حسان البلعاوي: لماذا ليلى شهيد ؟

حسان البلعاوي: لماذا ليلى شهيد ؟ الراحلة ليلى شهيد

لماذا كل هذا الاهتمام الفلسطيني والعربي والفرنسي برحيل ليلى شهيد، والذي كان اخره بيان الرئاسة الفرنسية؟ ولماذا هذا الحضور الكثيف لاسمها في مختلف المنابر وعلى كل المستويات؟

بلا شك، ليلى شهيد ليست أول سفيرة فلسطينية، وليست أول مناضلة نودّعها. فقد سبقها جيل كامل من السفراء والمناضلين الذين عملوا لفلسطين في سنوات بالغة الصعوبة، لا سيما في سبعينيات القرن الماضي، من محمود الهمشري إلى عز الدين القلق ونعيم خضر وسعيد حمامي وغيرهم، كما عرفت الساحة الفلسطينية والعربية مفكرين وإعلاميين تركوا بصماتهم في الدفاع عن الرواية الفلسطينية. لكن السؤال هنا لا يتعلق بالمفاضلة بين الرموز، بل بطبيعة ما جسدته ليلى شهيد في شخصها ومسيرتها؛ فهي كانت، في معنى عميق، اختصارًا مكثفًا لمسارات تاريخية ونضالية وثقافية تلاقت في تجربة واحدة.

تنتمي ليلى إلى خلفية عائلية مقدسية ذات حضور في التاريخ الوطني؛ فوالدتها سيرين جمال الحسيني من أسرة الحسيني المعروفة، ووالدها منيب شهيد مولود في عكا، طبيب مرموق في لبنان والعالم العربي، وعميد كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت. بهذا المعنى اجتمع في نشأتها تاريخ القدس وعكا، وامتداد بيروت الأكاديمي والثقافي، وهو امتداد سيشكّل لاحقًا جزءًا من مفاتيح فهم شخصيتها: نخبوية التعليم من جهة، والالتصاق بفكرة فلسطين وتاريخها الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى.

في لبنان، عاشت ليلى تجربة فلسطينية مركبة تجمع بين بيئة ميسورة وتعليم خاص رفيع مكّنها من الفرنسية وثقافتها، وبين انغماس واعٍ في واقع المخيمات واللجوء؛ فلم تكن الثقافة عندها امتيازًا يعزلها عن الناس، بل جسرًا إلى الناس. لذلك اختارت أن يكون عملها العلمي في علم الاجتماع مرتبطًا بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لتجسد بوعيها وممارستها وجهي التجربة الفلسطينية هناك: وجه النخبة المتعلمة ووجه المخيم المقهور.

ومنذ عام 1967 انخرطت في الحركة الطلابية، وكانت ناشطة في اتحاد الطلاب الفلسطينيين في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم انتقلت بثقلها التنظيمي إلى فرنسا حيث لعبت دورًا محوريًا في العمل الطلابي وكانت أول رئيسة لاتحاد طلاب فلسطين، لتصبح جزءًا من جيل آمن بأن الجامعة والعمل النقابي والثقافي ساحات نضال لا تقل أهمية عن أي ساحة أخرى. وفي الوقت نفسه اختارت مبكرًا الإعلام أداة للدفاع عن فلسطين: ففي عام 1968 كانت ترافق الوفود الإعلامية الفرنسية التي جاءت لتغطية الثورة الفلسطينية، وأسهمت في بناء الجسر بين الإعلام الفرنسي والواقع الفلسطيني، كما شاركت في إصدار نشرة حركة “فتح” باللغة الفرنسية في بيروت، امتدادًا لصحيفة “فتح” التي كانت تصدر في عمّان. هكذا تشكلت لديها باكرًا خبرة نادرة: صياغة الرواية الفلسطينية بلغة الآخر، لا بلغة الداخل فقط.

لم تكن ليلى منفصلة عن حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، بل كانت جزءًا أصيلًا منها، وامتدادًا لجيل كوادر منظمة التحرير في الحقلين الدبلوماسي والإعلامي، وخصوصًا عز الدين القلق الذي كانت تفخر بالقول إنها تلميذته. تعرّفت خلال ذلك على مئات المناضلين الفرنسيين والعرب والفلسطينيين، ونسجت شبكة واسعة مع قوى التضامن والعمل الأهلي والشعبي في أوروبا، وظلت ترى هؤلاء شركاء لا جمهورًا، وتتحرك معهم بوصفها مناضلة قبل أن تكون موظفة بروتوكولية.
لهذه الخلفية المركبة، لم يأتِ انتقالها إلى العمل الدبلوماسي انتقالًا تقليديًا من مدرسة دبلوماسية باردة، بل كان استمرارًا للنضال بأدوات أخرى. ولذلك اتخذ الرئيس ياسر عرفات عام 1989 قرار تعيينها سفيرة لمنظمة التحرير الفلسطينية في هولندا والدنمارك وأيرلندا، ثم في فرنسا، في اعتراف واضح بمسار نضالي طويل وبشخصية راكمت خبرة ميدانية وسياسية وثقافية أهلتها لتمثيل فلسطين في ساحات أوروبية شديدة التأثير.
وعندما أصبحت مفوضة عامة ثم سفيرة في فرنسا، تحركت على المستويات الرسمية كافة: رئاسة الجمهورية والحكومة والأحزاب والبرلمان ومراكز القرار، ونجحت في بناء علاقات متينة داخل هذه الدوائر. غير أن ما ميز تجربتها هو أنها أعطت الأولوية للإعلام بوصفه المدخل الأنجع للتأثير في القرار السياسي الفرنسي. فحضورها الإعلامي—كامرأة فلسطينية تتحدث الفرنسية بطلاقة، بثقافة عالية وبحجة سياسية وقانونية رصينة—حوّلها إلى “وجه مألوف” في الفضاء العام، حتى إن كثيرًا من المسؤولين كانوا يبادرون لطلب لقائها، وحين تطلب هي لقاءً كانت الاستجابة تأتي سريعًا لأن صورتها الإعلامية سبقت موعدها الرسمي ومهدت له. لقد فهمت مبكرًا أن الدبلوماسية الحديثة لا تُمارَس فقط في الصالونات، بل على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد، وأن معركة السردية يومية.
وبالموازاة، كانت ليلى إنسانة مثقفة بمعناها العميق: قارئة نهمة للصحافة الفرنسية الورقية، مطّلعة على النقاشات الفكرية والأدبية والفلسفية في فرنسا وبلجيكا، تحضر تلك النقاشات شخصيًا وتطرح الأسئلة وتشارك بقوة، لا حضورًا شكليًا. وكانت علاقتها بالثقافة عفوية ومحبّة—قراءة وموسيقى وفن ومتـاحف—لكنها أيضًا علاقة استراتيجية واعية؛ إذ أدركت أن الثقافة مدخل عميق للتأثير في المجتمعات الأوروبية، فبادرت عام 1996 إلى طرح فكرة نشاط ثقافي فلسطيني واسع على وزارة الخارجية الفرنسية، مستلهمة المواسم الثقافية التي كانت فرنسا تخصصها لدول عربية وأميركية لاتينية. ومن تلك المبادرة وُلد “الربيع الفلسطيني” في معهد العالم العربي في باريس بحضور وزيري الثقافة الفلسطيني والفرنسي، محطة مفصلية في تقديم الثقافة الفلسطينية للجمهور الفرنسي بصورة منظمة وواسعة. كان لهذه التجربة فضل كبير في توسيع الترجمة والتعريف بشعر محمود درويش وبنخبة من الأدباء والشعراء والفنانين الفلسطينيين خارج الدوائر المحدودة، ونقل فلسطين من خانة الخبر السياسي المرتبط بالصراع فقط إلى فضاء الإبداع والهوية والجمال. وكررت لاحقًا التجربة بروح مشابهة في بلجيكا عبر تظاهرة “مسارات” التي امتدت لأشهر، لترسيخ حضور فلسطيني طويل النفس في الفضاء الثقافي الأوروبي.

لم تكن ليلى تحصر نفسها في الرسمي، بل كانت جزءًا من المجتمع المدني: صداقة عميقة مع كتاب وأدباء ونقاد وأكاديميين، حضور دائم في الندوات والجامعات، واستقبال مستمر للوفود الفلسطينية الرسمية والشعبية والفكرية والثقافية، حتى غدت بيتًا مفتوحًا لفلسطين، وجسرًا دائمًا بين الداخل والشتات وأوروبا. وإلى جانب ذلك كان لها نشاط مهم على المستوى النسوي؛ لم تقدّم نفسها كمنظّرة للنسوية، لكنها كانت منخرطة عمليًا في الدفاع عن حقوق النساء، وتربط بوعي بين قضية المرأة وقضية فلسطين، وتجسد نموذج المرأة الفلسطينية القادرة على الجمع بين الكفاءة المهنية والالتزام الوطني والحضور الثقافي دون شعارات جوفاء.
وفي قلب كل ذلك، برزت واحدة من أهم ميزاتها: الاشتباك الإعلامي والسياسي المباشر مع الطرف الإسرائيلي في الإعلام الفرنسي والندوات والبرلمان ومراكز الأبحاث. لم تكن تتردد في مواجهة أي سفير أو شخصية إسرائيلية، وتخوض تلك المواجهات بثقة، مسلحة بمعرفة دقيقة بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وتفاصيل الاحتلال، فتجابه الرواية الإسرائيلية بحجة موثقة ومنطق سياسي رصين، وتطرح مفهوم السلام القائم على العدل والشرعية الدولية. وقد أدرك خصومها قبل أصدقائها أن صعوبة مواجهتها تكمن في أنها لا تعتمد على الشعارات، بل على “قوة الحجة” وهدوء الواثق، فيما يمكن تسميته “هجوم السلام الفلسطيني”: الدفاع عن السلام من موقع الحق.
وعندما كانت تزور فلسطين لم تكتفِ بالاجتماعات  الرسمية مع الخارجية والرئاسة ورئاسة الوزراء، بل كانت تذهب إلى الجامعات والمسارح والفرق الفنية والبلديات، وكانت عضوًا في مجلس أمناء جامعة بيرزيت. كما ساهمت في دفع العلاقات اللامركزية بين فرنسا وفلسطين حتى شهدت فترة وجودها توسعًا جعل أكثر من مئة بلدية فرنسية تربطها علاقات تعاون مع مدن وبلدات فلسطينية. وكثير من الفنانين والفرق الفلسطينية المعروفة اليوم كانت بداياتها بدعم مباشر منها، وهم يعترفون بذلك. كانت ترى أن دعم الإبداع جزء من معركة الحضور الفلسطيني في العالم.

ورغم أنها كانت بحكم صفتها الرسمية، ناطقا باسم منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية والرئيس ياسر عرفات ثم الرئيس محمود عباس، وكانت تدافع بقوة عن الموقف الرسمي الفلسطيني، إلا أنها لم تتنازل عن صراحتها؛ فإذا اختلفت مع جانب من السياسة الفلسطينية عبّرت عن رأيها باحترام وموضوعية وشرحت أسباب نقدها، وهو سلوك غير مألوف دبلوماسيًا، لكنها كانت تعتبر نفسها أولًا “سفيرة القضية الفلسطينية” قبل أن تكون سفيرة “الموقف الرسمي”، وتمارس دورًا مركبًا: تمثّل المؤسسة دون أن تذوب فيها، وتدافع عن الخط الرسمي دون أن تتخلى عن ضميرها النقدي.
لهذا كله، يمكن فهم لماذا بدا رحيلها حدثًا جامعًا على المستويات الفلسطينية والعربية والفرنسية: لأنها كانت “سردية كاملة” للحضور الفلسطيني في أوروبا—بين الثورة والدولة، بين النضال والدبلوماسية، بين الإعلام والثقافة، بين المؤسسة والمجتمع المدني، وبين الداخل والشتات. وحتى آخر لحظة في حياتها ظلّت تدافع عن فلسطين، وتحديدًا عن غزة؛ كانت شديدة التأثر بما يجري، تقول إنها لا تنام من هول ما يحدث، وأن الألم لم يكن خطابًا بل معاناة حقيقية انعكست على مزاجها وإيقاع حياتها. لقد نشأت مع القضية الفلسطينية، وكانت فلسطين جزءًا من تكوينها اليومي؛ “أربعٌ وعشرون ساعة لفلسطين” كما قال البعض، وهو وصف يختصر روحها.
رحمها الله؛ كانت من جيل العظماء الذين قدّموا حياتهم لفلسطين بالكلمة وبالحضور وبالمعرفة وبالقدرة على تمثيل شعبهم في أصعب الساحات. وتجربتها مدرسة تستحق أن تُعرَّف بها الأجيال، وأن تُستخلص منها الدروس في النضال الدبلوماسي والثقافي والإعلامي. عن : " العربي الجديد ".

حسان البلعاوي، سفير دولة فلسطين لدى جمهورية مالي