عبد الفتاح الزين
تنشر جريدة "أنفاس بريس" سلسلة مقالات تحليلية للسوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين، حول موضوع "الثورة الرقمية وتحولات الاتصال والإعلام"، مقدما نموذج المغرب لتأثيرات هذه الثورة والتحولات الكبيرة التي أحدثتها داخل المجتمع.
أرى أنه لا بد أن نقدم للقارئ - في إطار الصرامة العلمية، وبشكل مبسط بعض المفردات المرتبطة بما نحن بصدده باعتبار أنها تستعمل كمرادفات دون اهتمام بالتمايزات الدلالية فيما بينها، خاصة وأننا بصدد مقاربة سوسيولوجية (وإن كانت مبسطة) نريدها أن تساعد جمهور مستعملي هذه التطبيقات والجمهور العام على فهم المستويات المختلفة العملية التواصلية من خلال تعبير هذه المفردات التي نريدها مفاهيم إجرائية علمية (عكس اللغة العامة المنتجة لمعرفة عفوية). وسنرتّبها من الأوسع أو الأعم إلى الأضيق أو الأخص.
أ. الاتصال communication: وهو المفهوم الأشمل، ويعني تبادل المعاني والمعلومات والرموز بين الأفراد، والجماعات أو المؤسسات من خلال استعمال مفردات لغوية أو علامات ورموز أو إشارات أو غيرها. ويشمل الاتصال الكلام اليومي، لغة الجسد، ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب التعليم، الإعلانات، وحتى الإعلام بما فيه من صحافة بمختلف أنواعها وأشكالها. هكذا، يمكننا أن نفهم بأن كل إعلام اتصال إلاّ أنه ليس كل اتصال إعلاماً.
ب. الإعلام (Médias/Communication de masse): هو اتصال موجّه إلى جمهور واسع عبر وسائط وتقنيات. ونجد من أدواته: التلفزيون Télévision (وليس التلفاز téléviseur كجهاز)، الإذاعة (وليس كذلك الراديو)، الصحافة، المنصات الرقيمة (التي يستعملها الإعلام الرقمي)، والسينما. فالإعلام (باعتباره جماهيريا) هو نظام اجتماعي ومؤسسي، وليس فقط مجرد محتوى. ومن بين وظائفه نقل المعلومات، إلى جانب القيام بالتثقيف والتوعية، والترفيه، ناهيك عن استعمالاتها في تأطير الرأي العام بل وحتى التأثير فيه (الدعاية أو البروباغندا la propagande).
ج. الصحافة: هي مهنة داخل مجال الإعلام. وتتعلق بجمع الأخبار، مع التحقق منها، تحريرها ونشرها وفق قواعد مهنية وأخلاقية. ولهذا، فالصحفي يقوم بالبحث عن الحقيقة، والتحقق من المصادر، وذلك خدمة للمصلحة العامة. وقد يتعرض للمساءلة إذا ما أخل بالقواعد المهنية أو أساء إلى الأخلاقيات سواء بالنظر لمهنته المؤسسية أو بالنظر لمهنة الصحافة. هكذا يتبين لنا أن الصحافة جزء من الإعلام، لكنها ليست كل الإعلام، على اعتبار أن الإعلام يشمل وظائف ليست من مهمة الصحفي كالترفيه، والإعلانات أو الإشهار، أو الفرجة بمختلف أنواعها السينما.. وهنا، نشير إلى أن المنشط (إذاعيا كان أو في التلفزيون، وغيرها من وسائل الإعلام المشار إليها سابقا)، والمذيع ... ليسوا بالضرورة صحافيين أو خلال قيامهم بهذه الأدوار يعتبرون كذلك. إنهم إعلاميون.
د. الإخبار information: وننبه أننا هنا بصد الحديث عن الوظيفة وليس المؤسسة، ويتعلق الأمر بعملية نقل الأخبار والمعلومات عن حدث أو واقعة ما (سياسية، رياضية، فنية...)، والتي قد يقوم بها صحفي محترف أو مؤسسة إعلامية أو مواطن عبر أحد التطبيقات الرقمية (فايسبوك أو غيره)، أو جهة رسمية ... وحتى منصة رقمية. هكذا يتضح لنا أن الإخبار قد يكون وظيفة أو فعلاً، وليس مهنة بالضرورة.
ولعل مقارنة سريعة، ستساعدنا على تلخيص الاختلافات بشكل مبسط للقارئ. فالاتصال هو كل أشكال تبادل المعنى، ويهم تواصلا بين بشر؛ بينما الإعلام مجال مؤسسي، يتعلق باتصال جماهيري عبر وسائل مختلفة؛ أما الصحافة، فهي ممارسة مهنة داخل قطاع الإعلام، يتجلى دورها في إنتاج الأخبار ضمن قطاعها الإعلامي.
ويبقى الإخبار كعملية لنقل الأخبار وظيفة قد تكون صحفية أو غير صحفية. ووِفق هذا التأطير يتبيَّن للقارئ الفرق بين هذا العمليات التواصلية الأربع المترابطة فيما بينها بشكل تسلسلي.
بعد هذه التوطئة السياقية والمعرفية (وإن كانت معيارية نوعا ما)، سأستعرض ما أشرت إليه من بروز لمهن وأنشطة تطلبتها أدوار جديدة في مجال الإعلام والاتصال والتي أصبحت تضايق وتنافس الصحفي بمختلف أنواعه وأصنافه، وهي كالتالي:
المؤثر influenceur، والمبلغ عن المخالفات أو المنبه/المنذر (بالأخطار) lanceur d'alerte، والمذيع (المباشر) streamer، والمدون blogueur، وصانع المحتوى faiseur de contenu باعتبارهم أهم العناصر والوظيفية والأدوار التي بدأت تتناسل كالفطر لدرجة أصبح من الصعب تأطيرها قانونيا أو فهم تمايزات بعضها عن بعض.
وسنحاول - وفق ما أشرنا إليه أعلاه - أن نتناول كلا منها على حدى، ثم سنقارنها فيما بعد مع مهنة الصحفي على الخصوص وأدواره. على أن اشتغالنا هنا لن يعتد بالجوانب القانونية والتنظيمية بقدر ما سنحاول تسليط الضوء عليها من زاوية معرفية من خلال مقاربة سوسيولوجية.
1) مهنة الصحافة journalisme والصحفي:
عطفا على التفسير المقدم حول تسلسل العملية التواصلية وموقع الصحافة والصحفي ضمنها، نشير إلى أن الصحافة، والصحفي كممارس لهذه المهنة، تحكمهما أخلاقيات تقوم على الحقيقة، والاستقلالية، واحترام حميمية الأفراد. كما أن القطاع - مهنةً ومهنيين، وأفرادا ومؤسسات - لن يقوم بما هو منوط به دون توفير الحرية الصحافية، وضمان جودة المعلومات. هكذا يتمتع الصحفيون بحقوقٍ كحماية المصادر، وحق الاستنكاف الضميري فيما يتعلق بالسياسة التحريرية؛ حيث يمكن أن يصل الأمر إلى حدّ الرفض الشخصي للقيام بعمل ما أو الامتثال لأمر أو التزام قد يعتبر مخالفًا لمعتقدات الصحفي الأخلاقية أو العقدية أو الفكرية العميقة ... فالصحافة مهنة تقوم على حرية الضمير بما يهدف إلى حماية السلامة الأخلاقية للفرد ضد الضرورات العليا والضغوط المؤسسية. ولهذا تُعدّ حصانتهم نسبية، وتتمحور حول حماية الصحافة الاستقصائية والمسؤولية الأخلاقية.
ولهذا يجب على الصحفي التحقق من معلوماته والأخبار التي يجمعها في احترام للخصوصية أو الحميمية مع ضمان النزاهة. وتقتضي أخلاقيات الصحافة كذلك عدم نشر معلومات تحض على الكراهية وتعلي من شأن العنف أو كل ما يضر بالتماسك الاجتماعي، ويشجع على الفوضى والعداوة ... كما أنها تعمل على تصحيح الأخطاء، والاعتراف بالمسؤولية في حدوثها متى كان الأمر كذلك لأسباب غابت عن الصحفي مع ما يترتب عن ذلك.
فيما يتعلق بالاستقلالية، يرفض الصحفي الضغوط التجارية أو السياسية، ويتجنب تضارب المصالح. فاستقلال الصحافة أمر أساسي للديمقراطية؛ حيث يضمن حرية التحقيق والإعلام دون ضغوط اقتصادية أو سياسية أو إيديولوجية. وتقوم على الأخلاق وحماية المصادر ومجالس التحرير الخالية من أي تدخل من قبل المالكين أو المعلنين والمستشهِرين أو الحكومات. فالصحافة ضرورية من أجل توفر حوار عمومي مستنير. ورغم هذه الاستقلالية المؤطرة بقوانين تنظيمية (القوانين رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، ورقم 89.13 النظام الأساسي للصحفيين المهنيين، مجلس الصحافة)، ورقابية (الهيأة العليا للاتصال السمعي والبصري بالمغرب المحدثة سنة 2011) مع ما يرتبط بالاستقلالية التحريرية (المؤسسة أو الصحفي تجاه مختلف الضغوطات والتوترات) أو الاستقلالية الاقتصادية ... فإن هناك سياقات وظرفيات ترفع من حدة هشاشة هذه الاستقلالية إلى حد تسجيل نوع من التبعية العلنية أو الخفية سواء تعلق الأمر بغموض العلاقة بين مفهومي "الإعلام والعمومي" و"الإعلام الحكومي"؛ حيث تستفرد السلطات الحكومية باعتبارها الوصية على القطاع لتفرض رؤيتها من خلال سياستها العمومية و/أو القطاعية.
كما أنه بالنظر للتحولات التي تعرفها مهنة الصحافة سواء بالنظر إليها كمهنة أو كمؤسسة أو كقطاع، فقد أشارت السوسيولوجيا إلى هشاشة هذه الاستقلالية من خلال ما يلاحظ من تركيز وسائل الإعلام في قبضة مجموعات ما باسم السوق أو الاستيلاء عليها (عبر مختلف التحايلات) من قبل جماعات المصالح أو الحكومات، وهو ما يجعل كذلك الهشاشة المالية تشكل تهديدات رئيسية. ونظرا للدور الخطير للصحافة ضمن الإعلام، فقد رأى بعض السوسيولوجيين مثل بيير بورديو الذي بلور مفهوم "سيطرة الصحافة Emprise du journalisme" باعتباره "سلطة رابعة" أن قبضة آليات المجال الصحفي الخاضعة بشكل متزايد لمتطلبات السوق (من القراء والمعلنين/المستشهرين) تمارس أولاً على الصحفيين (والصحفيين المثقفين كذلك) ثم، وجزئياً من خلالهم، على مختلف مجالات الإنتاج الثقافي، القانوني، الأدبي الفني، والعلمي.
إن هذا السلطة آخذة في التراجع. وقد تم اعتبار أن الكشف عن القيود الخفية التي تُثقل كاهل الصحفيين، والتي يفرضونها بدورهم على جميع المنتجين الثقافيين، ليست - بالتأكيد - إدانةً للمسؤولين أو تحديد المذنبين بل هي محاولة لمنح الجميع فرصة التحرر، من خلال الوعي، من قبضة هذه الآليات، وربما اقتراح برنامج عمل مشترك بين الفنانين والكتاب، والباحثين، والصحفيين، الذين يحتكرون (تقريبًا) وسائل النشر. إن هذا التعاون وحده كفيلٌ بالعمل الفعال على نشر أكثر نتائج البحوث شمولية، وكذلك، إلى حد ما، على تعميم شروط الوصول إلى ما هو عالمي. وفيما يتعلق بالخط التحريري والأخلاقيات، فإنه يعتمد الاحترام عند التعيين، ولكن لا يُمكن إجبار الصحفيين على التعبير عن آراء تُخالف ضمائرهم. وعند التضارب في حال حدوث تغيير جذري في الخط التحريري، يُمكن للصحفيين الاستناد إلى بند حرية الضمير لمغادرة المؤسسة.
وعلى مستوى حقوق الصحفي، تتم ضمانة حرية الولوج إلى الحق في إجراء التحقيقات بحرية والوصول إلى مصادر المعلومات مع حماية القانونية، لا يُحاسب وفقها الصحفي على أفعاله المهنية إلا أمام هيئات تنظيمية ذاتية مستقلة (تمت الإشارة إلى المجلس الوطني الصحافة الذي أثير حول نزاهته لغط إعلامي كبير) باعتباره الساهر على الأخلاقيات المهنية كشكل من أشكال التنظيم الذاتي، وهي أساسية للحفاظ على ثقة الجمهور.
2) المدون:
ظهر المدون كأول صنف من بين منتجي المحتوى مكتوبا أو متعدد الوسائط حول موضوع يثير الاهتمام: السياسة، الرياضة، الثقافة، التكنولوجيا ونمط الحياة... وقد برز الصحفي - في علاقة بموضوعنا - كأول مدون حتى أن عددا من صحفيي اليوميات والأسبوعيات ... والدوريات، وغيرها من جرائد ومجلات كانت لهم مدوناتهم ضمن مواقع المؤسسات الإعلامية التي يشتغلون بها.
واعتبر التدوين، حيث أسلوب العمل كتابة ونشرا، تعبيرا شخصيا. وقد اهتم بتحليل مختلف القضايا، وإبداء الرأي ... وكل ما تعلق بمجال الاتصال والإعلام. ويتميز كتابة بتبسيط المحتوى، كما أنه يمكن أن يفتح إمكانية إجراء تحقيقات... أو مجرد التعليق ... وما إلى ذلك. وعلى مستوى وضعيته الإعلامية، يتطلب احترام الإطار الأخلاقي والقانوني المتسم بحرية تعبير واسعة، غير أنه لا يفترض ضرورة التزاما بالحياد، كما أنه المدون لا يوجد في وضعية مهنية محددة. إنه عمل شخصي خالص. فعلى الرغم من وجود مدونات شخصية لمدونين صحفيين أو فنانين أو مثقفين تستضيفها مواقع لمؤسسات يشتغلون بها، فإن مسؤوليتهم الشخصية قائمة بالنسبة لمدوناتهم التي تعود لهم إدارتها وتغذيتها بما يرون أنه مهما ويحقق لهم متابعات أو يوفر لهم عبر التفاعل معطيات ومعلومات ... وهناك منصات خاصة بالمدونات من قبيل: ميديوم Medium، وسوبستاك Substack، وغيرها من الشبكات الاجتماعية. فالمدون، وفق هذا التوصيف، صوت شخصي في المجال العام.
3) صانع المحتوى:
صانع المحتوى شبيه بالمدون، غير أنه يختلف عنه من حيث كونه منتج لمحتوى تفاعلي. فهو مبتكر لأشكال مثيرة للانتباه وجذابة، والتي قد تكون على شكل فيديوهات أو منشورات، وحتى رسوم بيانية أو بودكاست كمحتوى صوتي (وأحيانًا فيديو) رقمي، يُبث عبر الإنترنت ويمكن الاستماع إليه عند الطلب، في أي وقت وفي أي مكان ...
ومن خصائص صناع المحتوى الاهتمام بالتفاعل مع منطق المنصة (الخوارزميات، الانتشار السريع)، ويمكن أن يكون المحتوى محايدًا أو إعلاميًا أو ترفيهيًا أو ذا طابع توعوي. كما أنه يهتم بالشكل بقدر اهتمامه بالمضمون. وهو في عمله (صناعة المحتوى) يمكن أن يخدم وسيلة إعلامية، أو علامة تجارية، أو مؤسسة، أو حتى نفسه إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون مؤثرًا أو صاحب موقف إعلامي مدني. إنه يساير المنطق السائد، غير أنه يهتم أكثر بالإبداع على مستوى المحتوى الذي يصنعه بما يجعله عاملا في خلق التفاعل مع الجمهور. فدون جمهور لا يمكن لصانع المحتوى الاستمرار في عمله لأن الجمهور هو مرآته وسبب وغاية وجوده.
4) المؤثر:
في سياق هذه التحولات، ظهر المؤثر كفاعل فيما يتعلق بالتأثير على الآراء أو السلوكيات بالنظر للتحولات العولمية من حيث الصراعات من خلال تحريك آليات وأشكال القوى الناعمة. هكذا برزت عموما في هذه السياقات التي تميزت بصعود نجم الاتصالات الرقمية واحتكارها لقنوات التواصل من حيث القوة والسرعة..وقد تقوى دور المؤثر من خلال بنائه علاقة وثيقة مع المجتمع عموما ومتابعيه على الخصوص الذين يمكن القول: إنهم في الغالب مستخدمون نشطون لوسائل التواصل الاجتماعي، وغالبًا ما يكونون شغوفين بمواضيع محددة (كالموضة، والرياضة، والجمال..)، ويبحثون عن محتوى أصيل. إنهم يسعون للتواصل والثقة والتماهي، مُشكلين مجتمعًا متفاعلًا يُقدّر المشاركة اليومية وخبرة المؤثر أو جاذبيته.
وقد حددت الدراسات والأبحاث في هذا الصدد أبرز سمات هؤلاء المتابعين من خلال دوافع اختيارهم لمؤثر دون آخر، كالتالي:
الرغبة في التفاعل والتواصل: فهؤلاء المتابعين أو المنخرطين ليسوا سلبيين بل يتفاعلون (بالإعجاب أو التعليق أو المشاركة) وبذلك يُنمّون شعورًا بالألفة، خاصةً مع المؤثرين الصغار. وهكذا يتولد تيار حامل لرأي عام قد تكون له مكانته في فضاء الفعل العمومي.
الاهتمام والشغف بالمواضيع المطروحة من طرف المؤثر: إذ يشترك هؤلاء بناءً على انجذابهم لمجال المؤثر (كالجمال أو التكنولوجيا أو الفكاهة). فهذا الانجذاب أو الميل قد يكون نتيجة الرغبة في الترويح عن النفس أو البحث عن مكانة أو غير ذلك.