الصادق العثماني: اختلاف رؤية الهلال والواقع الجغرافي للأقليات المسلمة.. مقاربة مقاصدية بين النص والواقع المعاصر

الصادق العثماني: اختلاف رؤية الهلال والواقع الجغرافي للأقليات المسلمة.. مقاربة مقاصدية بين النص والواقع المعاصر الصادق العثماني، أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

يُعدّ موضوع اختلاف رؤية الهلال من القضايا الفقهية المتجددة التي تتقاطع فيها النصوص الشرعية مع معطيات الواقع الجغرافي والعلمي، وتبرز فيها الحاجة الملحّة إلى تفعيل المنهج المقاصدي في الفهم والاجتهاد. وقد ظلّ هذا الموضوع، عبر فترات طويلة، محلّ نقاش فقهي واسع، غير أنّه في السياق المعاصر، ومع توسّع رقعة وجود المسلمين في مختلف بقاع الأرض، أصبح يطرح إشكالات أكثر تعقيدا، خاصة بالنسبة للأقليات المسلمة في أوروبا والأمريكيتين وآسيا، التي تجد نفسها في كثير من الأحيان مرتبطة بتقاويم بلدان بعيدة عنها جغرافيا وثقافيا، دون اعتبار كافٍ لخصوصيات المكان والزمان.


لقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وهو نصّ يؤسس لمبدأ ارتباط العبادة بالمشاهدة الحسية للهلال، ويجعل من الرؤية مدخلا أساسيا في تحديد بدايات الشهور القمرية. غير أنّ هذا النص لم يُفهم في التراث الفقهي فهما جامدا، بل تعامل معه العلماء في ضوء معطيات الواقع، ومقاصد الشريعة، واختلاف الآفاق، وتباعد الأمصار. وقد نتج عن ذلك تنوّع معتبر في الآراء والاجتهادات، يدل على سعة الفقه الإسلامي ومرونته وقدرته على الاستجابة لمتغيرات الزمان والمكان .


ومن المسائل المركزية في هذا الباب مسألة "اختلاف المطالع"، أي اختلاف أماكن طلوع الهلال بين بلد وآخر. وقد ذهب جمهور من الفقهاء إلى اعتبار هذا الاختلاف، ورأوا أن لكل بلد رؤيته إذا تباعدت الأقطار واختلفت الآفاق، وهو مذهب مشهور عند الشافعية وجماعة من المالكية والحنابلة. بينما ذهب آخرون إلى القول بوحدة المطالع، وأن رؤية الهلال في بلد تلزم سائر المسلمين متى ثبتت بشروطها الشرعية. وهذا الخلاف لم يكن خلافا شكليا أو ثانويا، بل كان مبنيا على فهم دقيق للنصوص، ومراعاة للواقع الجغرافي، وإدراك لطبيعة حركة القمر واختلاف منازله .


وإذا نظرنا إلى هذا الخلاف من زاوية مقاصدية، فإننا نجد أن مقصود الشريعة في هذا الباب يتمثل في تحقيق اليقين أو غلبة الظن بدخول الشهر، ورفع الحرج عن المكلفين، وتيسير أداء العبادة في وقتها المشروع، مع الحفاظ على وحدة الجماعة قدر الإمكان دون الإضرار بمصداقية العبادة أو ربطها باعتبارات غير واقعية . فالمقصد ليس مجرد توحيد يوم الصيام أو العيد شكليا، بل هو تحقيق العبودية لله في إطار من الانضباط الشرعي والواقعي معا.


وقد تنبّه عدد من كبار العلماء إلى أثر الزمان والمكان في تنزيل الأحكام، وقرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد، وأن الجمود على ظاهر النص دون اعتبار سياقه قد يؤدي إلى خلل في الفهم والتطبيق. وفي هذا السياق أكد أبو إسحاق الشاطبي أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وأن تنزيل الأحكام لا ينفك عن مراعاة الواقع الذي تعيشه الأمة.. وبيّن شهاب الدين القرافي أن إهمال الفروق بين البيئات والعادات يؤدي إلى اضطراب الفتوى وفساد العمل بها.


وانطلاقا من هذه الأصول، يتبيّن أن إشكالية اعتماد الأقليات المسلمة في أوروبا أو أمريكا أو غيرها على تقاويم دول بعيدة جغرافيا تثير تساؤلات فقهية مشروعة. فهذه المجتمعات تعيش في سياقات تختلف جذريا عن سياقات البلدان الإسلامية التقليدية، سواء من حيث خطوط العرض والطول، أو من حيث طول النهار والليل، أو من حيث الظروف المناخية، أو من حيث التنظيم الإداري والقانوني . وقد اضطرت هذه الأقليات إلى اعتماد حسابات محلية دقيقة لأوقات الصلاة والصيام مراعاة لهذه الفروق، وهو أمر أقره العلماء ولم يعترضوا عليه .


فإذا كان المسلمون في تلك البلاد لا يترددون في اعتماد مواقيت محلية للصلوات الخمس بسبب اختلاف الشروق والغروب والزوال، فلماذا يُصرّ بعضهم على ربط دخول رمضان أو حلول العيد برؤية وقعت في بلد يبعد آلاف الكيلومترات، وقد لا يشترك معهم في جزء من الليل أو النهار؟ إن هذا التناقض في المنهج يعكس أحيانا فهما انتقائيا للنصوص، يركّز على ظاهر الوحدة ويتغافل عن شروطها الواقعية .


ويتجلى هذا الإشكال بوضوح في الواقع المعاصر للجاليات المسلمة في فرنسا اليوم، حيث تشهد الساحة الإسلامية فيها اختلافا عمليا في تحديد بداية شهر الصيام، فبينما صام بعض المسلمين يوما اعتمادا على إعلان دول معينة في العالم الإسلامي، اختار آخرون الصيام في اليوم الموالي بناء على حسابات أو قرارات محلية مختلفة. وقد أدى هذا التباين إلى بلبلة داخل المجتمع الواحد، وطرح تساؤلات عميقة حول المرجعية الفقهية المعتمدة، وحدود الالتزام بالقرارات القادمة من خارج السياق الأوروبي .


ولا يقتصر أثر هذا الاختلاف على الجانب التعبدي فحسب، بل يمتد ليشمل البعد الاجتماعي والنفسي، حيث يشعر كثير من المسلمين بالحيرة والاضطراب، خاصة داخل الأسرة الواحدة أو بين رواد المساجد المتجاورة، حين تختلف مواعيد الصيام والإفطار والعيد في الحي نفسه . وهذا الوضع يضعف مقصد الاجتماع والوحدة الذي حرصت عليه الشريعة، ويحوّل مسألة اجتهادية مرنة إلى مصدر توتر وانقسام . 


لهذا إن الجغرافيا في الفقه الإسلامي ليست عنصرا ثانويا أو هامشيا، بل هي جزء من بنية الحكم الشرعي نفسه. فالأحكام المتعلقة بالمواقيت، والقبلة، والسفر، والصيام، والحج، بل وحتى بعض المعاملات، تتأثر بشكل مباشر بالمكان والبعد والمسافة. وقد أدرك الفقهاء الأوائل هذه الحقيقة، ففرّقوا بين البلاد القريبة والبعيدة، واعتبروا اختلاف الآفاق في كثير من المسائل، ولم يروا في ذلك تهديدا لوحدة الأمة، بل تعبيرا عن واقعية الشريعة وشمولها.
ومن منظور مقاصدي، فإن إغفال السياق المكاني في الاجتهاد الفقهي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها اضطراب الناس في عباداتهم، وفقدان الثقة في المؤسسات الدينية، وظهور انقسامات داخل الجاليات المسلمة نفسها، حيث يصوم بعضهم ويفطر آخرون في البلد الواحد، لا بسبب اختلاف الرؤية المحلية، بل بسبب الارتباط ببلدان مختلفة في المرجعية. وهذا الوضع يناقض مقصد رفع الخلاف وتحقيق الاستقرار، ويقوّض روح الأخوة والتعاون داخل المجتمع .


كما أن التطور العلمي في مجال الفلك والحسابات الدقيقة يفرض اليوم معطيات جديدة على الفقه المعاصر. فإمكان تحديد ولادة الهلال، ومناطق الرؤية المحتملة، ودرجات الاستحالة أو الإمكان، لم يعد أمرا ظنيا كما كان في السابق، بل صار علما قائما على معطيات دقيقة. والمقاربة المقاصدية لا ترى في هذا التطور تهديدا للنص، بل تعتبره وسيلة لفهمه وتنزيله على الوجه الأكمل، ما دام لا يصادم مقصدا قطعيا ولا نصا صريحا .


إن الفقه في جوهره ليس مجموعة من الأحكام الجامدة، بل هو عملية تفاعل مستمرة بين الوحي والواقع، بين النص والمصلحة، بين الثابت والمتغير. وكلما انفصل أحد هذه العناصر عن الآخر، اختلّ التوازن وفُقدت الحكمة من التشريع. ولذلك فإن ربط الصيام والأعياد ببلدان بعيدة دون مبرر شرعي قوي، ودون اعتبار للواقع المحلي، قد يفرغ الحكم من مقصده، ويحوّله إلى مجرد تقليد شكلي لا روح فيه.


ولا يعني هذا الدعوة إلى الفوضى أو تعدد المرجعيات دون ضابط، بل يعني ضرورة بناء مرجعية فقهية محلية أو إقليمية للأقليات المسلمة، تقوم على الاجتهاد الجماعي، وتضم فقهاء وفلكيين ومتخصصين في الواقع الاجتماعي، وتعمل في إطار مقاصد الشريعة وأصولها. فبهذا وحده يمكن تحقيق التوازن بين الوحدة والتنوع، وبين الانضباط والمرونة، وبين النص والواقع.


إن تجربة المؤسسات الإسلامية والمجامع الفقهية في الغرب خلال العقود الأخيرة تؤكد أن هذا المسار ممكن وناجح، متى توفرت الإرادة العلمية والاستقلالية المنهجية. وقد أثبتت هذه التجارب أن اعتماد الرؤية أو التقدير المحلي، وفق معايير شرعية وعلمية دقيقة، يسهم في استقرار الجاليات المسلمة، وتعزيز اندماجها الإيجابي، وحماية عباداتها من الاضطراب.


وفي الختام، يمكن القول إن مسألة اختلاف رؤية الهلال والبعد الجغرافي ليست مجرد قضية تقنية أو فلكية، بل هي مسألة فقهية مقاصدية بامتياز، تمسّ جوهر العلاقة بين النص والواقع، وبين الشريعة والحياة. وإن التعامل معها بعقلية جامدة أو انتقائية لا يخدم الدين ولا يخدم المسلمين، بل يكرّس حالة من الارتباك والتناقض. أما المقاربة المقاصدية الواعية، فإنها تفتح آفاقا واسعة لاجتهاد متوازن، يحفظ للدين روحه، وللعبادة معناها، وللأمة وحدتها في إطار تنوعها المشروع، ويجعل من الفقه أداة هداية وبناء، لا سببا للانقسام والجمود.

 

 

الصادق العثماني /أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية