سعيد الكحل
في خطوة تم الإعداد لها منذ سنة 2023، صادق البرلمان الأوروبي، يوم 10 فبراير 2026، على إدخال تعديلات جديدة ومشددة على قانون اللجوء تقضي بترحيل من رُفضت طلباتهم إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي يعتبرها آمنة حتى ولو لم تربطها أي علاقة بطالبي اللجوء. وتعد هذه التعديلات جزءاً من ميثاق الهجرة الأوروبي الذي تمت الموافقة عليه في 2023، وفق جدول زمني يدخل تنفيذه بالكامل في يونيو 2026. ويسمح هذا القانون للدول الأوروبية بتسريع عمليات الترحيل لمن رُفضت طلباتهم وكذا المدانون قضائيا. لقد نجح اليمين المتطرف في الضغط على الحكومات الأوروبية لتغيير موقفها من الهجرة واللجوء نحو مزيد من التشدد رغم معارضة الهيئات الحقوقية. وتلعب ألمانيا دورا محوريا، في هذا السياق، لدفع الاتحاد الأوروبي لإنجاز نماذج شبيهة باتفاق الاتحاد مع تركيا في 2016 للحد من تدفق اللاجئين باتجاه اليونان. وبمقتضى هذا القانون، ستعمل أوروبا على إقامة مراكز استقبال للمرحَّلين في دول تعتبرها "آمنة" خارج الاتحاد الأوروبي وهي المغرب وتونس ومصر؛ كما ستُضاف كوسوفو وكولومبيا والهند وبنغلاديش، إلى قائمة الدول "الآمنة" وفق الاتفاق الذي توصل إليه وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي بهذا الشأن، في انتظار الموقف الذي سيتخذه البرلمان الأوروبي بشأن قائمة دول "المنشأ الآمنة". إنها إجراءات احترازية تلجأ إليها الحكومات الأوربية حتى لا تصطدم برفض المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرار الترحيل بحجة أن البلد الثالث غير آمن، كما اصطدمت الحكومة البريطانية بقرار ذات المحكمة لمنع تنفيذ خطة رواندا التي تقتضي بتوطين طالبي اللجوء بها.
لا شك أن أوروبا، وهي تعمل على تصدير مشاكلها مع المهاجرين وطالبي اللجوء إلى الدول "الآمنة" التي تتمتع بالاستقرار السياسي وينعم مواطنوها بالأمن والأمان، تتنصل من مسؤولياتها التاريخية وجرائمها الاستعمارية اتجاه الشعوب التي نهبت ثرواتها قرونا واستنزفت مواردها الطبيعية والبشرية دون أن تسهم في إرساء أسس أنظمة ديمقراطية تستوعب كل الأعراق والإثنيات وتصهرها في وحدة وطنية منسجمة، وكذا خلق شروط تنمية حقيقية توفر سبل العيش الكريم للمواطنين وتضمن لهم السلم والاستقرار. من هنا فإن أسباب الهجرة واللجوء من إفريقيا إلى أوروبا مرتبطة بالفقر والحروب الأهلية والصراعات العرقية والديكتاتورية التي تجد سندها في الدعم الخارجي للأوروبيين (الانقلابات العسكرية، الاغتيالات السياسية التي تورطت فيها حكومات أوروبية: 18 عملية اغتيال لرؤساء أفارقة تورطت فيها فرنسا وحدها).
ما قدّو فِيل، زادوه فيلة.
أمام المخطط الأوروبي لترحيل طالبي اللجوء والمهاجرين إلى خارج دول الاتحاد، على الدولة المغربية أن ترفض، بشكل قاطع، تحويل المغرب إلى وطن بديل أو مركز للمرحَّلين. فالمغاربة ليسوا مستعدين ليدفعوا ثمن أخطاء وجرائم الأوروبيين في حق الشعوب الأفريقية. يكفي أن المغرب منخرط في حماية شواطئه وتأمينها ضد الهجرية السرية نحو أوروبا؛ الأمر الذي حوّل المغرب من بلد عبور إلى بلد إقامة لمهاجري جنوب الصحراء (تشير التقارير إلى وجود ما بين 70 ألف إلى مائتي ألف مهاجر من جنوب الصحراء الكبرى في المغرب). إن جهود المغرب تجاه المهاجرين استندت إلى رؤية ملكية تسعى لحماية حقوق المهاجرين وتيسير إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي (التعليم، الصحة، الشغل، السكن) وفق المعايير الدولية. وتمثلت في اعتماد إستراتيجية وطنية جديدة للهجرة واللجوء منذ 2014 تهدف إلى تسوية وضعية المهاجرين غير الشرعيين (أزيد من 50 ألف مهاجر تمت تسوية أوضاعهم). وبدل أن تكافئ أوروبا المغرب لجهوده في حراسة شواطئه ضد الهجرة السرية، نجدها تخطط لتصدير المهاجرين إليه.
لقد جربت أوروبا الهجرة وعانت من مشاكلها وتداعياتها، ويكفي ما يتحمله المغرب من تكاليف اجتماعية، اقتصادية، وأمنية لفائدة عشرات الآلاف من المهاجرين. لهذا على أوروبا أن تدرك أن إمكانات المغرب لا يمكن مقارنتها بإمكاناتها، ورغم ذلك فهي تعجز عن مواجهتها، فما بالها بالمغرب. ولعل ترحيل الآلاف من طالبي اللجوء والمدانين إلى المغرب سيزيد من أعبائه الأمنية ومشاكله الاجتماعية، أخذا في الاعتبار أعدادهم ونوعية الجرائم التي اقترفها المدانون وخطورة تواجدهم وسط المهاجرين. وما سيزيد الأوضاع تعقيدا هو دعوة المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، أنيتا هيبر، خلال مؤتمر صحافي سنة 2024 إلى وضع آليات تسمح بـ"كشف المهاجرين الذين يواجهون محنة في المياه الدولية واعتراضهم وإنقاذهم ونقلهم إلى مكان آمن في دولة شريكة خارج الاتحاد الأوروبي حيث يمكن إيجاد حلول دائمة لهؤلاء المهاجرين". بمعنى أن المغرب لن يكتفي بالمهاجرين الذين يتسللون إليه عبر الحدود، أو وفق ما يلتزم به من شروط للانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وعلى رأسها الالتزام بالبروتوكولات الخاصة بحرية التنقل وحقوق الإقامة والاستقرار؛ نفس الأمر يتعلق باستحقاقات تنفيذ اتفاقية منطقة التبادل التجاري القاري الإفريقي (ZLECAF) التي تنص على ضمان الحق في تنقل الأفراد بين الدول الأعضاء؛ بل سيصبح المغرب "مكَبّا" للمهاجرين غير النظامين الذين يتم اعتراضهم في المياه الدولية.
يمكن الجزم، إذن، أن الموافقة على الحلول الأوربية في مجال الهجرة، سيجعل معظم الدعم المخصص لبرامج الهجرة سيتم رصده لجهود حماية الحدود ومنع الهجرة السرية نحو أوروبا، وفي نفس الوقت، سيحمل المغرب مسؤولية إدارة تدفقات الهجرة في إطار ما يسمى بسياسة "تصدير الحدود" وما تطرحه من تحديات أمنية واجتماعية وسياسية وحقوقية. وإذا كانت أوروبا تعتقد أنها لازالت قادرة على ابتزاز المغرب ولي ذراعه كما فعلت طيلة نصف قرن، فإنها واهمة ولم تدرك بعدُ المسار الذي اتخذته قضية الصحراء المغربية بفضل الدعم الأمريكي القوي في عهد الرئيس دونالد ترامب.