رياض وحتيتا: المغرب نموذجًا وأوروبا إنذارًا.. قراءة في مصير الفلاحة

رياض وحتيتا: المغرب نموذجًا وأوروبا إنذارًا.. قراءة في مصير الفلاحة رياض وحتيتا

في ظل التحولات الاقتصادية والمناخية المتسارعة، أصبحت مسألة توارث الأنشطة الفلاحية بين الأجيال من القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كنموذج يتميز بقدرته على الحفاظ على استمرارية المهنة الزراعية داخل الأسر، مقارنة بعدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من أزمة حقيقية في تجديد الأجيال داخل القطاع.


تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن أغلب الاستغلاليات الفلاحية في المغرب ما تزال ذات طابع عائلي، وتعتمد بشكل رئيسي على عمل أفراد الأسرة. فالآباء ينقلون خبراتهم للأبناء عبر الممارسة اليومية في الحقول وتربية الماشية وتدبير المياه والتسويق، مما يجعل التعلم عملية طبيعية ومستمرة. هذا النموذج العائلي يمنح الفلاحة المغربية قوة اجتماعية كبيرة، حيث تصبح الأرض والمهنة جزءًا من هوية الأسرة وليس مجرد نشاط اقتصادي.


في المقابل، تؤكد تقارير European Commission أن الفلاحة في أوروبا أصبحت تميل بشكل متزايد نحو الطابع الاستثماري والمؤسساتي، مع اعتماد واسع على المكننة والعمالة المأجورة. وقد أدى هذا التحول إلى تراجع دور الأسرة في تسيير الضيعات، وضعف ارتباط الأبناء بالمهنة، مما جعل كثيرًا من المزارع تفقد استمراريتها بعد تقاعد الجيل المؤسس.


ويظهر هذا الخلل بوضوح من خلال مؤشرات العمر والاستمرارية المهنية. فحسب معطيات البنك الدولي، تعاني أوروبا من شيخوخة واضحة في صفوف الفلاحين، حيث تجاوزت نسبة كبيرة منهم سن الخامسة والخمسين، في حين تبقى نسبة الشباب ضعيفة. أما في المغرب، فرغم الهجرة القروية، ما يزال عدد مهم من أبناء الفلاحين مندمجًا في النشاط الزراعي، خاصة داخل الأسر المالكة للأراضي، حيث يتم إعدادهم منذ الصغر لتحمل المسؤولية مستقبلاً.


وتلعب ملكية الأرض دورًا محوريًا في هذا التفوق المغربي. فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن جزءًا كبيرًا من الأراضي الفلاحية بالمغرب مملوك عائليًا وينتقل عبر الإرث، مما يحافظ على وحدة الضيعة واستمراريتها عبر الأجيال. وغالبًا ما تنتقل الأرض مرفوقة بالخبرة والمعرفة المهنية، فيصبح الابن مؤهلاً لتسييرها فور تسلمها. في أوروبا، بالمقابل، يؤدي ارتفاع أسعار الأراضي وتوسع الاستثمارات الكبرى إلى بيع عدد متزايد من الضيعات خارج الإطار العائلي، وهو ما يقطع سلسلة التوارث المهني.


كما يساهم نمط الإنتاج في تعزيز هذا التفاوت. فالفلاحة المغربية تقوم في الغالب على الزراعة المختلطة والمتنوعة، التي تجمع بين الحبوب والخضر وتربية الماشية، وتتميز بالمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف المناخية والاقتصادية. هذا التنوع يسهل اندماج الشباب ويمنحهم فرصة اكتساب مهارات متعددة. أما النموذج الأوروبي، فيرتكز على التخصص المكثف والاستثمار الكبير، مما يجعل الولوج إلى المهنة صعبًا أمام الأجيال الجديدة التي لا تتوفر على رأسمال مهم.


غير أن هذا التفوق المغربي لا يخلو من تحديات بنيوية، في مقدمتها ضعف التكوين التكنولوجي لدى جزء من الشباب القروي. فالتقارير الدولية تؤكد أن مستقبل الزراعة يرتبط اليوم بالزراعة الدقيقة، والري الذكي، والرقمنة، وتحليل المعطيات المناخية، واستعمال الطائرات المسيرة. وقد نجحت أوروبا في هذا المجال بفضل استثمارها في التكوين والتأطير العلمي، بينما ما يزال المغرب في حاجة إلى تعميم هذا المسار داخل الضيعات العائلية. إن الجمع بين الخبرة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة يشكل الرهان الحقيقي لضمان استدامة الفلاحة ورفع مردوديتها ومواجهة آثار التغير المناخي.


إلى جانب ذلك، يبرز عامل اجتماعي مهم غالبًا ما يتم تجاهله، وهو تأثير السلطة الأبوية داخل الأسر القروية. ففي عدد من الحالات، يحتفظ رب الأسرة بالقرار الكامل في تدبير الضيعة، ويحدّ من مبادرات الأبناء في التجديد والتجريب. ورغم أن هذا النمط ساهم تاريخيًا في استقرار الأسرة، فإنه قد يتحول إلى عامل مثبِّط لطموحات الشباب، خاصة حين يشعرون بأن دورهم يقتصر على التنفيذ دون المشاركة في القرار. هذا الوضع قد يدفع بعضهم إلى مغادرة الفلاحة بحثًا عن فضاءات أكثر حرية وإبداعًا.


ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنجاز دراسات ميدانية وسوسيولوجية معمقة حول العلاقة بين السلطة الأبوية واستمرارية النشاط الفلاحي، بهدف بلورة نماذج جديدة للحكامة العائلية تقوم على الشراكة بين الآباء والأبناء، وتوازن بين الخبرة المتراكمة وروح الابتكار الشبابية.


وعلى المدى البعيد، فإن استمرار ضعف توارث المهنة في أوروبا سيؤدي إلى تقلص الضيعات العائلية، وهيمنة الشركات الكبرى، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتزايد الاعتماد على العمالة الأجنبية، مما قد يهدد السيادة الغذائية والاستقرار القروي. كما سيؤدي إلى فقدان جزء مهم من الخبرة الميدانية المتراكمة، التي لا يمكن تعويضها بالتكنولوجيا وحدها.


في المقابل، يمنح النموذج المغربي، القائم على التوارث العائلي وارتباط الإنسان بالأرض، فرصة تاريخية لبناء فلاحة قوية ومستدامة. غير أن استثمار هذه الفرصة يمر حتمًا عبر تحديث التكوين، وتعزيز استعمال التكنولوجيا، وتشجيع القيادة التشاركية داخل الأسر، وربط الضيعات بالبحث العلمي والإرشاد الرقمي.


وفي الختام، يمكن القول إن مستقبل الفلاحة المغربية لا يكمن فقط في قوة جذورها الاجتماعية، بل في قدرتها على التحديث الذكي. فحين تلتقي الأرض الموروثة مع المعرفة الرقمية، والتجربة التقليدية مع الابتكار العلمي، والتقاليد العائلية مع الحكامة التشاركية، يصبح القطاع الفلاحي قادرًا على ضمان استمراريته عبر الأجيال، ومواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين بثقة وتوازن، وتحويل التفوق الاجتماعي إلى قوة تنموية حقيقية ومستدامة.