زكية لعروسي
من رحم جبال بني يزناسن، حيث الصخر يعلّم الصبر، والريح تصوغ الإرادة، خرجت قامة علمية تشبهُ شموخ السفوح إذا عانقت الغيم، وتشبه عزم الأرض إذا احتضنت التاريخ. إنّها الأستاذة الدكتورة كريمي ماجدة، الإسم الذي صار مرادفا للبحث الرصين، وللترافع الأكاديمي الهادئ الواثق، وللفكر الذي يمشي على قدمين بين رفوف المخطوطات وخرائط القارات.
هي ابنة الجبال التي لا تنحني، ووريثة ذاكرة مغربية ضاربة في العمق الإفريقي، نسجت من تخصّصها في تاريخ العلاقات المغربية الإفريقية وتاريخ الصحراء المغربية جسرا من نور بين الرباط وتمبكتو، بين فاس ودكار، بين سجلماسة وعمق السودان الغربي. لم تكتب التاريخ حبرا على ورق، بل أعادت إليه نبضه، وأعادت للذهب السوداني صوته، وللقوافل رنين أجراسها، وللحدود معناها بين الرسميّ والشعبيّ في الغرب الإسلامي الوسيط.
من جامعة محمد الأول بوجدة حيث ابتدأت المسار، إلى كلية الآداب سايس بفاس حيث ترسّخ الأثر، كانت الأستاذة مدرسة في التدريس والتأطير، وصرحًا في الإدارة والتخطيط العلمي. تقلّدت المسؤوليات لا طلبا للمنصب، بل وفاء للرسالة: عضوة في مجلس الكلية، وعضوة في اللجنة العلمية، وعضوة في مجلس الجامعة، ومديرة لمختبر “المغرب: التاريخ والعلوم الشرعية واللغات”، حيث تخرّجت أفواج من الباحثين يحملون مشعل التحقيق والتمحيص.
أسست وحدات للتكوين والبحث، وأشرفت على وحدات الدكتوراه، وخرّجت أجيالًا من الباحثين في “المغرب في العلاقات الدولية”، فصار طلبتها سفراء معرفة، بعضهم من أبناء الأقاليم الصحراوية المغربية، وبعضهم من دول إفريقية شقيقة، يجمعهم خيط واحد: الإيمان بأن التاريخ ليس ماضيا جامدا، بل قوة ناعمة تصاغ بها المرافعات وتبنى بها الرؤى. هي التي جابت مدن المغرب من وجدة إلى العيون، ومن فاس إلى السمارة، ومن الرباط إلى أكادير، تحمل في حقيبتها أوراقا علمية، وفي قلبها وطنا كاملا. وامتدّت خطواتها إلى مصر وجنيف وموريتانيا والسنغال، حيث صار صوتها الأكاديمي لغة جامعة بين ضفاف المتوسط وأطراف إفريقيا الغربية.
كتبت في الذهب والحدود، في القوافل والمدن، في الحكم الذاتي ومرتكزاته التاريخية، في التراث الحساني وأبعاده التنموية، في إمارة المؤمنين وإشعاعها الإفريقي. شاركت في كتب جماعية ترافعا عن مغربية الصحراء، وربطت بين المكوّن الثقافي الحساني والتنمية المستدامة، وبين الهوية والوحدة الترابية، فكان قلمها ميزانا بين الدقة الأكاديمية وحرارة الانتماء.
رأست مركز “الصحراء المغربية: التنمية الجهوية والامتداد الإفريقي”، فحوّلته إلى منصة فكرية تصدر الأعداد تلو الأعداد، تناقش الاقتصاديات والحكامة والروابط التاريخية، وتستشرف الأدوار الوطنية والقارية. نظّمت موائد مستديرة وأياما دراسية تخدم القضايا الوطنية الكبرى، ورافقت طلبة الدكتوراه في مختبرها كما ترافق الأم أبناءها في دروب التكوين.
وفي الجامعة الإفريقية العربية الإسلامية بالسنغال، لم تكن أستاذة فحسب، بل كانت جسرا مغربيا يمشي على أرض إفريقية. درّست “المغرب وإفريقيا: التاريخ المشترك”، و”الحضارة الإسلامية لإفريقيا الغربية”، وأشرفت على رسائل الماستر والدكتوراه، وترأست قسم التاريخ والجغرافيا والحضارة، ومثّلت الجامعة بالمغرب، فكانت صورة مشرقة للمرأة المغربية العالمة، الواثقة، القادرة على الجمع بين الأكاديمية والدبلوماسية الثقافية.
هي امرأة تشرف نساء المغرب، لا لأنها بلغت المراتب، بل لأنها جعلت من كل مرتبة منبرا لخدمة الوطن. امرأة جمع فكرها بين رحابة المغرب وسفر الصحراء، بين صرامة المنهج ودفء الانتماء، بين أرشيف القرون وراهن التحولات الدولية.
إذا كانت جبال بني يزناسن قد أنجبت صخورا تقاوم العواصف، فإنها أنجبت كذلك عقلا يقاوم التبسيط، ويقاوم النسيان، ويقاوم كل سردية مبتورة. في شخصها يلتقي التاريخ بالفعل، والبحث بالترافع، والجامعة بالوطن. إنها ليست مجرد أستاذة تعليم عال بدرجة “د”، ولا مديرة مختبر، ولا رئيسة قسم، بل هي ذاكرة تمشي، ومشروع فكر ممتد، وامرأة كتبت إسمها في سجلّ العلم المغربي بحبر من معرفة وعزيمة.
وفي زمن تتبدّل فيه الموازين، تبقى كريمي ماجدة علامة فارقة: قامة علمية ودبلوماسية، من طينة الجبال، ومن روح الصحراء، ومن أفق إفريقيا الواسع.