توفيق مفتاح: المفتشية العامة لقطاع التربية الوطنية بين الوحدة المؤسساتية والتفكيك الرقابي

توفيق مفتاح: المفتشية العامة لقطاع التربية الوطنية بين الوحدة المؤسساتية والتفكيك الرقابي توفيق مفتاح

شكل إصدار المرسوم رقم 2.24.328 بشأن تحديد اختصاصات وتنظيم وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي محطة فارقة في مسار إصلاح المنظومة التربوية المغربية، غير أن هذا الإصلاح الإداري يثير إشكاليات عميقة تتعلق ببنية الرقابة الداخلية وهندسة الأجهزة المؤسسة لها. وفي صلب هذه الإشكاليات يبرز تحول جوهري طال "المفتشية العامة للشؤون التربوية" التي انتقلت من موقعها كهيئة رقابية عليا إلى مجرد إطار وظيفي ضمن الهيكل الإداري المركزي للوزارة.

 

والمقارنة مع باقي القطاعات الوزارية تكشف عن استثناء تنظيمي واضح، حيث تظل وزارة التربية الوطنية الحالة الوحيدة التي تعرف تفتيتا لهيكل التفتيش العام إلى كيانات متعددة ومتباينة المرجعية. ففي كل القطاعات الوزارية بالمغرب يتحدد هيكل الرقابة القطاعية في وجود مفتشية عامة واحدة تتولى مهام المراقبة والتدقيق والتقييم في جميع المجالات التي تدخل في اختصاصات الوزارة. وهذا النموذج الموحد يقوم على منطق بسيط هو وحدة الرقابة، حيث لا يمكن مثلا فصل الجوانب التربوية عن المالية والإدارية في تقييم الأداء المؤسساتي للوزارة، لأن القرارات التربوية لها انعكاسات مالية، والأداء المالي يؤثر في تحقيق الأهداف التربوية. كما أن المفتشية العامة الموحدة يُفترض أن تنتج رؤية شاملة عن وضع الوزارة تمكن من اتخاذ قرارات إصلاحية متكاملة، ووجودها كهيئة تخضع لمرسوم المفتشيات العامة للوزارات يمنحها حصانة مؤسسية واستقلالية عن الجهاز الإداري التدبيري.

 

هذا الاستنتاج يعيدنا إلى النص المؤسس لهذه الثنائية الرقابية المتمثل في المرسوم رقم 2.02.382 الصادر بتاريخ 17 يوليوز 2002 بشأن اختصاصات وتنظيم وزارة التربية الوطنية، وهو المرسوم التنظيمي الذي أرسى بنية المفتشية العامة للتربية والتكوين بهذه الكيفية الثنائية التي تجمع تحت سقف مؤسسي واحد مفتشين عامين، أحدهما مكلف بالشؤون التربوية والآخر بالشؤون الإدارية، ليشكلا معا بنية رقابية عليا تعمل تحت السلطة المباشرة للوزير. وكان هذا التنظيم – في سياقه الماضي، على الرغم من الإشكالات التنظيمية التي كان يثيرها – محاولة لتوحيد الرقابة داخل الوزارة مع الاعتراف بخصوصية المجال التربوي الذي يحتاج إلى معالجة رقابية متخصصة.

 

وقد حددت المادة السابعة من هذا المرسوم بدقة مهام المفتش العام المكلف بالشؤون التربوية التي تجاوزت الرقابة التقليدية إلى تحليل وإبداء الرأي حول القضايا التربوية المتعلقة بسياسة التربية والتكوين، وتقديم الاقتراحات المتعلقة بتحديد الاختيارات والتوجهات التربوية الوطنية، والقيام باختصاص الجوانب التربوية للمصالح المتدخلة في المجال التربوي التابعة للوزارة أو الخاضعة لوصايتها. في حين أُنيط بالمفتش العام المكلف بالشؤون الإدارية مهام تحليل القضايا ذات الطابع التنظيمي في المجالين الإداري والمالي، وتقييم القدرات التدبيرية، وإنجاز عمليات الافتحاص. وهو توزيع وظيفي كان يمكن البناء عليه لتطوير مفتشية عامة موحدة قوية، لولا أن هذا التنظيم ظل محكوما بمنطق المرسوم التنظيمي للوزارة وليس بمرسوم خاص بالمفتشية العامة لقطاع التربية الوطنية، كما هو معمول به في العديد من القطاعات الوزارية الأخرى التي تعرف مفتشيات عامة موحدة تخضع لمراسيم خاصة تنظم اختصاصاتها وهيكلتها واستقلاليتها المالية والإدارية.

 

ومعلوم أن المرسوم رقم 2.11.112 بتاريخ 23 يونيو 2011 في شأن المفتشيات العامة للوزارات، جاء لتأطير المفتشيات العامة كهياكل عليا للرقابة الداخلية تخضع لمرسوم موحد يمنحها وضعية اعتبارية واستقلالية نسبية، حيث حدد هذا المرسوم المهام المسندة للمفتشيات العامة للوزارات لتشمل المراقبة والتحري والتفتيش، وتدعيم الأخلاقيات، والتدقيق وتقييم النتائج، فضلا عن القيام بمهمة التنسيق والتواصل والتتبع مع مؤسسة الوسيط، والتعاون مع كل من المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة. وقد كانت المفتشية العامة للتربية والتكوين، بشقيها التربوي والإداري، من بين المفتشيات العامة المعنية بهذا الإطار القانوني، مما كان يمنحها مكانة رقابية عليا تخولها ممارسة اختصاصاتها في إطار هذا المرسوم الموحد، وهو ما كان يعزز موقع المفتشية العامة للشؤون التربوية كهيئة رقابية مستقلة عن الجهاز الإداري الوظيفي للوزارة.

 

غير أن التحول البنيوي حدث مع صدور المرسوم رقم 2.24.328 بشأن تحديد اختصاصات وتنظيم وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي، وهو المرسوم الذي فصل بشكل صريح بين المفتشيتين العامتين؛ الأولى ظلت خاضعة لمرسوم المفتشيات العامة للوزارات 2.11.112 وتحتفظ بصفة المفتشية العامة، والثانية – وهي المفتشية العامة للشؤون التربوية – تم تحويلها إلى مجرد مديرية مركزية ذات صلاحيات إدارية، مما أفقدها الصفة الاعتبارية والاستقلالية التي كانت تمنحها إياها صفة المفتشية العامة. هذا التحول يمثل قطيعة مع النموذج السابق الذي كانت فيه المفتشية العامة للتربية والتكوين بكاملها بشقيها التربوي والإداري تخضع لنفس الإطار القانوني، ليتم الانتقال إلى نموذج يخلق مفارقة تنظيمية كبرى داخل الوزارة الواحدة، وجود مفتشية عامة تخضع لمرسوم المفتشيات العامة – وهي المكلفة بتفتيش ومراقبة وتدقيق وتقييم كل مجالات تدبير وأداء قطاع التربية الوطنية، إلى جانب مفتشية عامة للشؤون التربوية تم تحويلها إلى مديرية مركزية وتجريدها من صفة المفتشية العامة وفق المرسوم 2.11.112.

 

وسيكون لهذا التحول انعكاسات عميقة على التواصل الرأسي بين المركز والميدان، حيث كانت المفتشية العامة للشؤون التربوية تمثل امتدادا طبيعيا لهيئات التفتيش الميدانية بمختلف مجالاتها وتخصصاتها. فالتقارير التركيبية التي ترفع إليها من قبل المفتشين عبر بنيات وآليات التفتيش الجهوي والإقليمي تشكل مادة أساسية لرصد المؤشرات وتحليل الظواهر وبناء تقارير رقابية عليا. وهذه الآلية تضمن تواصلاً رأسيًا فعالاً بين الميدان والمركز باعتباره السلطة الرقابية العليا، كما تضمن تراكما للمعطيات يمكن من تحليل الاتجاهات العامة وتحديد الاختلالات الهيكلية، ورفع المؤشرات والحقائق للمستويات الرقابية العليا المتمثلة في الوزارة ورئاسة الحكومة والمجلس الأعلى للحسابات ومؤسسة الوسيط. ومع تحول المفتشية العامة للشؤون التربوية إلى مجرد مديرية ضمن الهيكل الإداري للوزارة، سيختل التواصل الرقابي العمودي، خاصة في غياب جهاز مركزي للتفتيش يتلقى ويحتفظ بالتقارير الواردة من الميدان ويحللها تراكميا لاستخراج المؤشرات والخلاصات. وهنا، تبرز الحاجة الملحة لهيئة رقابية مركزية مستقلة يمكن أن تستقبل تقارير التفتيش الميداني وتقوم بتحليلها واستثمارها بانتظام، لكي لا تظل تقارير المفتشين حبيسة التقييم الإداري اليومي ولا يتم توجيهها ضمن أفق استراتيجي رقابي.

 

إن ما كان منتظرا – ويشكل مطلبا مؤسسيا حقيقيا – يتمثل في إصدار مرسوم خاص بالمفتشية العامة للتربية والتكوين، يكون بمثابة الإطار المؤسس لهذا الجهاز الرقابي الهام. وهو الخيار التنظيمي الذي يمكن من تجميع كل الهياكل الرقابية للوزارة في بنية مؤسسية واحدة متماسكة ومتكاملة تخضع جميعها لمرسوم المفتشيات العامة للوزارات 2.11.112. إذ كان بإمكان هذا المرسوم الخاص أن يحدث نقلة نوعية في مسار الرقابة الداخلية بالقطاع عبر إلحاق هيئات التفتيش الأخرى المنصوص عليها في النظام الأساسي لموظفي الوزارة بهذه المفتشية العامة، وإدماج مهامهم التفتيشية والتقييمية المتنوعة ضمن اختصاصات موسعة للمفتشية العامة تجعل منها بالفعل جهازا رقابيا استراتيجيا يمارس رقابة شاملة على مختلف جوانب العمل التربوي والإداري والمالي والتقييمي. وهو النموذج المعمول به في قطاعات وزارية أخرى استطاعت، من خلال مفتشياتها العامة الموحدة، أن تحقق نوعا من التكامل الرقابي وأن تنتج تقارير كلية تعطي صورة شاملة عن أداء القطاع، بدل التفتيت الحاصل حاليا والذي ينتج رؤى رقابية مجزأة لا ترى الصورة الكلية ولا تستطيع فهم التداخلات العضوية بين الجوانب التربوية والإدارية والمالية في المنظومة التربوية.

 

هذا المأمول، يتسق تماما مع توصيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) التي دعت إلى إصلاح شامل لمنظومة التربية والتكوين وتقوية آليات التقويم والمراقبة والتفتيش، حيث أكد صراحة على محورية هيأة التفتيش بصفتها "الآلية الأساسية للرقابة والتدقيق الداخلي للمنظومة"، وإلى ضرورة إعادة النظر في أساليب اشتغالها وتمكينها من "الاستقلالية الضرورية، ومن الوسائل والإمكانات اللازمة للقيام بمهامها على الوجه الأكمل". وكذلك مع تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي التي شددت على ضرورة إصلاح هيئة التفتيش وتعزيز استقلاليتها الوظيفية وجعلها جهازا لتقييم المنظومة وليس فقط مراقبة الأفراد، حيث تطرقت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 إلى موضوع الاستقلالية والحكامة ودعت إلى ضمان الاستقلالية المهنية للهيئات المكلفة بالتقييم والتفتيش. وهو الأمر الذي يتوافق كذلك مع مطالب هيئة التفتيش ذاتها التي طالبت عبر سنوات عديدة بتوحيد مفتشيات الوزارة في مفتشية عامة واحدة قوية، ومنحها استقلالية عن الإدارة المركزية، وتفعيل دورها في تقييم السياسات العمومية، وربط عملها الميداني بمنظومة التقارير الرقابية المركزية.

 

وفي ظل هذه المرجعيات، كان المأمول أن يتجه الإصلاح الإداري الجديد للوزارة نحو دمج المفتشيتين التربوية والإدارية والمالية في مفتشية عامة واحدة قوية، وتعزيز استقلاليتها عن الهيكل الإداري للوزارة، وجعلها هيئة موازية تخضع لمرسوم المفتشيات العامة للوزارات، وربطها عضويا بهيئات التفتيش الجهوية والإقليمية بحيث تشكل هذه الهيئات امتدادا ترابيا للمفتشية العامة، وتمكينها من سلطة رفع تقارير مباشرة إلى رئيس الحكومة والمجلس الأعلى للحسابات والبرلمان، وجعلها أداة لتقييم السياسات العمومية وليس فقط مراقبة التنفيذ اليومي.

 

ما حدث هو العكس تماما، حيث تم تفكيك المفتشية العامة للشؤون التربوية من هيئة رقابية عليا إلى مجرد مديرية مركزية، وتقليم أظافرها بفقدان صلاحياتها الرقابية الاستراتيجية لتصبح جهازًا تقنيا تأطيريا، وفصلها عن التفتيش الميداني بانقطاع الصلة العضوية بينها وبين هيئات التفتيش الجهوية والإقليمية، وإلباسها لباسا تدبيريا بفقدان خصوصيتها كجهاز رقابي مستقل.

 

هذا الخيار التنظيمي لا يمكن فهمه بمعزل عن سياقه السياسي والإداري، فهناك عدة فرضيات يمكن طرحها، منها: فرضية تمركز وتقوية السلطة التدبيرية عبر إضعاف أي جهاز رقابي تربوي مستقل يمكن أن يشكل ثقلا موازيا أو مصدرا لتقارير نقدية، لأن المفتشية العامة للشؤون التربوية المستقلة  - في محطات سابقة - كانت قادرة على إنتاج خطاب رقابي مغاير لخطاب الإدارة، وهذا يشكل دائما إحراجا محتملا. وفرضية تدبير أزمة الممانعة الداخلية لأطر التفتيش عبر محاصرتهم في إطار هيئة يسهل التحكم في تدخلاتها الرقابية وتدبير مساراتها المهنية، وليس ضمن جهاز رقابي متصل بالقرار والبعد الاستراتيجي للمنظومة. ولا يمكن إغفال البعد النقابي، حيث كانت هيئة التفتيش تمثل قوة نقابية وفئوية مهمة، وتحويل هذه الهيئة إلى وضعية إدارية عادية قد يكون محاولة لإضعاف هذه القوة وتفكيك تنظيماتها المهنية.

 

إن البديل واضح، يتمثل في مفتشية عامة موحدة قوية مستقلة، مرتبطة عضويا بهيئات التفتيش الميدانية، وفاعلة في تقييم السياسات العمومية. وهذا يقتضي إعادة الاعتبار للمفتشية العامة الموحدة لوزارة التربية الوطنية التي تجمع الشقين التربوي والإداري والمالي، وتتمتع بالاستقلالية الإدارية والمالية والتبعية للوزير مع حق رفع تقارير موازية لرئيس الحكومة، وتغطية شاملة لجميع مجالات عمل الوزارة، وهيكلة تراتبية تمتد من المركز إلى الجهات والأقاليم. كما يجب أن تكون المفتشية العامة قمة هرم التفتيش حيث ترتبط بهيئات التفتيش الجهوية والإقليمية بتنظيم وظيفي واضح، يتلقى تقاريرها التركيبية ويوجه عملها وفق أولويات وطنية، ويستثمر مخرجاتها في تقييم السياسات، ويوفر لها الدعم المنهجي والتنظيمي. ولا يمكن تصور مفتشية عامة فعالة دون استقلالية عن الهيكل الإداري الذي تراقبه، وهذا يقتضي عدم خضوع أطرها ومفتشيها لسلطة الإدارة المركزية، بل تابعين مباشرة للمفتشية العامة وفق مساطر خاصة في التعيين والتقييم والترقية، وميزانية مستقلة أيضا عن الإدارة المركزية. كما يجب أن يتجاوز عمل المفتشية العامة الرقابة على التنفيذ اليومي إلى تقييم السياسات العمومية، عبر دراسة تأثير الإصلاحات التربوية، وتقييم فعالية البرامج والمشاريع، وقياس جودة التعلمات والمخرجات، وربط النتائج بالاعتمادات المالية.

 

ما جرى للمفتشية العامة للشؤون التربوية ليس مجرد تعديل تنظيمي عابر، بل هو انعكاس لتصور معين للإصلاح الإداري يتجاهل أهمية الحكامة والنزاهة والشفافية والرقابة المستقلة كآلية لتحسين الأداء ومحاربة الفساد. فالخيار "الشاذ" بفصل التفتيش التربوي عن الإداري والمالي ثم تفتيت الأول وإضعافه، يضع قطاع التربية الوطنية في موقف استثنائي لا يحسد عليه. التقييم والرقابة الاستراتيجية ليست ترفا يمكن الاستغناء عنه، وليست عدوا للإدارة، بل هي آلية ضرورية للتطور المؤسسي والتحسين المستمر. وتاريخ الإصلاح التربوي بالمغرب يعلمنا أن غياب الرقابة المستقلة يؤدي إلى تراكم الاختلالات وتكرار الأخطاء وإهدار الفرص.

 

ولعل المراجعة المستعجلة لهذه البنية التنظيمية ستستدرك ما فات، وستعيد للمفتشية العامة للشؤون التربوية مكانتها ودورها في إطار مفتشية عامة موحدة تخضع لمرسوم المفتشيات العامة للوزارات، وتجعل منها بالفعل عين الوزارة التي ترى ما لا يراه المشتغلون بالتدبير اليومي، وعقلها الذي يحلل ويقيم ويقترح. فمنظومة تربوية بدون رقابة استراتيجية مستقلة هي كمن يسير في طريق وعر دون مصابيح أمامية، قد يتحرك، لكنه لا يرى ما أمامه ولا يعرف إن كان يسير في الاتجاه الصحيح.