منعطف مدريد.. الصحراء المغربية تدخل مرحلة تنزيل الحكم الذاتي

منعطف مدريد.. الصحراء المغربية تدخل مرحلة تنزيل الحكم الذاتي تطوير إطار الحكم الذاتي المتكامل يضمن سلطة فعلية لسكان الصحراء ضمن الوحدة الوطنية المغربية

تمثل‭ ‬«مفاوضات‭ ‬مدريد»‭ ‬التي‭ ‬احتضنتها‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬يومي‭ ‬8‭ ‬و9‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬منعطفا‭ ‬نوعيا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تدبير‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬النقاشات‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬بدأت‭ ‬تلامس‭ ‬الأبعاد‭ ‬التقنية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بكيفية‭ ‬تفعيل‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬القانوني‭ ‬والإداري‭ ‬والمالي،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستكون‭ ‬مرتبطة‭ ‬بدرجة‭ ‬توفر‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬لدى‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف،‭ ‬وبقدرة‭ ‬الوساطة‭ ‬الدولية،‭ ‬التي‭ ‬تضطلع‭ ‬بها‭ ‬أساسا‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬تقريب‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬وتحويل‭ ‬التوافقات‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬ترتيبات‭ ‬عملية،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬(2797)‭ ‬بإيجاد‭ ‬حلول‭  ‬توافقية‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭.‬


وإذا‭ ‬كان‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي‭ ‬هو‭ ‬الصيغة‭ ‬التي‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬أرضية‭ ‬للتفاوض،‭ ‬فإن‭ ‬التنفيذ‭ ‬يقتضي‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬دقيقة،‭ ‬يتم‭ ‬خلالها‭ ‬تحديد‭ ‬آليات‭ ‬نقل‭ ‬الاختصاصات،‭ ‬وإرساء‭ ‬ضمانات‭ ‬دستورية،‭ ‬وصياغة‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬واضح‭ ‬ينظم‭ ‬طبيعة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الجهوية‭ ‬وصلاحياتها‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬مع‭ ‬المركز،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مرحلة‭ ‬التنفيذ‭ ‬ستكون‭ ‬اختبارا‭ ‬حاسما‭ ‬لمدى‭ ‬إرادة‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬طي‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيدفع‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬ببعثة‭ ‬«المينورسو» من‭ ‬مراقبة‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬إلى‭ ‬مواكبة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الاتفاقات‭ ‬السياسية‭ ‬وتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬التقني‭ ‬والمؤسساتي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقتضي‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬وظيفتها،‭ ‬في‭ ‬انسجام‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬طبيعة‭ ‬النزاع‭ ‬ومسار‭ ‬تسويته‭.‬


بيد‭ ‬أن‭ ‬التفاوض‭ ‬سيحتم‭ ‬الاستنجاد‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يخف‭ ‬استلهامه‭ ‬لتجارب‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة،‭ ‬وهي‭ ‬تجارب‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬السياسي‭ ‬والمؤسساتي‭ ‬يتخذ‭ ‬صيغا‭ ‬متعددة،‭ ‬ترتبط‭ ‬بالسياقات‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬لكل‭ ‬بلد،‭ ‬وتتشكل‭ ‬وفق‭ ‬توازنات‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬مطلب‭ ‬التدبير‭ ‬المحلي‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭. ‬


ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتقدم‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي‭ ‬بوصفه‭ ‬أرضية‭ ‬للنقاش‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬أنماط‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬التي‭ ‬راكمتها‭ ‬تجارب‭ ‬دولية‭ ‬متنوعة،‭ ‬خاصة‭ ‬تجربة‭ ‬إسبانيا‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الصيغ‭ ‬تطورا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭. ‬فقد‭ ‬تأسس‭ ‬نظام‭ ‬«دولة‭ ‬الجهات‭ ‬المستقلة»‭ ‬عقب‭ ‬دستور‭ ‬1978،‭ ‬حيث‭ ‬مُنحت‭ ‬الأقاليم‭ ‬التاريخية‭ ‬مثل‭ ‬«كاتالونيا»‭ ‬و‭ ‬«إقليم‭ ‬الباسك»‭ ‬و‭ ‬«الأندلس»‭ ‬صلاحيات‭ ‬تشريعية‭ ‬وتنفيذية‭ ‬واسعة،‭ ‬تشمل‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والثقافة‭ ‬والشرطة‭ ‬الجهوية‭ ‬والتخطيط‭ ‬العمراني‭. ‬كما‭ ‬تمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬برلمانات‭ ‬منتخبة‭ ‬وحكومات‭ ‬محلية،‭ ‬وتشارك‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مواردها‭ ‬عبر‭ ‬أنظمة‭ ‬مالية‭ ‬متفاوتة،‭ ‬حيث‭ ‬يتمتع‭ ‬إقليم‭ ‬«الباسك»،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬بنظام‭ ‬جبائي‭ ‬خاص‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬جباية‭ ‬الضرائب‭ ‬محليا‭ ‬وتحويل‭ ‬حصة‭ ‬متفق‭ ‬عليها‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭. ‬


أما‭ ‬التجربة‭ ‬الإيطالية،‭ ‬فتقدم‭ ‬بدورها‭ ‬صيغة‭ ‬مزدوجة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬جهات‭ ‬عادية‭ ‬وجهات‭ ‬ذات‭ ‬نظام‭ ‬خاص‭. ‬فمنذ‭ ‬دستور‭ ‬1948،‭ ‬اعترفت‭ ‬الدولة‭ ‬الإيطالية‭ ‬بخمس‭ ‬جهات‭ ‬ذات‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي‭ ‬موسع‭ ‬لأسباب‭ ‬تاريخية‭ ‬وثقافية‭ ‬ولغوية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬«صقلية»‭ ‬و«سردينيا»‭ ‬و«ترينتينو‭ ‬ألتو‭ ‬أديجي»‭. ‬إذ‭ ‬تمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬صلاحيات‭ ‬تشريعية‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬العادية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المالية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وتحتفظ‭ ‬بجزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬عائداتها‭ ‬الضريبية‭. ‬


وتقدم‭ ‬البرتغال‭ ‬نموذجا‭ ‬آخر‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬الإقليمي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جهتي‭ ‬«الأزور»‭ ‬و«ماديرا»‭. ‬هاتان‭ ‬المنطقتان‭ ‬الجزيريتان‭ ‬تتمتعان‭ ‬ببرلمانات‭ ‬جهوية‭ ‬وحكومات‭ ‬محلية،‭ ‬واختصاصات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية،‭ ‬مع‭ ‬احتفاظ‭ ‬الدولة‭ ‬بالسيادة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬والسياسة‭ ‬الخارجية‭. ‬


وفي‭ ‬بلجيكا،‭ ‬تتخذ‭ ‬صيغة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬بعدا‭ ‬فدراليا،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬اتحاد‭ ‬يضم‭ ‬أقاليم‭ ‬ومجتمعات‭ ‬لغوية‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تمثل‭ ‬بلجيكا‭ ‬حالة‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬تقاسم‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والكيانات‭ ‬المكونة‭ ‬له،‭ ‬حيث‭ ‬توجد‭ ‬أقاليم‭ ‬مثل‭ ‬«فلاندر»‭ ‬و«والونيا»،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مجتمع‭ ‬«بروكسل»‭. ‬وتمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬برلمانات‭ ‬وحكومات،‭ ‬واختصاصات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والثقافة‭ ‬والتعليم‭. ‬كما‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬المرتبطة‭ ‬باختصاصاتها‭. ‬


وهذا‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬على‭ ‬المغرب‭ ‬صياغة‭ ‬عقد‭ ‬سياسي‭ ‬جديد،‭ ‬يعترف‭ ‬بخصوصية‭ ‬الصحراء‭ ‬ضمن‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ويمنح‭ ‬سكانها‭ ‬سلطة‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬شؤونهم،‭ ‬ويضمن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬انسجام‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬السيادة،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬الأوروبية‭ ‬تقدم‭ ‬أمثلة‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬ابتكار‭ ‬نفسها‭ ‬دستوريا،‭ ‬عبر‭ ‬توسيع‭ ‬فضاءات‭ ‬المشاركة‭ ‬الجهوية،‭ ‬وصون‭ ‬الوحدة‭ ‬عبر‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالتعدد‭.‬