حميدي عبد الرفيع: ردّ الاعتبار للمخيمات الصيفية عبر تكاوين شبابية تواكب التحولات الرقمية والاجتماعية؟

حميدي عبد الرفيع: ردّ الاعتبار للمخيمات الصيفية عبر تكاوين شبابية تواكب التحولات الرقمية والاجتماعية؟ حميدي عبد الرفيع

لم تعد المخيمات الصيفية اليوم مجرد فضاءات للمرح والترفيه، أو مجرد استراحة لتغيير الأجواء بين سنتين دراسيتين؛ لقد تحولت إلى مدرسة ثانية، وإلى رافعة تربوية قادرة على إعادة تشكيل شخصية الطفل واليافع والشاب، إذا توفرت لها الحكامة والتأطير والتكوين المناسب وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا
لماذا يصبح رد الاعتبار للمخيمات رهينًا بإعادة الاعتبار للتكاوين؟
 

سياق مجتمعي جديد… وشباب جديد
يدخل الشباب المغربي اليوم عتبة مرحلة تاريخية مختلفة جذريًا عمّا عاشته الأجيال السابقة فقد أصبح العالم من حولهم رقميًا بلا حدود، تتداخل فيه المعلومة مع الصورة، والواقع مع الافتراضي، وتتشكل الهوية الفردية والجماعية تحت تأثير منصات تفرض إيقاعًا سريعًا وصخبا لا يهدأ
إنه جيل يعيش وسط شبكات اجتماعية كثيفة، تحرك وجدانه، وتعيد صياغة تمثلاته، وتؤثر في قيمه ونمط عيشه أكثر مما تفعل المدرسة والأسرة معًا
ومع هذا التحول الهائل، يجد الشباب أنفسهم في قلب منافسة شرسة في سوق شغل يتغير باستمرار، حيث لم يعد التفوق مرتبطًا بالشهادات فقط، بل بمن يمتلك القدرة على التواصل، التكيف، الابتكار، واتخاذ القرار في الزمن المناسب
وفوق ذلك، يواجه الجيل الجديد تحديات نفسية معقدة قلق متزايد، ضغط اجتماعي وذاتي، إحساس بعدم اليقين، وتراجع الثقة في المستقبل
أمام هذا الواقع المركّب، لم يعد يكفي أن تظل المبادرات التربوية وخاصة المخيمات الصيفية مجرد فضاءات للترفيه أو تكرار نماذج تكوينية قديمة
بل أصبحت مطالَبة بإعادة تموقعها جذريًا، من خلال تكاوين جريئة، ذكية، ومبتكرة، تستجيب للتحولات الرقمية، وتمنح الشباب ما يحتاجه اليوم
قدرة على فهم ذاته، قوة على التعبير، مهارات حياتية عملية، ووعيًا نقديًا يمكّنه من مواجهة عالم سريع التحول
 

التكوين… جسر بين الترفيه والتنمية
لا يمكن للمخيم أن يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية دون أن يصبح التكوين حجر الزاوية في بناء قدرات المؤطرين والشباب. فالتكوين لم يعد مجرّد "إجراء إداري" أو محطة عبور شكلية، بل هو روح الفعل التربوي، والعنصر الذي يحدد جودة التجربة وقوة أثرها في شخصية اليافعين
والفارق بين مخيم يُحدث الفرق، وآخر يعيد إنتاج نفسه، يكمن أساسًا في نوعية التكوين هناك مؤطر يكتفي بتكرار ما تعلّمه قبل عشر سنوات، يشتغل بنفس الأدوات ونفس اللغة، وكأن الزمن لم يتحرك وفي المقابل، نجد مؤطرًا يستوعب ديناميات العصر، يشتغل بمنهجيات حديثة، ويدرك كيف يخاطب جيلًا تشكل وعيه داخل فضاأت التواصل الاجتماعي بجميع تلاوينها  جيل لا يقتنع بالشعارات، بل بالتجارب الحية، والمحتوى القريب من واقعه 
التكوين الجيد لا يطور مهارات المؤطر فقط، بل يعيد تعريف وظيفة المخيم باعتباره منصة لاكتشاف المواهب، لأن المخيم هو المكان الذي تظهر فيه القدرات الخام بعيدًا عن ضغط التقييم المدرسي بهذا المعنى يصبح التكوين استثمارًا في الإنسان، وفي مستقبل الطفولة والشباب، وليس مجرد حلقة من حلقات التنظيم الإداري
فهو يجعل المخيم فضاء للتمكين، حيث يتعلم اليافع كيف يكتشف ذاته ويثق بقدراته، مختبرًا للمهارات الحياتية التي لا تُدرّس في المدرسة، مدرسةً للمواطنة، تُمارَس فيها القيم قبل أن تُلقَّن

 
المهارات الناعمة عملة المستقبل
لم يعد امتلاك الشهادات الدراسية، على أهميتها ، عاملًا كافيًا لضمان موطئ قدم في سوق الشغل. فقد تغيّرت قواعد اللعبة، وأصبحت المقاولات والإدارات تبحث عن الكفاءات العملية قبل الأوراق الرسمية، وعن الأشخاص القادرين على الإنجاز قبل الحاملين لمعارف نظرية جامدة
وفي قلب هذا التحول، برزت المهارات الناعمة باعتبارها العملة الجديدة لسوق العمل، والشرط الأساس لتأهيل أي شاب كي يواجه التحديات المهنية والاجتماعية 
هذه المهارات تشمل مجموعة واسعة من القدرات التي تحدد نجاح الفرد في حياته العملية والشخصية، ومنها
مهارات التواصل التي تسمح ببناء علاقات مهنية وإنسانية ناجحة
الجرأة في أخذ الكلمة وكسر حاجز الخجل في المواقف الرسمية
التحدث أمام الجمهور بوضوح وإقناع وثقة
العمل ضمن فريق بشكل فعال ومنسجم
إدارة الوقت وتحديد الأولويات
حل المشكلات بطريقة منهجية وخلاقة
الثقة بالنفس كقاعدة لكل سلوك ناجح
ضبط الذات وقدرة التحكم في الانفعالات
هذه المهارات لا تُكتسب داخل قاعة درس جامدة، ولا تُختبر من خلال امتحان كتابي وهنا تكمن قوة المخيمات الصيفية فهي تمتلك ما لا تملكه المدرسة أو الجامعة
المخيم فضاء مفتوح، حي، وتفاعلي، يسمح للشباب بأن يعيشوا هذه المهارات في وضعيات حقيقية يتواصلون مع مجموعة مختلفة من الشخصيات، يقدمون أنشطة أمام جمهور، يواجهون مواقف تحتاج إلى حلول سريعة، يعملون داخل فرق، ويتعلمون عبر اللعب، المحاكاة، والتجريب
بهذا الشكل يصبح المخيم مختبرًا حقيقيًا للمهارات الحياتية، لا مجرد فضاء ترفيهي، ويصبح التكوين داخله استثمارًا في مستقبل الفرد والمجتمع معًا
التكاوين الحديثة من النظرية إلى التطبيق
لم يعد ممكناً أن نُعيد الاعتبار للمخيمات بنفس الأدوات القديمة ولا بنفس التصورات التي تجعل التكوين مجرد محطة إلزامية أو «مادة تقنية» تُقدَّم بسرعة قبل انطلاق الموسم. إذا أردنا لمؤسسات التخييم أن تستعيد دورها التربوي والوطني، فالتكوين يجب أن يتحول إلى مختبر تربوي حي، لا إلى قاعة محاضرات التكوين الجيد هو الذي يدمج بين المعرفة والفعل، بين الفكرة والتجربة، بين النظرية والحياة
البعد النظري: ما الذي يجب أن يفهمه المؤطر اليوم؟
لأن جيل اليوم يتغيّر بسرعة، فإن المؤطر يحتاج لفهم الخلفيات النفسية والسوسيولوجية التي تحكم سلوكيات اليافعين
فهم نفسية اليافع في زمن السرعة والضغط والتشتت الرقمي
دينامية المجموعة وكيف تتشكل القيادة والصراعات داخل الفرق
بيداغوجيا اللعب باعتبارها أداة تعليمية، لا مجرد ترفيه
مقاربات الريادة لبناء شخصية قادرة على اتخاذ المبادرة
المقاربة الحقوقية لضمان بيئة تحترم الطفل وتحميه وتُنصت إليه
هذه المعارف ليست “ترفًا فكريًا”، بل هي شرطٌ لأي مؤطر يريد التأثير الإيجابي في شباب يعيشون واقعًا مختلفًا جذريًا عن الماضي
البعد التطبيقي: حين تتحول المعرفة إلى مهارة
القيمة الحقيقية للتكوين تظهر حين ينتقل المتدرب من الاستماع إلى الممارسة وهنا يصبح التكوين مسرحًا للتجريب
محاكاة قيادة فريق وكيفية اتخاذ القرار في وضعيات صعبة
ورشات الخطابة والتحدث أمام الجمهور لكسر حاجز الخوف وبناء الثقة
تمارين تدبير الضغط والصراع لأن المخيم فضاء مليء بالمفاجآت
إدارة مشروع صغير من الفكرة إلى الإنجاز، لتعلّم المسؤولية
ألعاب تربوية تهدف إلى تعزيز التواصل والانسجام داخل المجموعة
بهذا المعنى، يتحول التكوين إلى ورشة لبناء الإنسان، لا إلى «دورة تقنية» تُنسى فور انتهاء المخيم
إذا أردنا مخيمات تربي، وتُمكّن، وتفتح الآفاق، فعلينا أن نُعيد تخيل التكوين من جديد من فضاء لتلقين المعلومات… إلى فضاء لصناعة التحولات بهذه الطريقة، يصبح المؤطر أو الشاب متمرّسًا، واثقًا، قادرًا على قيادة مجموعة، وعلى حل المواقف الصعبة داخل المخيم وخارجه
 

من مخيم للتسلية… إلى مخيم للتمكين
لم تعد المخيمات الجادة مجرد فضاءات للمتعة أو عطلة جماعية تنتهي بانتهاء الصيف المخيمات التي تعتمد برامج تكوين حديثة، وورشات تفاعلية، ومقاربات تربوية معاصرة، تصنع ما هو أكبر بكثير من «ذكريات جميلة»إنها تصنع إنسانًا جديدًا
هذه المخيمات لا تُخرِّج فقط مستفيدين، بل تُنتج
قادة شباب قادرين على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية
مبادرين يمتلكون روح الابتكار وإنجاز المشاريع
متطوعين يضعون وقتهم وخبراتهم لخدمة المجتمع
فاعلين مجتمعيين واعين بقضايا التنمية وحقوق الإنسان
شبابًا مؤهلاً نفسيًا واجتماعيًا قادرًا على التكيف مع ضغط العصر وتحولاته
وبهذا التحول، تغادر المخيمات دورها التقليدي، لتصبح جزءًا من السياسات العمومية للشباب، ومكوّنًا أساسيًا في منظومة التربية غير النظامية، ومحركًا مباشرًا في تحسين رأس المال البشري الذي ينعكس على جودة الاقتصاد الوطني
فالمخيم الذي يُحسن التكوين هو مخيم يُسهم في بناء المستقبل، لا في ملء الفراغ

القيمة الاقتصادية من مخيم مجاني إلى مدرسة للحياة
حين نؤهّل الشباب عبر المخيمات بشكل جدي واحترافي، فنحن لا نخدم قطاع الترفيه، بل نخدم الاقتصاد الوطني
 فالتأهيل التربوي والمهاري الذي يحصل عليه اليافع داخل الفضاءات المخيماتية ينعكس مباشرة على مؤشرات التنمية
إن الاستثمار في الشباب داخل المخيمات يعني المساهمة في
خفض البطالة عبر خلق جيل يمتلك مهارات قابلة للتشغيل
رفع جودة اليد العاملة بفضل تنمية مهارات التواصل، التنظيم، القيادة، والعمل الجماعي
تعزيز روح المبادرة لدى الشباب، مما يفتح الباب أمام مشاريع ابتكارية جديدة
دعم المقاولة الذاتية عبر اكتساب الجرأة في اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية مشروع
تقوية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من خلال تكريس قيم التعاون، التطوع، والالتزام
إن كل مهارة يكتسبها الشاب داخل المخيم من إدارة الوقت إلى حل المشكلات، ومن التواصل الفعّال إلى ضبط الذات تتحول مستقبلاً إلى قيمة مضافة داخل المقاولات، والإدارة العمومية، والجمعيات، والمجتمع ككل
بهذا المعنى، يصبح «التخييم» ليس نشاطًا موسميًا، بل رافعة تنموية تُسهم في صناعة الإنسان المنتج، الواثق، القادر على المشاركة في بناء مستقبل بلده
 

الخلاصة
إن رد الاعتبار للمخيمات لا يبدأ من الخيام ولا من البنية التحتية، بل يبدأ من رد الاعتبار للتكوين، فالمخيم ليس نشاطًا موسميًا يملأ فراغ العطلة، المخيم مشروع تربوي كامل، يشارك في صياغة مستقبل الشباب وفي بناء شخصيتهم ومهاراتهم وقيمهم.
وحين تُحدّث برامج التكوين وتُبنى على مناهج حديثة تستوعب التحولات الرقمية، وتفهم حساسيات الجيل الجديد، وتستجيب للتغيرات الاجتماعية وسوق الشغل، فإن المخيم يتحول إلى منصة لإنتاج جيل
واثق بنفسه مبدع في تفكيره قادر على تحمل المسؤولية ومؤهّل للمساهمة الفعلية في القيمة المضافة للمجتمع والاقتصاد
بهذا المعنى، يصبح التكوين هو الخطوة الأولى في مسار إصلاح التخييم، والخيط الذي يربط بين التنشئة المواطنة، والتمكين النفسي والاجتماعي، وبين التنمية الاقتصادية التي يحتاجها المغرب اليوم.

حميدي عبد الرفيع باحث في قضايا الشباب والسياسات العمومية