واحة فجيج بين المطرقة والسندان.. الفقر والبطالة وغياب العدالة المجالية

واحة فجيج بين المطرقة والسندان.. الفقر والبطالة وغياب العدالة المجالية من احتجاجات ساكنة فجيج

لا أميل إلى التهويل فيما سأقوله في هذا الموضوع. و لو لم يكن الواقع مرا ، لكنت اخترت عنوانا آخر؛ لكنه الواقع المر الذي لا يمكن أن يرتفع .نعم إن واحة فجيج أصبحت تعيش بين المطرقة و السندان.    

حرمان أرباب الشاحنات من ولوج مقالع الرمال بوادي العرجة ، يظل العامل الأكثر تأثيرا على حياة السكان بسبب الوضع الصعب الذي نتج عنه ،و الذي يمكن تلخيصه في :الجمود الذي أصاب أكبر قطاع و مجال للتشغيل بالواحة ،بعد الفلاحة :قطاع البناء ، و ما ترتب عن هذا الجمود من ارتفاع في نسبة البطالة ، و ركود في الحياة الاقتصادية ، و اتساع رقعة الفقر و ارتفاع نسبته ، و تأثر المهن و الحرف المرتبطة بقطاع البناء بهذا الجمود تأثرا واضحا .                                                       

من أسباب استمرار هذا الوضع-رغم الأضرار البالغة التي ألحقها بالسكان- تمسك المسؤولين بذريعة الأمن ، و وجود المقالع على منطقة حدودية ، و وجود بدائل  أخرى لمقالع الرمال بالمنطقة و الإقليم،  والتعرية و تغيير معالم الطبيعة ... ؛ و لم يأخذوا بعين الاعتبار رأي ذوي الخبرة في الميدان ، ولا نتائج المختبرات التي أكدت جودة رمال وادي العرجة و وفرتها و رداءة رمال الأماكن الأخرى و محدودية الرمال بها ؛ و لم يأخذوا بعين الاعتبار الدراسة العلمية التي أكد فيها أستاذنا الفاضل الدكتور عبدالرحمان الحرادجي (و هو الباحث الجغرافي المتخصص في الجيومرفولوجيا " التي تعنى بالتعرية و تشكيل التضاريس"، و صاحب المحاضرات الغنية في مجال " الدينامية النهرية " بكلية العلوم لسنوات عديدة، و الرئيس السابق للجمعية المغربية للجيومرفولوجيا...)  أن" الرمال التي يستغلها  أرباب الشاحنات ...تؤخذ من القعر و لا ينتج عن ذلك أي ضرر أو اختلال...بل يعتبر بمثابة تنقية للسيل مما يساعد على سلاسة مرور المياه الجارية "و أن " تغيرات معالم مجرى النهر تغيرات طبيعية لا يمكن أن تتبعها تغيرات تخطيط الحدود..." .رغم كل هذه المعطيات و الأدلة العلمية و الواقعية المرتبطة بالمكان ،و رغم أن السكان منذ ما يزيد عن ستة عقود وهم يجلبون الرمال للبناء من العرجة، دون أن تنفد هذه الرمال ، و دون أن يحدث أي تأثير سلبي على البيئة وعلى الطبيعة بالمكان ، لا زال المسؤولون إقليميا و وطنيا متمسكين برأي لا يستند إلى أي حجة مقنعة و لا إلى دليل صائب يمكن أن تربطه بتنمية  المنطقة ، أو فيه مصلحة السكان ، رأي أساسه هاجس الأمن و المنطقة الحدودية، في الوقت الذي تهدد فيه إجراآتهم الأمن الغذائي للواحة،(بقطع أرزاق أرباب الشاحنات و البنائيين و من يشتغل بمحيط البناء)، و الأمن الاجتماعي بإنتاج البطالة بدل إنتاج الشغل .و مأساة الواحة في هذا الجانب أصبحت معروفة ،لا تحتاج إلى تفاصيل إضافية.

=  إن ما يدعونا إلى أن نستحضر، في كل مرة ، هذا الوضع المؤلم، هو ملاحظتنا أن تدبير أمور الواحة على هذا الشكل ، و الاستمرار في ذلك، لا يخدم مصلحة المنطقة ،و لا يخدم مصالح السكان؛ بل يزيدها فقرا و تدهورا و تهجيرا؛

= هو ما نلاحظه من تعارض بين الخطاب الرسمي الغني بالوعود و التفاؤل ،و الواقع الصعب و المر الذي يعيش فيه المواطن ؛

= هو هذا التناقض بين ما هو مدون و مثبت في الورق ،و ما نراه و نعيشه في حياتنا اليومية. و الأدلة على هذا - لمن هو في حاجة إلى دليل- كثيرة ،أذكر منها دليلا واحدا له ارتباط قوي بالموضوع.

كل من اشتغل بالقوانين و الاتفاقيات و ما أشبه ذلك، يعرف أن الديباجة فيها ليست شكلية ،بل جوهرية. و مما جاء في ديباجة القانون27.13 ،المتعلق بالمقالع ، الأهداف التالية:

  =  تحقيق توزيع منصف لخيرات البلاد بما يتماشى مع التوجيهات السامية الواردة في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش في 30 يوليوز 2014 ؛

=  ضمان الانتقال إلى نظام اقتصادي عقلاني و شفاف ؛                                                    

=  تحقيق مبادئ الحكامة الجيدة  و الشفافية و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و التنمية المستدامة ، ذلك انسجما مع الدستور الجديد ؛       

=  تبسيط المساطر و تسريع البحث في طلبات فتح و استغلا ل المقالع ؛                                                                         

=  تشجيع الاستثمار في إطار التنافسية و الاحترافية و جودة الخدمات ؛                               

=  تأمين عملية التزويد بمواد البناء من الناحيتين الكمية و الكيفية ....                                   

أهداف نبيلة تعبر عن تطلعات المواطنين ،حينما نقرؤها ، و أحلام بعيدة المنال حينما نبحث عن أثر لها في الواقع ،و نرى بأعيننا كيف يتم تدبير الأمور؟؟ أين سكان الواحة في ما يعيشونه و يعانونه ،من هذه الأهداف ؟   و لماذا هذا الرفض المستمر للإستجابة لمطالب السكان التي هي –أي الاستجابة المطالب- المفتاح الحقيقي و الواقعي لحل هذه المشاكل القائمة ؟ لماذا هذا الرفض في الوقت الذي نسمع فيه حديثا قويا عن التنمية في عدد من الخطابات الرسمية ؛ و لا نرى من هذه التنمية ما يستجيب لمطالب السكان؟ ما رأيناه إلى جانب الفقر و البطالة  و الغلاء هو هذه القطع الأرضية غير المبنية الناتجة عن الركود الذي أصاب قطاع البناء ،و التي ستشكل عبءا آخر يضاف إلى مشاكل الواحة إذا لم تعالج الأمور معالجة جادة. وسنعود إلى هذا الجانب في آخر هذا المقال.

 رفض آخر تعاني منه الواحة ،و يتعلق الأمر بالمسؤولين عن " تقديم خدمات القرب للمواطنين، و تنفيذ برامج التنمية المحلية " ، المسؤولين عن تدبير الشأن المحلي . فقد أدى  إقصاء رئيس الجماعة للأعضاء التسعة المشكلين للمعارضة من اللجان الدائمة ، و رفضه المتكرر للقضايا و المواضيع التي يطلبون إدراجها في جداول أعمال الدورات ، و هي قضايا و مواضيع كلها نابعة من مشاكل السكان و من اهتماماتهم ، ومنعهم من الحصول على المعلومات الضرورية و القانونية للقيام بمهامهم كمستشارين بالجماعة...إلى شعورهم بالإقصاء و التهميش غير المبرر. و هي تصرفات كلها تخالف ما جاء في القانون التنظيمي للجماعات الترابية و للقانون الداخلي للجماعة ، بالإضافة إلى الخروقات  القانونية، و الأجواء غير السليمة التي سادت دورات المجلس العادية و الاستثنائية ، دون أن تجد لدى السلطة المحلية و الإقليمية أدنى اهتمام ، أو يصدر في حقها – من لدن السلطات - أدنى تنبيه أو ملاحظة . أدى كل ذلك إلى تقديم استقالاتهم ؛ بعد أن تأكدوا من أن لا جدوى من استمرارهم في مهامهم .

-- الاستقالة الأولى للمجموعة الأولى من المستشارين  الذين سيشكلون  المعارضة فيما بعد كانت في ماي 2024 ، و احترمت السلطة الإقليمية القانون بتطبيقها للمادة 74 من القانون التنظيمي للجماعات الترابية 113.14،و عينت "اللجنة الخاصة "المنصوص عليها في هذه المادة ؛ لتصريف الأمور الجارية لمدة أقصاها 03 أشهر. و أجريت الانتخابات في شهر شتنبر 2024 لانتخاب أعضاء جدد.

--  قدم هؤلاء المستشارون الجدد استقالتهم للأسباب نفسها في فبراير2025،و عينت السلطات الإقليمية "اللجنة الخاصة" للتسيير، و كانت الانتخابات في أبريل2025 ،و تم انتخاب مستشارين جدد.

--  قدم هؤلاء المستشارون الجدد استقالتهم للأسباب نفسها في 25 يونيو 2025؛و هنا بدأت قصة جديدة، و سلسلة من الأحداث أهم ما يميزها هو إصرار السلطات الإقليمية و المحلية على عدم تطبيق القانون في ما يتعلق باستقالة مستشاري المعارضة التسعة ،و تغاضيها عن خروقات و تجاوزات و عيوب شابت أعمال المكتب المسير للجماعة .

-- وجه هؤلاء المستشارون استقالاتهم إلى رئيس المجلس الجماعي في محاولات متعددة ، كان الرئيس في كل مرة يتملص فيها من تسلمها و يتهرب ،(و في إحدى هذه المرات اختبأ حتى لا يواجه المفوض القضائي)،و اضطر هؤلاء المستشارون إلى توجيهها إلى السيد العامل عن طريق الباشا، و رفض الباشا تسلمها .في الأخير وجهوها إلى العامل عن طريق البريد ،مع إشعار بالتوصل، و بيدهم الآن إشعار باستلام  العامل للاستقالات يوم25 غشت 2025 . ثلاثة أشهر كاملة عاش هؤلاء المستشارون خلالها مرارة البحث عن طريق لإيصال استقالتهم المعبرة عن إرادتهم، فوجدوا كل هذا التماطل و التهرب ،رغم وضوح القانون في هذا الشأن. تنص المادة 60 من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات رقم 113.14

 "(إذا رغب نواب رئيس مجلس الجماعة أو أعضاء المجلس في التخلي عن مهامهم، وجب عليهم تقديم استقالتهم من مهامهم إلى رئيس المجلس الذي يخبر بذلك فورا عامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه، و يسري أثر هذه الاستقالة بعد انصرام أجل خمسة عشر (15) يوما ابتداء من تاريخ توصل رئيس المجلس بالاستقالة...)".

تزامنت هذه المعاناة مع صدور مذكرة وزير الداخلية الموجهة إلى ولاة الجهات و عمال العمالات و المقاطعات و الأقاليم، و إلى رؤساء مجالس الجماعات الترابية ، حول تطبيق مقتضيات القانون رقم14.25 المغير و المتمم  للقانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية. و يهدف هذا القانون إلى" ملاءمة أسعار الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية مع مستوى التجهيز الذي تعرفه المناطق التي توجد بها العقارات الخاضعة لهذا الرسم ".

و يتم تحديد هذه المناطق " بقرار لرئيس مجلس الجماعة المعنية بعد التأشير عليه من لدن عامل العمالة أو الإقليم الذي تشمل دائرة نفوذه الترابي هذه الجماعة". و يقوم "...مجلس الجماعة باتخاذ مقرر يتم بموجبه تحديد سعر الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية بالنسبة للأحياء و القطاعات و الدواوير حسب الفئة التي ينتمي إليها."

و هي ثلاث فئات :

=فئة المناطق المجهزة تجهيزا كاملا أو شبه كامل ؛

=فئة المناطق متوسطة التجهيز؛

= فئة المناطق ضعيفة التجهيز .

 و يقوم رئيس الجماعة المعنية  "...باتخاذ قرار بمثابة قرار جبائي تعديلي يتضمن أسعار الرسم التي حددها المجلس..."

  و قد بعث  العامل هذه المذكرة إلى رئيس المجلس الجماعي لفجيج بتاريخ 27 غشت 2025 .

وقد أصدر وزير الداخلية دورية بتاريخ 06 أكتوبر 2025 تتعلق بتطبيق القانون14.25 .و توصلت به جماعة فجيج يوم 13 أكتوبر 2025 بمراسلة من السيد العامل يطلب فيها من المجلس عقد دورة استثنائية قصد إعداد قرارات تحدد المناطق التي يتم فيها الرسم على الأراضي  الحضرية  غير المبنية .

و بتاريخ 24 أكتوبر 2025 راسل عامل الإقليم رئيس جماعة فجيج، يطلب منه " العمل على التسريع بإعداد المقررات المتعلقة بتحديد المناطق التي يطبق فيها الرسم على الأراضي الغير مبنية بحسب مستوى تجهيزها وفق الإجراءات المنصوص عليها بدورية السيد وزير الداخلية... قصد التأشير عليها من طرف العامل قبل تاريخ28 أكتوبر 2025 .

و بتاريخ 09 دجنبر 2025 صدر عن الرئيس القرار02/2025 حدد بموجبه المناطق المجهزة ، و المناطق متوسطة التجهيز، و المناطق ضعيفة التجهيز بواحة فجيج.

يوم 10 دجنبر 2025 تم التأشير على القرار المذكور من طرف السيد العامل.

و في 12 من دجنبر 2025 ،اجتمعت اللجنتان الدائمتان :لجنة الميزانية و الشؤون المالية و البرمجة (05 أضاء)، و لجنة المرافق العمومية و الخدمات (03 أعضاء من بينهم الرئيس) ،و حددت اللجنتان المناطق الخاضعة للأراضي غير المبنية التابعة لجماعة فجيج، و أحالتا الموضوع على المجلس للتداول فيه، في دورة استثنائية و لاتخاذ القرارات المطلوبة.

عقد المجلس دورته الاستثنائية يوم16 دجنبر 2025،و صادق فيه على المقرر رقم29 الذي يهم " تحديد المناطق الخاضعة للأراضي غير المبنية التابعة لجماعة فجيج" ، وعلى المقرر رقم 30 الذي ينص على" تعديل القرار الجبائي، و تحديد الرسم الجبائي على الأراضي الحضرية غير المبنية، حسب الفئات الثلاث المذكورة آنفا : فئة المناطق كاملة التجهيز؛ و المتوسطة التجهيز ؛و ضعيفة التجهيز.

يحق للقارئ أن يتساءل لماذا أوردت هذه الكرونولوجيا  حول تحديد الأراضي غير المبنية ، و مراجعة الرسوم الجبائية المتعلقة بها ؟ فالقانون14.25 يشمل المغرب كله، و مذكرة السيد وزير الداخلية حوله عمت جميع الجهات و العمالات و الأقاليم و الجماعات الترابية، و لا تخص جماعة أو جماعات بعينها ،دون غيرها، و جماعة فجيج في هذا الأمر مثلها مثل سائر الجماعات.

أهمية هذا السرد التاريخي أنه يبين مدى حرص السلطة الإقليمية على احترام القانون و تطبيق المساطر القانونية في جانب معين، وحرص رئيس المجلس على الاستجابة والتجاوب مع كل ما يتعلق برغبات و أوامر السلطة . و الحرص على تطبيق و تنفيذ المساطر الإدارية و القانونية، و تنفيذ شؤون الإدارة بصفة عامة أمر مطلوب و مرغوب فيه، و لا يعاب. لا عيب في الحث على تنفيذ المذكرات و الدوريات، و لا في الحض على الإسراع في وضع خرائط الأحياء، و تحديد  الأراضي غير المبنية ،و تصنيفها...الخ .  لكن العيب في عدم تعميم هذا الحرص ، ليشمل تطبيق جميع القوانين، العيب هو في وجود انتقائية –و ربما مزاجية- و ازدواجية في التعامل مع القوانين : بعضها نحرص أشد الحرص على تنفيذها و تطبيقها ، و بسرعة ؛ و البعض الآخر نتغاضى عنه و نهمله ،بل نضع أمامه عراقيل شتى لنؤخر أو نبطل تنفيذه ؟ثم نكتشف أن وراء هذا التمييز حسابات تمس بالحياد المفروض في الإدارة، و تمس بالعدل والإنصاف و المساواة أمام القانون ، مما يرتبط بالمواطنة و حقوق المواطن  و حقوق الانسان ، و مدى احترام المسؤولين لها ؟ و هذا ما سأوضحه :

رغم ثبوت تسلم العامل لاستقالات المستشارين التسعة ،فقد أصر على عدم تطبيق المادة 74 من القانون التنظيمي113.14 ،التي تلزمه بما يلي"...إذا وقع حل مجلس الجماعة، أو إذا استقال نصف عدد أعضائه المزاولين مهامهم على الأقل، أو إذا تعذر انتخاب أعضاء المجلس لأي سبب من الأسباب، وجب تعيين لجنة خاصة بقرار السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية و ذلك داخل أجل أقصاه خمسة عشر(15) يوما الموالية لتاريخ حصول إحدى الحالات المشار إليها ."

فقد تم تعيين هذه اللجنة الخاصة في الاستقالة الأولى كما سبقت الإشارة في ماي 2024،و في الاستقالة الثانية في فبراير 2025، و تسلم  العامل الاستقالات التي حدثت للمرة الثالثة بتاريخ 25 غشت 2025، و كان يقتضي الأمر، و بحكم و وجوب القانون تعيين هذه اللجنة بعد خمسة عشر يوما من تسلمه الاستقالات ؛فلم يحصل هذا التعيين منذ ذلك الحين إلى اليوم ؟.و الأدهى من ذلك أن رئيس المجلس- الذي استمر في ممارسة مهامه بشكل عادي- و السيد العامل " اعتبرا الاستقالة غير موجودة " ،و استمر رئيس المجلس في استدعاء المستشارين المستقيلين لحضور مختلف الدورات العادية و الاستثنائية ،و أقحمهم في عدد" المزاولين مهامهم". مثلما استمرت السلطة المحلية  في استدعائهم، بهذه الصفة، لحضور مختلف الأنشطة و المناسبات متجاهلين لمقتضيات المادتين 67 و 74 من القانون التنظيمي  113.14 .و قد وضحت فحوى المادة 74، أما المادة 67 فتقول: "يعتبر حضور أعضاء مجلس الجماعة دورات  المجلس إجباريا.                                                        

كل عضو من أعضاء مجلس الجماعة لم يلب الاستدعاء لحضور ثلاث دورات متتالية، أو خمس دورات بصفة متقطعة، دون مبرر يقبله المجلس، يعتبر مقالا بحكم القانون، و يجتمع المجلس لمعاينة الإقالة .                               

يتعين على رئيس المجلس مسك سجل الحضور عند افتتاح كل دورة و الإعلان عن أسماء الأعضاء المتغيبين.   

يوجه رئيس المجلس نسخة من هذا السجل إلى عامل العمالة أو الإقليم أو من يمثله داخل خمسة أيام من انتهاء دورة المجلس، كما يخبره داخل الأجل نفسه بالإقالة المشار إليها."                                                              

تجاهل العامل مقتضيات المادة 74،مثلما تجاهل الرئيس مقتضيات المادة 67 التي تم خرقها في الجوانب التالية:                                          

 -- قدم المستشارون استقالاتهم ، وتجاوز  عدد تغيباتهم ثلاث(03) دورات متتابعة ؛و لم يستدع الرئيس باقي أعضاء  المجلس "لمعاينة الإقالة 

-- لم يقم بإعلان و تسجيل أسماء المستشارين المتغيبين ؛                      

-- وحيث أنه لم يستدع المجلس" لمعاينة لإقالة" ،فإنه-بالتالي- لم يخبر العامل بالإقالة من باب تحصيل الحاصل.                                        

 كما يتضح  هذا الخرق من خلال مَحْضَرَيْ المقررين 29و 30 الَّلذَيْنِ جاء في كل منهما: "بعد اللجوء إلى التصويت العلني على النقطة المذكورة أعلاه، و حيث أن عملية التصويت أسفرت على ما يلي :

+ عدد أعضاء  المجلس المزاولين (18) ثمانية عشر عضوا

+عدد أعضاء المجلس الحاضرين سبعة(7) أعضاء         

+عدد الأصوات المعبر عنها سبعة(7) أصوات              

+ عدد الأعضاء الموافقين سبعة (7) أعضاء ، و هم .......

+ عدد الأعضاء الرافضين (00) لا أحد                       

+ عدد الأعضاء الممتنعين (00) لا أحد                      

يقرر ما يلي: صادق المجلس الجماعي بإجماع الحاضرين على........"

تحديد عدد أعضاء المجلس "المزاولين مهامهم في 18 عضوا غير صحيح و يخالف الحقيقة. و المادة  9 من القانون التنظيمي تُعَرِّفُ "المزاولين مهامهم" بالأعضاء: "الذين لا يوجدون في إحدى الحالات الآتية:1-الوفاة ؛2- الاستقالة الاختيارية ؛3- الإقالة الحكمية ؛4- العزل.....الخ

و تسعة من هؤلاء –الذين نحن بصدد الحديث عنهم – اختاروا الاستقالة، و توصل السيد العامل باستقالاتهم يوم25 غشت الماضي. فلماذا هذا الإصرار على اعتبارهم "مزاولين مهامهم "بهذا الشكل الذي يتعارض مع القانون و يخالفه؟

لم يشر المقرران إلى عدد المتغيبين و إلى أسمائهم. و هذا عيب واضح فيهما ؛و كان يتعين على الرئيس "مسك سجل الحضور ...و الإعلان عن أسماء المتغيبين ".حاول الرئيس أن "يُرَقِّعَ" المقررين، و أن يظهرهما مستوفيين لجميع شروط الصحة ؛و مع ذلك لم يوفق ،فالعيب فيهما واضح  :في تحديد عدد الأعضاء المزاولين مهامهم في 18 عضوا، و هذا يخالف الحقيقة و الواقع، و في عدم الإشارة إلى عدد و أسماء المتغيبين. و مع ذلك يُصَادَقُ على المقررين ،دون أدنى إشارة أو تنبيه إلى ما فيهما من عيوب ، كأنهما مقرران سليمان؟

يعرف القانون المغربي التزوير- وفقا للفصل 351 من القانون الجنائي بأنه :"تغيير الحقيقة بسوء نية في محرر رسمي أو عرفي بإحدى الوسائل التي حددها القانون، من شأنه إلحاق ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي بالغير بهدف تحقيق مصلحة غير مشروعة ". حين يُعرَّفُ " تغيير الحقيقة" بأنه: "تحريف الواقع في وثيقة"، و يعرف " تزوير الوثائق الرسمية" بأنه:" أَيُّ تغيير متعمد للحقيقة في مستندات صادرة عن جهة رسمية أو معتمدة، بقصد استخدامها بطريقة غير شرعية" يحق لنا أن نتساءل :أ ليست هذه الجوانب حاضرة في المقررين :حينما يذكران أن عدد المزاولين مهامهم 18 عضوا، مع إخفاء عدد و أسماء المتغيبين ؟إذا كنا سنحتاج  إلى رأي المحكمة كي تَبُتَّ في هذا الإمر لتأكيده أو نفيه ؛ فإن القانون التنظيمي 113.14 ليس فيه ما  يقتضي إحالة الاستقالة الاختيارية  على المحكمة الإدارية كي تبت فيها بتأكيدها أو رفضها. و قد اختار هؤلاء المستشارون أن يستقيلوا، و أسباب استقالتهم واضحة بالنسبة للمواطنين الذين لهم وحدهم الحق في محاسبتهم. لكن أن يتجاهل السيد العامل استقالتهم ، و أن يعاملهم مباشرة أو من خلال من ينوب عنه بدعوتهم أو استدعائهم للمهام أو الأنشطة المرتبطة بالجماعة كأن الاستقالة غير موجودة ،و أن يتصرف رئيس المجلس مثل هذا التصرف بناء على ما يقوم به العامل؛ فإن في هذا الأمر شطط في استعمال السلطة، و تهرب واضح من تطبيق القانون، شطط لا يختلف عن الضغط الذي مارسه العامل السابق على هذا المجلس ، كي يعقد دورة استثنائية لتغيير قرار(أو مقرر) اتخذه المجلس بالإجماع يوم 26 أكتوبر 2023 بشكل سليم لا يشوبه أي عيب لا في شكله و لا في مضمونه، طالب بتغيير ليس له أي سند قانوني؟ كذلك تَجَاهُلُ السيد العامل الحالي لاستقالة هؤلاء المستشارين ليس له أي مبرر قانوني و لا سند . إنه التهرب من تطبيق القانون. و المفروض في هذه الحالة تعيين اللجنة الخاصة التي تنص عليها المادة 74 الآنفة الذكر، و توقيف الرئيس و مكتب المجلس لمدة ثلاثة أشهر، و إجراء انتخابات جزئية ، أو شاملة لجميع الدوائر كما طالبت بذلك أحزاب و فعاليات سياسية و حقوقية و اجتماعية في السابق.

واضح الآن ، أن الهدف الموضوعي و الفعلي الذي تحقق من هذا التهرب من تطبيق القانون ،هو مصادقة المجلس الفجة على المقررين 29و30 المذكورين، و التأشير عليهما قبل دخول العام الجديد 2026؛لأن في تحقيق هذا الإجراء فرض للرسم الضريبي المتعلق بالقطع الأرضية غير المبنية على الواحة مع بدا ية هذه السنة . و هو فرض ينطبق عليه ما ينطبق على رفض السيد العامل لاستقالة المستشارين و التهرب من قبولها .أما في اعتبار الاستقالات، فسيترتب عن ذلك احترام القانون، و تعيين اللجنة الخاصة، و تأجيل المصادقة على المقررين29و30 إلى ما بعد الانتخابات الجزئية ؛ و سيترتب عن ذلك تأجيل المصادقة على المقررين إلى بداية سنة 2026 ،و بالتالي تأجيل تطبيق الرسم الضريبي المذكور إلى سنة 2027 .

و كيفما كان الحال ، فإن المصادقة على المقررين:29و30 المذكورين بُنِيَتْ على التحايل على القانون، و على التماطل من طرف رئيس المجلس و السلطة معا ،على التهرب من تطبيق القانون تطبيقا سليما سلسا؛ نحن أمام مصادقة غير نزيهة و غير نقية ،تُسَائِلُ في العمق جدوى تحمل المسؤولية في الواجهة الجماعية :إذا كان المستشار الذي انتخبه المواطنون يجد إرادته مقيدة بما تريده السلطة ، التي لم تعد وصية –كما كانت من قبل- بحكم  دستور2011،و ليس بإرادة السكان، فما جدوى المسؤولية الجماعية بقوانينها و انتخاباتها ؟إن المس باستقلالية المؤسسات ،و المؤسسات المنتخبة بالخصوص سيكون سببا في هدم كل أمل في بناء الديموقراطية المحلية، و سيكرس عزوف الشباب الصاعد عن السياسة ،وعن الانتخابات و كل ما يرتبط بها من تسجيل في اللوائح و ترشح لتحمل المسؤولية؛ لأن هذه التدخلات المتكررة التي تمس حرية المنتخبين في اتخاذ القرارات التي تمليها عليهم قناعاتهم و ضمائرهم في علاقتها بمصلحة المواطنين ومصلحة الجماعة التي هي جزء من المصلحة العامة ،ستجعلهم يشعرون بعبثية ما يقومون به و سينفرون من العمل الجماعي ،و يبتعدون عنه؛ هذا في الوقت الذي نرى فيه الدولة تسعى نحو إيجاد أجواء تشجع الشباب على ورود-و لا أقول اقتحام- حقل السياسة ،و التسجيل في اللوائح الانتخابية ،و اكتساب تجارب جديدة في الحياة...

إن هذه الازدواجية التي نلاحظها تتكرر، و هذا التعارض الذي أصبحنا نلمسه في ميادين متعددة بين القول و الفعل، بين ما يكتب على الورق و ما ينفذ في الواقع الملموس ،أصبح مثيرا للقلق الشديد: و أقصد بالضبط ما أشرت إليه في البداية من تعارض و تناقض بين الأهداف المسطرة في ديباجة قانون المقالع و الواقع الذي أصبحت عليه الواحة، وهذا الإصرار على رفض الحلول المناسبة  لمعالجة موضوع جلب رمال البناء من العرجة رغم وضوحها . أقصد هذا الإصرار على رفض استقالة المستشارين رفضا يخالف القانون و يلغي إرادة المستشارين في الاستقالة لدعم مجلس هش لم يعد يمثل السكان  كما أثبتت ذلك نتائج كل الانتخابات الجزئية  التي عرفتها الواحة مؤخرا، و كما تبينه عدد الدوائر التي  يمثلها المستشارون المزاولون مع الرئيس ,لقد فقد حياد الإدارة كل توازنه في هذه النقطة بالذات؛ و في ذلك إضرار كبير بالديموقراطية المحلية التي لا تزال في مهدها. بأي مجلس ؟ و بأي روح ديموقراطية ؟و بأي توازن في تصريف شؤون المواطنين سنحقق التنمية التي نتغنى بها في كل مكان و لا نرى منها في الواقع إلا نتفا لاتسمن ولا تغني من جوع؟ لعل تدخلا من الإدارة المركزية لوزارة الداخلية تعيد للحياد توازنه؟

قرار منع جلب الرمال من مقالع العرجة جاء إثر تعبير أرباب الشاحنات عن تضامنهم مع حراك فجيج ،ومساندتهم لموقف رفض الشركة الجهوية، و ترتب عن هذا المنع إصابة قطاع البناء بركود يكاد يصل حد الشلل ،وكان لهذا الركود تأثير كبير على الحياة الاقتصادية و الاجتماعية مما أعطى لقرار المنع هذا صفة و صبغة العقاب الجماعي الذي تجرمه القوانين الدولية؛ ورغم ذلك لا زال هذا القرار مستمرا ،يتحمل جل السكان مرارته و أعباءه بصبر و صمت. كأن الفقر و البطالة و الغلاء لا يهم كثيرا المسؤولين، و كأن الأمن الغذائي ليس من أولويات السياسة العمومية ؟ وبعد أزيد من عامين و نصف سيجتهد المسؤولون  و سيجدون في تسريع وتيرة تهييئ  مساطير و إجراءات المصادقة على القرار الجبائي المتعلق بتعديل رسم الضرائب على الأراضي غير المبنية .و في ظرف لا يزيد عن ثلاثة أشهر –إن لم يكن أقل من ذلك-  سيتم التأشير و تتم المصادقة على المقررات التي ستجعل فرض الرسم الضريبي قد استكمل شروطه ليصبح تطبيقه هذا العام قانونيا. لقد كان من نتائج قرار منع جلب الرمال ركود قطاع البناء بالواحة، و كان من نتائج هذا الركود بقاء عدد مهم من القطع الأرضية غير مبنية ؛و جاء هذا القانون الجبائي ليفرض رسومه على هذه القطع غير المبنية ؛ليضيف إلى مشاكل الواحة عبئا آخر لم يفكر في تأجيله، بله أن يعمل  على هذا التأجيل رغم توافر إمكانية ذلك، لا رئيس المجلس البلدي و بقية المستشارين معه، و لا السيد عامل الإقليم الذي ظهر حرصه الشديد على أن يسرع المجلس في المصادقة على القرار الجبائي.

قضى المستشارون المستقيلون ثلاثة أشهر كاملة يبحثون عن طريق أو منفذ يوصلون به استقالاتهم إلى رئيس المجلس أو إلى السيد عامل الإقليم ، ولم يتوصلوا إلى ذلك إلا بمشقة ، رغم وضوح القانون. و استغرق القانون الجبائي المذكور أقل من ثلاثة إشهر، رغم ما يتطلبه و يقتضيه من أبحاث  و دراسات وإعمال تقنية و إدارية واجتماعات و نقاشات و مساطر ... حتى لا يتأخر تطبيقه عن السنة الحالية الجارية. و تم ذلك بنجاح. سواء شئنا أم أبينا سواء كان ذلك عن قصد أو عن غير قصد، فقد وضعت واحة فجيج بين المطرقة والسندان: سندان التهميش و الهشاشة و الفقر...و مطرقة الغلاء و الضرائب و الفقر؟ ما ذنب هذه الواحة ؟؟؟؟؟؟                

 عبدالعزيز  بنعيسى، (أستاذ متقاعد)، أستاذ مكون بالمركز التربوي الجهوي بوجدة سابقا