جمال الدين ريان: ضرورة توحيد صيام المسلمين في أوروبا.. بين التقاليد المحلية والوحدة المجتمعية.

جمال الدين ريان: ضرورة توحيد صيام المسلمين في أوروبا.. بين التقاليد المحلية والوحدة المجتمعية. جمال الدين ريان

يعتبر شهر رمضان المبارك لحظة تجمع المسلمين حول العالم على العبادة والصيام، حيث يرمز إلى قيم الوحدة والتضامن. ومع ذلك، يشهد المسلمون في أوروبا انقسامات متكررة حول بداية شهر رمضان، حيث تختلف الجماعات في تحديد اليوم الأول للصيام بين من يتبع الحساب الفلكي أو الرؤية البصرية المحلية أو الرؤية التي تأتِ من دول مثل السعودية أو المغرب. هذه الخلافات، التي تتكرر سنويًا، تثير تساؤلات حول جدوى استمرار هذا الوضع وتأثيره على المجتمع الإسلامي في الغرب.

يرجع هذا الانقسام في الأساس إلى غياب توافق موحد بين المؤسسات الإسلامية في أوروبا حول الطريقة المثلى لتحديد بدء شهر رمضان. فبينما يعتمد البعض على رؤية الهلال محليًا، يفضل آخرون اتباع دول إسلامية بعينها، مثل السعودية أو المغرب، التي تعلن بداية الشهر بناءً على ظروفها الجغرافية. وبينما يحمل كل نهج مبرراته الدينية والثقافية، نجد أن النتيجة الحتمية هي انقسام المجتمعات المسلمة في البلد الواحد، مما يؤدي إلى تباين في الممارسات والشعائر، بل وأحيانًا إلى شعور بالارتباك والتفرقة بين الأفراد.

في ظل هذه التحديات، يبرز السؤال: ألم يحن الوقت لتوحيد رؤية الهلال على مستوى كل دولة أوروبية أو حتى على مستوى القارة ككل؟ إن الظروف الخاصة التي يعيشها المسلمون في أوروبا تستدعي اعتماد آلية موحدة تأخذ بعين الاعتبار التحديات الاجتماعية والثقافية التي تواجه المسلمين كأقلية. التبعية لدول أخرى في تحديد بداية الشهر قد تخلق نوعًا من الانفصال بين المسلمين ومجتمعاتهم المحلية، مما يجعل من الصعب عليهم الاندماج والمشاركة الفعّالة في الحياة العامة.

الحل الأمثل يتمثل في إنشاء مرجعية إسلامية أوروبية موحدة، تضم علماء ومؤسسات من مختلف المذاهب والتيارات الإسلامية، تتعاون لتحديد معايير واضحة وموحدة لرؤية الهلال. يمكن لهذه المرجعية أن تعتمد على التوفيق بين الرؤية البصرية المحلية والحسابات الفلكية الدقيقة، بحيث يتم الجمع بين الأصالة والحداثة. وهذا النهج لن يسهم فقط في توحيد المسلمين في صيامهم، بل سيعزز أيضًا الشعور بالانتماء والهوية المشتركة داخل المجتمع الأوروبي.

علاوة على ذلك، فإن التوحيد في مثل هذه القرارات يرسل رسالة إيجابية إلى العالم بأسره عن قدرة المسلمين على تجاوز الخلافات الثانوية والتركيز على ما يجمعهم. كما أنه يسهم في تعزيز صورة الإسلام كدين يدعو إلى الوحدة والتفاهم بدلاً من التفرقة والانقسام.

في النهاية، المسؤولية تقع على عاتق القيادات الدينية والمؤسسات الإسلامية في أوروبا لبدء حوار جاد حول هذه القضية، بعيدًا عن التعصب للرؤى التقليدية أو التبعية لقرارات خارجية. الوحدة في العبادات هي انعكاس للوحدة في القلوب، وتوحيد صيام المسلمين في أوروبا هو خطوة نحو تحقيق هذه الغاية النبيلة.