الدكتور يوسف حميتو، الباحث في الدراسات الإسلامية
في حواره المعمق مع جريدة "أنفاس بريس" تناول الدكتور يوسف حميتو، الباحث في الدراسات الإسلامية، قضية التباين في أيام الصيام بين الدول الإسلامية، معتبرا إياها ليست تشرذما بل رحمة مقصودة تتوافق مع فقه المقاصد والحقائق الكونية. مؤكدا أن الوحدة الإسلامية جوهرية في القلب والقصد، لا في التزامن الزمني، محذرا من مخاطر التوحيد القسري الذي قد يؤدي إلى صيام 31 يوما أو إفطار في رمضان. كما يدافع عن الرؤية الوطنية كحفاظ على النظام العام ورفع الخلاف..
يرى الكثيرون أن اختلاف أيام الصيام بين الدول الإسلامية طعنة في وحدة الأمة. كيف يفسر فقه المقاصد هذا التباين؟ هل هو تشرذم أم رحمة؟
أولى عتبات الفهم هي أن نميز جوهريا.بين وحدة الملة ووحدة الزمن الجغرافي؛ فالوحدة الإسلامية هي وحدة القبلة والقصد والغاية، وهي وحدة عابرة للحدود والآفاق. ولتقريب الأمر بلسان فقهيٍ بسيط: الوحدة لا تعني التزامن الرقمي، بل تعني التوافق القلبي. فكما لا يقبل العقل أن نفطر على توقيت بلد آخر وأرضنا لا تزال تشرق عليها الشمس، لا يقبل الفقه صياما لم يولد هلاله في أفقنا بعد. والذين يربطون الوحدة بتطابق يوم الصوم يخلطون بين الوحدة العقدية وغاية صب العالم في قالب واحد. الحقيقة أن المسلم في المغرب والمسلم في ماليزيا متوحدان لأنهما يصومان استجابة لآية الله في أفقيهما، وليس لأنهما ضغطا على زر التشغيل في لحظة واحدة.
قد يعترض البعض على قولكم إن الهلال لم يولد في أفقنا، معتبرين ذلك جهلا بالعلم؛ فالهلال فلكيا يولد مرة واحدة في لحظة محددة للعالم أجمع هي لحظة الاقتران. كيف تردون على هذا المنطق؟
هذا الاعتراض يقع في خلط بين الحقيقة الفلكية والمناط الشرعي. نعم، الهلال يولد فلكيا مرة واحدة عند لحظة الاقتران المركزي، لكنّ الميلاد الذي علّق به الشارع الحكم ليس هو مجرد خروج القمر من المحاق في الفضاء، بل هو خروجه من حيز شعاع الشمس في أفق المكلف ليكون قابلاً للمشاهدة. العلم نفسه يخبرنا أن اللحظة الواحدة للاقتران لا تعني الحالة الواحدة لجميع سكان الأرض؛ فبسبب كروية الأرض ودورانها، قد يولد الهلال فلكيا قبل غروب الشمس في مكة بدقائق، بينما يكون قد ولد قبل غروبها في الرباط بساعتين، وفي واشنطن بثماني ساعات. ففي مكانٍ ما، يغرب القمر قبل الشمس فلا وجود له في الأفق أصلا، وفي مكان آخر يغرب بعدها بمدة لا تسمح برؤيته، وفي مكان ثالث يكون ساطعا.
إذن، القول بـالميلاد الأُفقي هو عين العلم؛ لأنه يحترم النسبية المكانية والمنظور البصري الذي هو أساس التكليف. اتهام هذا النظر بالجهل هو كمن يتهم شخصاً بالجهل لأنه يرفض صلاة الظهر في المغرب لأن الشمس زالت ودلكت بالفعل في مكة! فهل زوال الشمس يقع عدة مرات؟ فلكيا هو حدث مستمر، لكنه بالنسبة للمكلف مرتبط بأفقه هو، وهذا هو الفقه الكوني الذي بنيت عليه الشريعة.
بالانتقال إلى التأصيل الفقهي؛ أنتم تركزون كثيرا على فكرة الشهود، وتعتبرون أن رؤية العدل في بلد ما لا تُلزم بالضرورة بلدا آخر. ألا يُعدّ خبر العدل حجة شرعية ملزمة للأمة جمعاء؟
هنا تكمن الدقة الأصولية؛ فنحن نتمسك بقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، إذ الشارع علّق الحكم بـ الشهود، وهو فعل إدراكي مرتبط بظهور الآية في أفق المكلف. كما يجب أن نفهم أن رؤية العدل هي وسيلة لإثبات وجود السبب، وليست هي السبب في ذاتها. السبب الشرعي للصوم هو شهود الشهر أي وجود الهلال في الأفق وجوداً قابلاً للرؤية. فإذا شهد العدل في الرياض مثلا، فهو يخبر عن واقعة حدثت في أفق معين، وهذا الإخبار لا يمكنه خلق واقعة غير موجودة كونيّاً في أفق الرباط أو جاكرتا. فقهيّاً، شهادة العدل ملزمة لمن يشاركه في المطلع أو الليل، أما إلزام من لم يغرب عندهم الهلال أصلا، أو من يستحيل رؤيته عندهم، فهو إلزام بحكم انعدم سببه في حقهم.
قد يعترض بعضهم بأن يقول: أليس الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام (صوموا لرؤيته) خطابا عاما للأمة؟ ألا تقتضي وحدة الخطاب وحدة وقت الامتثال؟
هذا خلطٌ بين عموم الخطاب وخصوص التحقق. ويجب التمييز أصوليا هنا بين وحدة الإيمان التي تجمعنا في أصل التكليف، وبين تعدد مواقيت العبادة بحسب المكان التي تضبط وقت الامتثال. دعنا نأخذ مثالا: قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) هو خطاب عام لكل المسلمين، لكن لا أحد يقول إن صلاة الظهر تجب على أهل الأرض جميعا في لحظة واحدة بمجرد أن يرى عدلٌ في مكة دلوك الشمس! إذن، المطالبة بتوحيد السبب الذي هو الهلال لكل العالم تشبه المطالبة بتوحيد اتجاه القبلة لكل الساجدين في لحظة واحدة؛ وهو أمرٌ تصادمه كروية الأرض بالضرورة. فالاختلاف هنا ضرورة هيكلية ليكون الحكم منطبقاً على سببه الحقيقي لا المتوهم.
هنا نصل إلى الحجة الكبرى التي قد يشهرها الكثيرون في وجهكم؛ إذا كان المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يتبعون مكة المكرمة في يوم عرفة لكون الحج هناك، فلماذا لا يتبعونها في رؤية هلال رمضان والعيد؟ أليس في هذا التناقض إرباك للصائمين؟
هذه هي المغالطة الكبرى التي يقع فيها الكثيرون بسبب الخلط بين المكان الشرعي والزمان الكوني. ودعني أفصل لك هذا الاشتباك بوضوح:
أولاً: الحج عِبادة مرتبطة بمكان محدد هو عرفة، والوقوف بها هو النسك. أما صيام يوم عرفة لغير الحاج فهو عبادة مرتبطة بزمن محدد وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.
ثانياً: قبل وجود التلغراف والإنترنت، كيف كان المسلمون في الأندلس أو السند يعرفون متى وقف الناس في عرفة؟ كان الخبر يصلهم بعد انتهاء الحج بأسابيع! فهل صام المسلمون طوال 14 قرنا بشكل خاطئ؟ طبعا لا. لقد كان أهل كل بلد يصومون تاسعهم، اليوم التاسع بحسب رؤيتهم هم لهلال ذي الحجة، ولم يقل أحد من الأئمة بوجوب تتبع مكة في ذلك الوقت لاستحالة البلاغ، وسرعة الاتصال الرقمي اليوم لا تغيّر الحقيقة الكونية؛ فالبث المباشر من عرفة يخبرني بأن الحجاج هناك في وقفة عرفة، لكنه لا يخبرني بأن الشمس قد غربت في أفقي أو أن الهلال قد ولد في سمائي. التقنية تنقل الخبر ولا تنقل الزمن.
ثالثا: العلة الشرعية لصيام عرفة لغير الحاج هي كونه اليوم التاسع، تماما.كما أن العلة في صيام عاشوراء هي كونه اليوم العاشر. فإذا ثبت بالرؤية المحلية في المغرب أن غداً هو الثامن، وفي مكة هو التاسع، فالمغربي يصوم تاسعه هو امتثالاً للنص، لأن اليوم في حقه لم يدخل بعد كونيّاً.
ولكن ألا يضرب هذا رمزية الوحدة في الحج؟
الوحدة في القصد لا في الساعة الزمانية. إن القول بوجوب تتبع مكة في كل شيء نوع من التكلف الجغرافي؛ فلو أوجبنا ذلك لوقعنا في المحالات؛ فماذا يفعل من يكون يوم عرفة في مكة هو يوم العيد عنده بسبب اختلاف المطالع؟ هل يصوم يوم العيد المحرم صومه؟
إن القول بوجوب تتبع مكة في الزمان يؤدي بنا بالضرورة إلى التصادم مع الحقائق الكونية؛ فإما أن يصوم المسلم في بلد آخر يوماً هو عنده عيد وهو حرام، أو يفطر يوماً هو عنده من رمضان وهو حرام. الشريعة جاءت لترفع هذا الحرج، فجعلت المطلع المحلي هو الميزان، ليكون صيامك في تاسعك أنت، وعيدك في عاشرك أنت، وبذلك يتوافق الشرع مع القدر ولا يضطرب حال المكلف.
إن الشريعة واقعية؛ فهي تربط العبادة بـالمناط المشاهد. فاتباع المطلع المحلي في ذي الحجة هو الأصل الذي سار عليه السلف، والقول بخلاف ذلك الآن هو إحداث لقولٍ لم تفرضه الشريعة، بل فرضته سرعة الاتصال التي يريد البعض تحويلها إلى أصل شرعي يقهر الحقائق الكونية.
هناك من يلمز هذا التمسك بالرؤية الوطنية بأنه فقه السلطان، وأن الفقهاء يشرعنون قرارات سياسية للدولة. كيف تردون على هذا الاتهام؟
هذا اللمز يقلب الحقائق؛ ويفتقر إلى الدقة الأصولية والواقعية، فالفقيه هنا يحمي النظام العام لا شخص الحاكم. الإشكال الحقيقي ليس في اتباع المؤسسة المحلية، بل في محاولة انتزاع الشعيرة من سياقها الفطري والجغرافي لتصبح أداة في صراعات المبادئ العابرة للحدود، وهو ما يخرج بالعبادة عن مقصدها التعبدي الخالص. أما التمسك بالرؤية الوطنية فهو انحياز لـلاستقرار المجتمعي الذي هو كلي من كليات الشريعة، والقواعد تقرر أن حكم الحاكم يرفع الخلاف.
ولكن قد يقال إن هذه القواعد كرفع الخلاف بقرار الحاكم كانت أيام كان الحاكم ورعا والفقيه مستقلا، أما اليوم فالوضع اختلف؟
هذا منطق يخلط بين عدالة الأشخاص وهيبة النظام العام. الفقهاء الذين أسسوا لهذه القواعد وضعوها وهم يدركون تقلبات السياسة، لكنهم غلّبوا مقصد منع الفوضى الشعائرية على ملاحقة مثالية الحاكم؛ لأنّ انتظار الحاكم الكامل لتطبيق النظام هو دعوة صريحة لهدم استقرار المجتمعات وإسقاط هيبة المؤسسات الدينية. إنّ صلاح الشعيرة في اجتماع الكلمة عليها، والفرار من خطأ الحاكم المحتمل إلى فوضى الأفراد المحققة هو استجارةٌ من الرمضاء بالنار، وتضييعٌ لمقصد حفظ الدين الذي لا يقوم إلا في ظل نظامٍ عامٍ يحمي بيضة الجماعة.
يهرع الكثيرون للاحتماء بقول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة الذين ذهبوا إلى وجوب صيام الجميع برؤية بلد واحد. ألا يُعدّ خروجكم عن هذا القول نوعاً من الاجتهاد المهجور؟
هنا يجب أن نمارس نوعا من الأمانة المعرفية في قراءة التراث؛ الجمهور بنوا فتاواهم على جغرافية متصلة وإمكانية وصول الخبر مشافهة، ولم يكن في واقعهم تصوّر لفوارق زمنية تصل لـ 24 ساعة كما نعيشها اليوم في عالمنا الممتد.
إننا اليوم لا نخالف الجمهور في أصل استدلالهم، بل نُحقق مناط قولهم في ظل معطيات علمية حديثة كشفت لنا عن تفاصيل في هذا المناط الذي هو سبب الحكم لم تكن مؤثرة أو ظاهرة في عصرهم. فالجمهور رحمهم الله بنوا قولهم على إمكانية وصول البلاغ، ولم يقصدوا أبداً مصادمة الحقائق الكونية القطعية التي لم تكن مفصلة لديهم كما هي لنا الآن.
لذا، فإنّ تنزيل قولٍ قيل في سياق جغرافية متصلة على كوكب مقسم لمناطق زمنية متناقضة هو خروج عن مقتضى تحقيق المناط نفسه. فكيف نلزم من لا تزال شمسه في كبد السماء بالصوم لأن عدلاً رآه في بقعة غابت عنها الشمس قبل ساعات؟ هذا ليس فقهاً، بل هو مصادمة لبدهيات العقل التي كان الأئمة أحرص الناس عليها.
هل هناك محاذير تقنية تجعل من توحيد الصوم أمراً مرجوحا في نظركم؟
نعم، التوحيد يوقعنا في مسخ للزمن الشرعي. لنتخيل دولتين بينهما فارق زمني كبير كإندونيسيا والمغرب؛ فلو أجبرنا إندونيسيا في الشرق على اتباع رؤية المغرب في الغرب، فقد يجد الإندونيسيون أنفسهم أمام فخ رياضى: إما أن يفطروا يوم العيد مع المغرب ليكون مجموع صيامهم 28 يوماً فقط، وهذا باطل بإجماع الأمة لأن الشهر لا ينقص عن 29، أو يمتد بهم الصيام لـ 31 يوماً وهو محال كوني لأن الشهر لا يزيد عن 30. وهنا -ومن غير تبخيس لأي مذهب- تظهر عبقرية المدرسة الشافعية التي كانت أدق نظراً وأكثر واقعية؛ حين اعتبروا مسافة القصر أو اختلاف المطالع ميزاناً للرؤية. لقد أدرك الشافعية مبكراً أن الشريعة لا تصادم الحقائق الجغرافية، بل تنسجم معها، واعتمدوا على حديث كريب (حين صام أهل المدينة برؤية ابن عباس، ولم يتبعوا رؤية أهل الشام رغم ثبوتها لديهم)، وقال ابن عباس يومها: هكذا أمرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
بصراحة، ألا يبدو موقفكم هذا معاديا للتقدم العلمي وللحساب الفلكي القطعي؟
بالعكس تماماً؛ نحن نوظف العلم في أعلى درجاته. ويجب أن يدرك الناس أننا نعتمد فقه اليقين الاحتياطي؛ والقاعدة عندنا هنا حاسمة ولا تقبل التأويل:
- في حالة النفي: إذا قطع الحساب الفلكي باستحالة الرؤية أن يغرب القمر قبل الشمس، فإننا نردّ شهادة أي شخص يدعي الرؤية مهما كان عدلاً؛ لأن الشهادة ظنية والواقع الكوني قطعي، ولا تُقبل شهادة على مستحيل كوني.
- في حالة الإثبات: إذا أفاد الحساب بإمكانية الرؤية، فإننا لا نكتفي بالرقم، بل ننتظر الشهادة البصرية لتحقق الامتثال التعبدي؛ صوناً لفطرية الدين من أن يتحول إلى لغز مختبري.
وهنا لتقريب الصورة؛ إن التقنية اليوم تشبه من يركب طائرة؛ فهو يرى الشمس ساطعة من نافذته بينما الناس في الأسفل يعيشون في ظلام دامس. هل يحق له أن يقول لهم: أنتم واهمون، الشمس لم تغرب بعد، لقد رأيتها بعيني؟ بالتأكيد لا؛ لأن التقنية تنقل صورة الهلال، لكنها لا تنقل حكمه المرتبط بأفقك أنت.
نحن نتبع اليقين في الحالتين، يقين العلم في النفي، ويقين الرؤية في الإثبات، واليسر الحقيقي هو أن يظل الدين فطريا مرتبطا بالكون.
أنتم تعتمدون كثيرا على قياس اختلاف مطالع الهلال على اختلاف مواقيت الصلاة اليومية؛ ألا يوجد فارق بين عبادة يومية وأخرى شهرية؟ وكيف يقوي هذا القياس حجية الرؤية المحلية؟
القياس في منطق أصول الفقه ليس مجرد إلحاق فرع بأصل، إنما هو كشف عن وحدة المنطق التشريعي. والشريعة لا تفرق بين متماثلين؛ ومن يعترض بأن الصلاة يومية والهلال شهري، يغفل عن أن العلة واحدة مهما اختلف التكرار؛ فالذي جعل (دلوك الشمس) ميقاتاً للظهر، هو نفسه الذي جعل (ظهور الهلال) ميقاتاً للشهر، والشرع لا ينقض منطقه لمجرد تغير وتيرة الزمن أو تباين المسافات.
وكما لا يحل للمسلم في المغرب أن يفطر لأن الشمس غربت في مكة، لا يجب عليه الصوم لأن الهلال رُئي هناك؛ فكلاهما آيتان ومواقيت للناس بنص القرآن، ومن فرّق بينهما فقد فرّق بغير مفرّق.
ولكن، ألا يسبب هذا التباين نوعا من المشقة النفسية أو الشعور بعدم الانسجام الاجتماعي بين المسلمين؟
على العكس؛ تباين الأيام رخصة كونية ترفع عن الأمة حرج الارتهان للمستحيل، مما يجعل الدين متاحاً لكل إنسان في بيئته. ثم إن في هذا التباين مقصداً جمالياً وتعبديّاً جليّاً؛ وهو جعل الكرة الأرضية محراباً لا يهدأ بذكر الله. حين يُفطر أهل المشرق يبدأ أهل المغرب صيامهم، وحين ينهي هؤلاء صلاة تراويحهم يستفتحها الآخرون في أفقٍ جديد.
ماذا عن المسلمين في بلاد الغرب؟ هل اتباعهم للمراكز المحلية يخدم الوحدة أم يزيد الفرقة؟
مقصد الشريعة للأقليات هو الوحدة المجتمعية حيث يعيش المكلف ويؤدي شعيرته. فامتثالهم لمراكزهم الإسلامية المحلية هو عين العقل والشرع، لكي لا تتحول العبادة إلى عزلة شعائرية تمزق نسيج الجالية الواحد في الحي الواحد.
الوحدة ليست في أن نضغط على ساعة التوقيت في لحظة واحدة، بل في أن يشعر المسلم في كل مكان بالانتماء لآية الله في أفقه. احترام الهلال المحلي هو انتصار لواقعية الإسلام على يوتوبيا متخيلة. واليسر الحقيقي هو أن يظل الدين فطرياً مرتبطاً بالكون، لا بيروقراطياً مرتبطاً بقرار عابر للحدود، ليظل الإسلام ديناً يساير الشمس والقمر في حركتهما الفطرية، لا ديناً يطارد الأرقام الجافة أو يرهق الناس بالتكلف الجغرافي؛ فالتيسير في العبادة يبدأ من انسجامها مع واقع المكلف وإليه ينتهي.