الدكتور كمال السعيدي

انطلق هذا التأمل من حوار غني مع الصديق نجيب الزيلالي، الذي لخص واقع الحال برؤية تعكس تياراً عريضاً يرى في نجاعة الدولة بديلاً عن عجز التنظيمات، حيث يقول:
"الأحزاب في المغرب هي أصلاً ضعيفة، والآن هي أضعف بكثير من ذي قبل... وهذا شأن كل الأحزاب حالياً في العالم... أين تلك الأحزاب الأوروبية العتيقة؟ لكل زمان لاعبوه السياسيون والاقتصاديون. ما يهم هنا والآن هو التعاضد مع الدولة في مخططاتها الاستراتيجية الكبرى بحكم اختصاصها الحصري، لكن مع تتبع وتقييم للعمل الحكومي من أجل تجويده وجعله أكثر أنسنة وأبيأة... ما عدا إن كانت بعض الأحزاب لا تطربها أصلاً اختيارات الدولة... هنا الكلام يكون بالنسبة لي مضيعة للوقت.. ( انتهى تعليق الصديق نجيب الزيلالي )

- انطلاقاً من هذا التوصيف الذي يقدمه الصديق نجيب ، والذي يضعنا أمام واقعية سياسية تمنح الأولوية لـ "الإنجاز" على حساب "الأداة"، أجدني مدفوعاً لتقديم مرافعة مغايرة، من أجل احترام أدوار ووظائف الأحزاب السياسية الحقيقية، باعتبارها ضرورة للديمقراطية ولقوة الدولة نفسها في مواجهة تقلبات المستقبل .. أهمية الأحزاب كما أرى تكمن في وظيفة الوساطة، صناعة النخبة السياسية ثم تأطير الصراع الإجتماعي إلى جانب دور الرقابة وتجويد السياسات ..

 

بعد عقود من الصراع على السلطة والثروة، انتهى الأمر إلى ما يشبه "الانتصار التاريخي" للنظام على المعارضة اليسارية، لأسباب موضوعية وذاتية منها عجز المعارضة عن مواكبة بعض التحولات العالمية والديناميات المجتمعية، وأخطاء في الممارسة وأزمة الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب، ضعف التأطير وسوء التقدير السياسي لمرحلة الانتقال إلى المشاركة، مع عدم توقع قدرة النظام على احتواء النخب وتدجينها.. مما أفقد المواطن الثقة في الأحزاب السياسية عموما ..

 

هذا " الانتصار " أدى إلى تشرذم المعارضة التاريخية إلى ثلاث فئات: فئة قبلت بالهزيمة واستسلمت وتماهت مع منطق السلطة، وفئة منكفئة هجرت السياسة نحو العمل الجمعوي أو التقاعد النضالي، وفئة ثالثة لا تزال تقاوم من أجل استعادة بعض المعنى للعمل الحزبي.

 

في قلب هذا التحول، برز تيار داخل فئة التماهي يرى أن ضعف الأحزاب هو ظاهرة عالمية وأن الأولوية الآن هي للانخراط في رؤية الدولة وتنفيذ أوراشها ومخططاتها الكبرى أي أن يقتصر دور الأحزاب على تسويق مشروع الدولة والدفاع عنه والمساهمة في تنزيله.

 

تصور في الواقع يحتوي على مغالطة، حيث أزمة الأحزاب في الديمقراطيات هي أزمة تمثيل، ولكنه في واقعنا يصبح نوعًا من إعلان "موت السياسة"، لأنه يرى الأحزاب كملحقات إدارية للدولة، وينكر عليها أدوارها ووظائفها التي وجدت لأجلها، أي إدارة الصراع الإجتماعي وتمثيل المواطنين من أجل ممارسة السلطة الفعلية ..

 

المفروض أن الأحزاب السياسية هي عقل الدولة ومشتل النخب التي تدير سياساتها، وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه أهمية الانتخابات في الديمقراطيات من خلال تباري الأفكار والبرامج والنخب. لكن تحويلها إلى مجرد واجهات شكلية يضع الدولة مكشوفة في وضع  " العراء السياسي".

 

حين تطفو الدولة العميقة إلى السطح لممارسة السلطة بشكل مباشر ، فإنها تحرق الوسائط المؤسسية، وقد تجد نفسها في مواجهة مباشرة وربما عنيفة مع الشارع عند كل أزمة. وقد أثبتت أحداث "حراك الريف" و"جرادة" و"فكيك"، واحتجاجات جيل زد وما رافقها، أن "المنجز الاستراتيجي" وحده لا يكفي لامتصاص الغضب الاجتماعي الذي تفجره الحاجيات الآنية والمباشرة.

 

كذلك لم تنجح فكرة استقدام نخب هجينة يتم فيها إلباس التقنوقراط عباءة حزبية، لأنه مع الافتقار للشرعية النضالية والقاعدة الشعبية، وبمجرد حدوث أزمة، يختفي المستقدمون لأنهم لا يملكون واقعياً "النفس السياسي" لإدارة وحل الأزمات ولا القدرة على المحاسبة الشعبية..

نحن على بعد مسافة من احتجاجات جيل زد، وعلى بعد أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية، يعود الرهان على رفع منسوب المشاركة 

وصعود نخب جديدة وشابة. وهنا يبرز خطاب تبخيس دور الأحزاب لصالح "رؤية وبرنامج الدولة" كمفارقة، بل وكمأزق .. ذلك أن إعادة الروح للسياسة وإغراء الكفاءات الشابة بالانخراط لا يمكن أن يتحقق بالدعوة لمجرد "التأثيث"، بل يمر عبر احترام استقلالية القرار الحزبي والانفتاح على النتائج الحقيقية للاستشارات الانتخابية، لأن الحزب الذي لا يملك قراره، أو لا تدعمه قواعد مؤمنة بمشروعه، لا يمكنه أن يملك ثقة الشارع.
 

كما أن عدم ثقة الشباب في الأحزاب السياسية ليس معناه بالضرورة رفضهم للعمل الحزبي، قد يكون رفضا لأحزاب يرونها مجازية لا تمتلك سلطة تحقيق مطالبهم وطموحاتهم.

 

خلاصة:
الانبهار بـ "الرؤية التقنوقراطية" للدولة على حساب العمل الحزبي هو توجه يفتقر للحس الاستراتيجي. فالدولة حين تمارس السلطة مباشرة وتتجاوز الأحزاب بمبرر الإنجاز، إنما تدمر "عوازل الصدمات" التي تحميها وقت الأزمات في لحظات الغضب الشعبي المفاجئ.
الدولة القوية هي التي تسمح بالتطور الطبيعي والديمقراطي للأحزاب السياسية، وتجعل من خصوبة الحقل الحزبي مورداً لنخب عالية التكوين وشديدة الارتباط بهموم وانشغالات شعبها ..