سامية عرموش: "الشيطان يرتدي برادا".. ثمن النجاح الفاوستي وتحدي الحفاظ على الذات

سامية عرموش: "الشيطان يرتدي برادا".. ثمن النجاح الفاوستي وتحدي الحفاظ على الذات سامية عرموش

كم مرة تساءل أحدنا عن التنازلات التي قد نُجبر على تقديمها في مسيرتنا المهنية؟ وكيف يمكننا تحقيق التوازن الدقيق بين عوالمنا المتعددة – المهنية، الاجتماعية، الأسرية، والشخصية – دون أن تتداخل وتتشابك إحداها على حساب الأخرى؟ هذا التحدي المحوري تجسد بوضوح في قصة "آندي ساكس"، بطلة فيلم "الشيطان يرتدي برادا" (2006)، التي وصلت إلى نقطة فاصلة دفعتها لاتخاذ قرار جريء بالتحرر من سطوة "ميراندا بريستلي".

واليوم، ومع إعلان عودة هذا الصراع الأنطولوجي إلى الشاشة في جزء ثانٍ مرتقب عام 2026، يستعيد السؤال عن "ثمن النجاح" بريقه؛ حيث تعود ميريل ستريب وآني هاثاواي وإيميلي بلانت لاستكمال تلك الرحلة في عصر رقمي جديد. وفيما يبدو الفيلم كأنه مجرد دراما عن عالم الأزياء، إلا أنه في جوهره تشريح لآليات السيطرة واستلاب الذات.

ميراندا بريستلي: أيقونة التسلط وتجسيد رأس المال السام

يحكي الفيلم قصة "ميراندا بريستلي"، ملكة الأزياء الصارمة وغريبة الأطوار التي أبدعت في تجسيد دورها ميريل ستريب. من خلال منصبها كرئيسة تحرير لمجلة "ران واي"، حولت ميراندا المجلة إلى مرجع لا غنى عنه، لكنها في المقابل حولت موظفيها إلى "دمى" تتحرك تحت وطأة الرعب ونظرات الازدراء. إنها ليست مجرد رئيسة عمل حاقدة، بل هي تجسيد لنظام رأس المال السام (Toxic Capitalism)؛ ذلك النموذج للنجاح المطلق الذي يتطلب إلغاء الحياة الخاصة لكل من يدور في فلكه.

ومع تحضيرات الجزء الثاني، نجد ميراندا تواجه تحدياً وجودياً جديداً: محاولة إنقاذ مجلتها الورقية من الأفول أمام العصر الرقمي، بينما تبرز مساعدتها السابقة إيميلي تشارلتون كقوة مهنية منافسة تسيطر على ميزانيات الإعلانات الضخمة، مما يفتح فصلاً جديداً من الصراع حول القوة والهوية والمكانة.

آندي ساكس: بين الحلم والصفقة الفاوستية

إلى أن جاءت إلى هذه الوظيفة "آندي ساكس"، الشابة الطموحة التي جسدت دورها الفنانة الجميلة آن هاثاواي. آندي شابة حديثة التخرج من قسم الصحافة في جامعة "نورث ويسترن"، حلمت بأن تصبح كاتبة صحافية مرموقة في نيويورك، لكنها تقدمت لوظيفة "مساعدة شخصية" لميراندا، وهي فرصة يتمناها الكثيرون في عالم الأزياء، رغم طبيعتها القاسية.

يمكن قراءة مسيرة آندي المهنية كـصفقة فاوستية (Faustian Bargain)؛ فقد مثلت ميراندا البوابة المطلقة للسلطة المهنية، وفي سبيل الوصول إليها، اضطرت آندي لبيع جزء من ذاتها. لم يكن الثمن مالياً، بل كان اغتراباً عن الذات (Self-Alienation). تسعى آندي بجهد كبير لإرضاء رئيستها المتطلبة، وتبدأ بتغيير مظهرها البسيط ليتناسب مع متطلبات الوظيفة. في هذه الأثناء، ابتعدت آندي عن رفاقها وعن نفسها أولاً، ساحقةً هويتها الذاتية، ومتماهيةً تماماً مع تفاصيل الوظيفة التي لا تشبهها على الإطلاق.

نقطة التحول: استعادة الذات في باريس

تتصاعد الأحداث وصولاً إلى لحظة صحوة "آندي" التي تدرك فيها أنها تعيش واقعاً بعيداً كل البعد عن ذاتها الحقيقية. وهنا تتخذ قرارها الشجاع، وتترك رئيستها في عرض للأزياء في "باريس"، في مشهد يمثل التمرّد المطلق، متخلية عن الفرص والعروض المهنية اللامعة التي كان من الممكن أن تصادفها هناك. ترمز لحظة رمي آندي لهاتفها إلى تخلّيها عن أداة الاستعباد وعن تبعيتها للنظام الرأسمالي الذي تمثله ميراندا. تعود آندي إلى محيطها الطبيعي، مدينتها ورفاقها، لتثبت أن التحرر من أغلال النجاح المشروط هو بحد ذاته أعلى درجات تحقيق الذات الأصيل.

استشراف الجزء الثاني: رؤية سينمائية في يوم العمال العالمي

من المقرر أن يخرج الجزء الثاني من الفيلم إلى النور في الأول من أيار (مايو) 2026، وهو تاريخ يحمل دلالة رمزية عميقة لتزامنه مع يوم العمال العالمي. هذا التوقيت يضفي مسحة من السخرية السوداء أو ربما التقدير لنضال "العمال" في مكاتب الشركات الكبرى ضد استبداد الأنظمة المهنية، ويعيد طرح التساؤلات حول حقوق الموظف الفرد في مواجهة طموح المؤسسة.

من الناحية الفنية، سيعكس الفيلم التباين البصري بين فخامة الماضي "الورقي" وبين برودة وسرعة العالم "الرقمي"؛ حيث لم تعد السطوة تُقاس فقط بصفحات المجلات، بل بخوارزميات الانتشار. ومن المنتظر أن تكون المباراة التمثيلية بين ميريل ستريب وإيميلي بلانت هي المحرك الأساسي للعمل، مع انضمام وجوه شابة تعكس صراع الأجيال داخل الصناعة.

يُعدّ "الشيطان يرتدي برادا" وثيقة سينمائية ترصد كيف تغيرت معايير الجمال والقوة، ومع انتظارنا للجزء القادم، يبقى السؤال قائماً: هل ستستطيع الشخصيات الحفاظ على ذواتها في عالم أصبح أكثر توحشاً وتطلباً، أم أن "الصفقة الفاوستية" هي قدر محتوم لكل من يطرق أبواب القمة؟

 

إضاءة نقدية:

ما هو "النجاح الفاوستي"؟

يعود هذا المصطلح إلى أسطورة "فاوست" الشهيرة في الأدب الألماني (خاصة عند غوته)، حيث يقوم البطل بعقد مقايضة مع الشيطان، يمنحه فيها الشيطان المعرفة المطلقة والنجاح الدنيوي مقابل "روحه". في السياق المهني الحديث، يُستخدم المصطلح لوصف النجاح المبهر الذي يحققه الشخص مقابل التخلي عن مبادئه الأخلاقية، هويته الشخصية، أو حياته الخاصة. هو نجاح "مسموم" يجعل الشخص يربح العالم.. ولكنه يخسر نفسه.