بإلقاء نظرة على "الكرونولوجيا العسكرية" لسنة 2025، في مجال الأنشطة التدريبية والتمارين المشتركة والاقتناءات التقنية، يتضح أن هذه السنة، في عمقها الاستراتيجي، كانت لحظة مفصلية في مسار القوات المسلحة الملكية، ومحطة تراكم نوعي متقدم تتقاطع فيها رهانات التدريب المواكب، والردع الدفاعي، وإعادة التموضع الإقليمي، فضلا عن تحديث العقيدة العسكرية وتوسيع الوظيفة الأمنية، لتشمل أبعادا إنسانية وصناعية وتكنولوجية ومعرفية، لا غنى عنها في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات وتداخل التهديدات.
وتكشف الكرونولوجيا، كما يتضح، مسارا مركبا لتطور المنظومة التكوينية والتمرينية والمناورات المشتركة داخل القوات المسلحة الملكية، بوصفها منظومة معرفية وعملياتية متكاملة تُبنى عبر تراكم منضبط للتجارب، وتكامل بين التكوين النظري والتدريب التطبيقي والانخراط الميداني في فضاءات متعددة الجنسيات. ذلك أن التكوين والتمرين لم يعودا مجرد آليات دعم ظرفي للجاهزية، بل تحولا إلى بنية استراتيجية تُعيد تشكيل الثقافة العسكرية، وتُرسّخ منطق الاحتراف؛ فمنذ مطلع السنة، وتحديدا مع تمرين الغوص المشترك مع البحرية البريطانية، يتضح أن التدريب يفهم في السياق العسكري المغربي بوصفه فضاء لتبادل التقنيات والممارسات وتوحيد معايير السلامة وتطوير الكفاءة الفردية والجماعية في بيئات عالية الحساسية، دون أن يعني ذلك أن هناك قطيعة بين مرحلتين في التوجه، بل هناك إرادة لبناء عقلية مهنية قائمة على التحكم في التفاصيل الدقيقة، وعلى منطق التعلم بالممارسة.
ويتعزز هذا التوجه حين نعلم أن القوات المسلحة الملكية اختارت، فضلا عن التدريب والتمرين المشترك، إدماج الوسائط التكنولوجية المتقدمة في منظومتها المستقبلية، كما يتجلى في استقبال الطائرات المسيرة الثقيلة AKINCI، حيث يظهر التكوين مرتبطا مباشرة بتحولات ساحة المعركة المعاصرة، وبانتقال العمليات العسكرية نحو الفضاءات الرقمية والذكية. ومن هنا، يصبح التدريب على تشغيل هذه المنظومات وصيانتها وتحليل معطياتها جزءا من منظومة معرفية جديدة، تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتقنية داخل المؤسسة العسكرية.
في السياق نفسه، تبرز الزيارات الأكاديمية والعسكرية الأجنبية لبلادنا، مثل زيارة وفد كلية القيادة والأركان الرواندية، باعتبارها جزءا من هندسة تكوين عابرة للحدود، تقوم على تقاسم الذاكرة العسكرية، وتبادل التجارب التاريخية، وربط التكوين المعاصر بجذوره الرمزية والاستراتيجية؛ ومن ذلك المساهمة في حفظ السلام بوصفها إطارا لبناء وعي مهني مشترك يُؤسس لفهم متقارب لمفهوم القيادة والانضباط والمسؤولية العملياتية.
كما تأتي ندوة التقنيات الناشئة والدفاع بالكلية الملكية للدراسات العسكرية العليا، لتؤكد أن التكوين العسكري المعاصر يتجاوز حدود التدريب التكتيكي، ليدخل مجال التفكير الاستراتيجي والقانوني والجيوسياسي. إذ يعكس الاشتغال على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والأمن السيبراني انتقال المؤسسة العسكرية نحو نموذج معرفي مركب، يدمج بين العلوم الصلبة والتحليل الاستراتيجي والوعي القانوني.
غير أن هذا التراكم، يتجسد على نحو أكثر وضوحا في التحضيرات المكثفة لتمرين "الأسد الإفريقي"، الذي يشكل محورا مركزيا في منظومة التمرين المشترك. ذلك أن اجتماع التخطيط النهائي، والتكوينات المصاحبة، وتمارين التطهير النووي والإشعاعي والبيولوجي والكيميائي، والمناورات متعددة الأبعاد، كلها محطات تكشف عن «مدرسة عملياتية متنقلة»__ (التخطيط الاستراتيجي- التنسيق اللوجستي- التنفيذ الميداني).
ويكتسب هذا التمرين بعدا إضافيا من خلال الشراكة مع أفريكوم (القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا)، حيث يتقاطع التكوين المغربي مع العقائد العملياتية الغربية، ومع معايير القيادة والسيطرة الحديثة، ومع مفاهيم التشغيل البيني المعتمدة داخل المنظومات متعددة الجنسيات. ومن ذلك التدريب على طائرات «الأباتشي»، وتكوين الطيارين وأطقم الصيانة، الأمر الذي يوضح كيف يتحول التمرين إلى سلسلة متكاملة من نقل المعرفة.
وتحمل زيارة وفود حلف شمال الأطلسي، والأنشطة المشتركة مع قيادته في «نابولي»، بعدا مؤسسيا لهذا المسار، حيث يُبنى التكوين في إطار منظومات معيارية دقيقة. كما أن التعاون مع «حلف شمال الأطلسي» «ناتو» يُدخل القوات المسلحة الملكية في فضاء تدريبي دولي، قائم على التوافق المفاهيمي، وتوحيد المصطلحات، وتنسيق إجراءات القيادة والسيطرة، ما يُسهم في رفع مستوى الجاهزية للعمل ضمن تحالفات واسعة.
ويتعمق هذا البعد مع تمرين "SEABORDER 2025"، الذي يربط بين التمرين النظري في مراكز القيادة والتمرين الميداني الحي، في نموذج تدريبي مزدوج.
إضافة إلى كل ذلك، تكشف الدورات القانونية، سواء مع قطر أو في إطار القضاء العسكري، عن إدماج البعد القانوني في التكوين العملياتي. ومن هنا، يُنظر إلى الضابط باعتباره فاعلا مسؤولا داخل منظومة قانونية دولية، إذ أنه مطالب بفهم قواعد الاشتباك وحقوق الإنسان وقانون النزاعات المسلحة، الأمر الذي يجعل من الوعي القانوني عنصرا من عناصر الجاهزية، مكونا أساسيا من مكونات التدريب.
إلى ذلك، تؤكد الدورات الأممية، خاصة تكوين مدربي ضباط الأركان، أن التكوين المغربي يتجه نحو إنتاج المعرفة. إذ يعكس تكوين المكوّنين وبناء القدرات البيداغوجية انتقال المؤسسة إلى مرحلة تصدير الخبرة والمساهمة في صياغة المعايير التدريبية داخل بعثات حفظ السلام..
وفي المجال البحري، تظهر تمارين «فلوتكس»، ومهام «كليمنصو 25»، وتمرين «أطلس هاند شيك»، أن المغرب يعمل على بناء فضاءات لتكامل التدريب الجوي والبحري، وتطوير قدرات القيادة البحرية في البيئات المركبة. ذلك أن العمل المشترك مع البحرية الفرنسية والأمريكية يعزز مهارات التنسيق، وإدارة المجال البحري، ومكافحة التهديدات متعددة الأبعاد، من الغواصات إلى التهديدات غير المتماثلة.
ولم تكتف القوات المسلحة الملكية خلال سنة 2025، بإيلاء الاهتمام للتدريب والتكوين والتقنية، بل راهنت على الأبعاد الإنسانية والطبية للجيش بوصفها جزءا عضويا من منظومة التكوين، وليس أدل على ذلك من استمرار التدريب على: (المستشفى الميداني؛ دورات الإسعاف القتالي؛ الإنعاش الميداني؛ ورشات الاستجابة للأوبئة)، مما يؤكد أن الجاهزية العملياتية تشمل كذلك البعد الإنساني والصحي وبناء القدرة على العمل في بيئات الكوارث والأزمات الصحية والنزاعات ذات الطابع المعقد.
ويُسهم منتدى مديري الكليات الحربية الإفريقية، وبرامج تكوين النساء في حفظ السلام، في توسيع أفق التكوين نحو أبعاد النوع الاجتماعي، والقيادة الشاملة، وبناء شبكات مهنية قارية، الأمر الذي يعكس فهما متقدما للتكوين بوصفه أداة لبناء النخب العسكرية الإفريقية، ولتوحيد الرؤى حول الأمن الجماعي.
على مستوى القوات الجوية، يأخذ التمرين الجوي «ماراثون 25»، وتمرين «شرقي 2025»، بعدا تكتيكيا عاليا، من خلال التركيز على القتال الجوي والبري المشترك، وتكامل الأسلحة، والعمل في بيئات جغرافية معقدة. هنا تتجلى وظيفة التمرين باعتباره مختبرا لتجريب السيناريوهات، واختبار الجاهزية، وتطوير التكتيكات في ظروف تحاكي الواقع العملياتي.
أما الأنشطة المرتبطة بالصناعات الدفاعية، وتحديث أسطول النقل، واتفاقيات التعاون مع شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«سابينا إنجينينغ» و«إيربيس هليكوبترز»، فتعكس توجها نحو الانتقال من منطق الشراء إلى منطق الشراكة والإنتاج المشترك، ومن منطق التبعية التقنية إلى منطق التمكين العلمي والصناعي، مما يساهم في بناء صناعة دفاعية وطنية تقوم على منظومة متكاملة تشمل البحث والتطوير، وتكوين المهندسين والتقنيين، وربط الجامعة بالمؤسسة العسكرية، وتحفيز الابتكار، وبناء منظومات تمويل مستدامة، وتطوير أطر قانونية وتنظيمية مرنة قادرة على مواكبة التطور السريع للتكنولوجيا العسكرية.
وتظهر تمارين تدبير الكوارث، مثل «ماروك مانتليت»، والدورات المتعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، ومحاربة الأخبار الزائفة، أن التكوين العسكري المغربي يتجه نحو مقاربة شمولية للأمن، تدمج البعد المجتمعي والإعلامي والنفسي في المنظومة العملياتية. الضابط والمتدرب يصبحان فاعلين في بيئة معلوماتية معقدة، تتطلب مهارات تحليل الخطاب، وإدارة الأزمات، والتواصل الاستراتيجي.
ومن خلال هذا التراكم، يتشكل نموذج تدريبي قائم على الاستمرارية والتكامل بين المستويات. ذلك أن كل تمرين يبني على سابقه، في مسار تصاعدي نحو احترافية عالية. ومن هنا يتضح أن سنة 2025 تمثل مرحلة كثيفة في إعادة تشكيل منظومة التكوين والتمرين، حيث تداخلت الأبعاد التقنية والإنسانية والقانونية والصناعية، الأمر الذي يجعلنا أمام جيش مغربي قادر على العمل في بيئات متعددة، وعلى التفاعل مع شركاء مختلفين، وعلى إدارة الأزمات المركبة، وعلى إنتاج المعرفة العسكرية، وتوظيفها في خدمة الأمن الوطني والإقليمي والدولي.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من "الوطن الآن"
رابط العدد هنا
https://anfaspress.com/alwatan/pdf-view/426-2026-02-17-07-16-24