رياض وحتيتا: الإصلاح يبدأ من السوق.. حلول استراتيجية لكسر حلقة الوسطاء

رياض وحتيتا: الإصلاح يبدأ من السوق.. حلول استراتيجية لكسر حلقة الوسطاء رياض وحتيتا

مع بداية شهر رمضان، يتجدد النقاش حول غلاء الأسعار وارتفاع أثمنة الخضر والفواكه، في مشهد يكاد يتكرر كل سنة، لكنه هذه المرة يأتي في سياق اقتصادي أكثر حساسية بفعل تراكم آثار الجفاف، وارتفاع كلفة الانتاج، وضغط القدرة الشرائية للأسر. غير أن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه بجرأة هو: هل يعود هذا الارتفاع فعلاً إلى ضعف الإنتاج، أم إلى اختلالات عميقة في منظومة التسويق وتعدد الوسطاء؟
صحيح أن بعض السلاسل الفلاحية تأثرت بالمواسم السابقة، لكن الواقع يؤكد أن جزءاً كبيراً من التضخم في الأسعار لا يحدث في الحقول، بل بين الحقل والسوق. فالمنتوج يغادر الضيعة بثمن معقول نسبياً، لكنه يصل إلى المستهلك بسعر مضاعف أو أكثر، نتيجة تعدد حلقات الوساطة داخل أسواق الجملة والأسواق الكبرى. هذه الهوة بين سعر المنتج وسعر البيع النهائي تكشف عن خلل بنيوي في سلاسل التوزيع، حيث تتحول بعض الحلقات إلى فضاءات للمضاربة بدل أن تكون جسوراً للتوازن بين العرض والطلب.
المطلوب اليوم ليس فقط تكثيف لجان المراقبة قبيل رمضان، لأن المقاربة الظرفية أثبتت محدوديتها، بل إطلاق إصلاح هيكلي لمنظومة تسويق المنتوجات الفلاحية. من بين أهم الخطوات تقليص عدد الوسطاء، تشجيع البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، دعم التعاونيات الفلاحية، وإعادة تنظيم أسواق الجملة وفق معايير حديثة للحكامة والشفافية.
وفي هذا السياق، تبرز رقمنة الأسواق الكبرى كخيار استراتيجي لا يقبل التأجيل. فمن غير المنطقي أن نظل في عصر التحول الرقمي دون أن تتوفر أسواق الجملة على مواقع إلكترونية رسمية محينة يومياً، تنشر أسعار البيع حسب الصنف والجودة والكميات الرائجة. إن إتاحة هذه المعطيات للعموم من شأنها أن تضع حداً لضبابية الأسعار، وأن تقلص هامش التأويل الذي يستغله بعض الوسطاء لرفع الأثمنة بشكل غير مبرر. كما ستمكن الفلاح من معرفة السعر الحقيقي لمنتوجه قبل نقله إلى السوق، وتمكن المستهلك من تتبع تطور الأسعار بوضوح، مما يعزز الثقة داخل المنظومة.
إن الرقمنة ليست مجرد تحديث تقني، بل أداة لضبط السوق وتحقيق العدالة السعرية. فعندما تصبح الأسعار منشورة وموثقة يومياً، يصعب التلاعب بها، وتتحول المنافسة إلى عنصر توازن حقيقي بدل أن تكون ساحة للمضاربة.
إن معالجة غلاء الأسعار قبيل رمضان يجب أن تنطلق من فهم أن المشكل ليس في وفرة الإنتاج فقط، بل في حكامة التسويق. فإذا أردنا حماية القدرة الشرائية للمواطن وإنصاف الفلاح في الوقت نفسه، فعلينا بناء منظومة شفافة، منظمة، ورقمية، تجعل السعر انعكاساً حقيقياً للعرض والطلب، لا نتيجة لاختلالات في الوساطة أو استغلال للطلب الموسمي. الإصلاح الحقيقي يبدأ من السوق، ومن إعادة الثقة بين المنتج والمستهلك عبر قواعد واضحة، معلنة، وقابلة للتتبع