حبيل رشيد
في خطوة واضحة لتعزيز آليات التدخل الاستثنائي في مواجهة الكوارث الطبيعية، أعلنت الحكومة المغربية تصنيف أربعة أقاليم على الساحل الغربي للمملكة، وهي العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، "مناطق منكوبة". ويأتي هذا التصنيف في أعقاب الفيضانات العارمة التي اجتاحت شمال المملكة منذ نهاية يناير الماضي، وأدت إلى تدمير واسع في الأراضي الزراعية والبنية التحتية وإجبار ما يقارب 188 ألف شخص على إخلاء مساكنهم، بينما غمرت المياه أكثر من 110 آلاف هكتار من الأراضي الفلاحية.
هذا الإجراء يمثل تطبيقًا دقيقًا لما تنص عليه القوانين الوطنية المتعلقة بإدارة الوقائع الكارثية، ويتيح للحكومة تفعيل مجموعة من الصلاحيات الاستثنائية التي تسمح بالتدخل السريع، وضمان حماية السكان، وتعويض المتضررين خارج الضوابط المعتادة للتسيير العمومي. وعلاوة على ذلك، فإن التصنيف يفتح الطريق أمام برنامج دعم ومساعدة متكامل، بلغت ميزانيته الإجمالية نحو ثلاثة مليارات درهم، موجه لتخفيف وقع الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن هذه الاضطرابات الجوية الاستثنائية.
برنامج الدعم يرتكز على أربعة محاور رئيسية، الأول يتعلق بمساعدات إعادة الإسكان وإعادة تأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة المتضررة، ويمتد ليشمل إعادة بناء المساكن المنهارة بالكامل، وقد خصص له مبلغ قدره 775 مليون درهم. والمحور الثاني يتضمن مساعدات عينية، بالإضافة إلى دعم التدخلات الميدانية الاستعجالية لتلبية الحاجيات الأساسية والفورية للسكان، بميزانية قدرها 225 مليون درهم، وهو ما يعكس الحرص على سرعة الاستجابة وفاعلية التدخل. أما المحور الثالث، فيركز على دعم المزارعين ومربي الماشية بمبلغ 300 مليون درهم، باعتبار أن القطاع الفلاحي كان الأكثر تضررًا من هذه الفيضانات، حيث أزهقت المياه محاصيل الحبوب والخضراوات والأشجار المثمرة، بما في ذلك البرتقال والفواكه الأخرى، وما نتج عن ذلك من أضرار جسيمة لممتلكات الأسر ووسائل عيشها. وأخيرًا، يأتي المحور الرابع الذي يخصص 1.7 مليار درهم لإعادة تأهيل البنيات الأساسية المرتبطة بتدبير المياه في المجال الزراعي، بما يشمل السدود وشبكات الصرف الزراعي والخزانات والأحواض المائية، إضافة إلى إعادة تأهيل الطرق والبنى التحتية الأساسية.
ويشير مختصون وفاعلون مدنيون إلى أن قرار تصنيف هذه الأقاليم "منكوبة" يأتي ليؤكد قدرة الدولة على الاستجابة لمستوى الأضرار والخسائر التي لحقت بالممتلكات والبنية التحتية والأراضي الزراعية، وهو ما يتيح للمواطنين المتضررين العودة إلى حياتهم الطبيعية بشكل أسرع، مع ضمان تعويضهم وفق آليات قانونية واضحة. وأوضح عبد الإله المصمودي، رئيس جماعة سيدي سليمان، أن فيضانات الوديان وارتفاع منسوب المياه إلى ثلاثة أمتار في بعض المناطق أسفرت عن خسائر فادحة للمزارعين وأصحاب المنازل، وأن الدعم الحكومي المتكامل سيمكنهم من التعويض واستعادة نشاطهم المهني والزراعي بعد انحسار المياه، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لآليات التدخل الحكومي المباشر.
إعلان منطقة ما "منكوبة" يشكل إطارًا استثنائيًا يمنح الحكومة القدرة على تفعيل أدوات قانونية ومالية ومؤسساتية غير اعتيادية، من أجل التعامل مع الكوارث الطبيعية والحد من آثارها على السكان. ويتيح هذا التصنيف تفعيل ما نص عليه القانون 14-110 الصادر عام 2020، المتعلق بتغطية تداعيات الوقائع الكارثية، والذي يوفر آلية لتعويض السكان وإصلاح البنية التحتية المتضررة بشكل سريع، ويعرف القانون الكارثة بأنها أي حادث يترتب عليه أضرار مباشرة ويكون سببه قوة غير عادية لعامل طبيعي أو فعل عنيف للإنسان، وهو ما ينطبق على الفيضانات الأخيرة.
ولا يمكن فهم أهمية هذا التصنيف بمعزل عن شروطه القانونية، إذ يشترط قبل إعلان كارثة توفر عنصر الفجائية وعدم إمكانية التوقع، وأن تكون التدابير الاعتيادية غير كافية لتفادي وقوعها، وهو ما تنطبق معاييرها على فيضانات شمال المملكة. وتتم عملية الإعلان عبر لجنة تحقيق خاصة تحدد المناطق المتضررة وتاريخ ومدة الواقعة الكارثية، وتُنشر النتائج في الجريدة الرسمية خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، مما يتيح انطلاق عملية تسجيل الضحايا في السجلات الرسمية وتفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية لتقديم التعويضات اللازمة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الحاسم للتخطيط الاستراتيجي في التعاطي مع الكوارث، حيث تم إعداد البرنامج الحكومي بناءً على تقييم دقيق للوضع الميداني ودراسة معمقة للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعكس مستوى الحكامة الرشيدة في إدارة الأزمات. كما أن هذه الخطوات تعكس اهتمام الحكومة بتحصين البنية التحتية، وتحسين التدابير الوقائية، وتعزيز المرونة المجتمعية، بما يتيح تقليص الخسائر البشرية والمادية في المستقبل، إضافة إلى تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية، وهو ركيزة أساسية للحكامة الفعالة.
ومن زاوية أخرى، يوضح خبراء في قطاع المياه والزراعة أن الاستثمار في إعادة تأهيل السدود وشبكات الصرف والأحواض المائية ليس مجرد تدخل مؤقت، بل يمثل جزءًا من استراتيجية وطنية لضمان تدبير مستدام للمياه الزراعية، والحد من تأثيرات الفيضانات على المحاصيل والمواشي. وهذا يعكس عمق التخطيط ويؤكد أن التقييم الميداني لم يكن عابرًا بل ارتكز على دراسات موسعة شملت كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما يسمح بتخصيص الموارد المالية بشكل دقيق وفعال.
وعلاوة على ذلك، فإن إجلاء نحو 188 ألف شخص من المناطق المتضررة وتنظيم العودة الآمنة لهم بعد انتهاء الفيضانات يمثل مؤشرًا ملموسًا على قدرة الدولة على التدخل السريع، وتعزيز قدرات التنسيق بين مختلف المصالح الحكومية، بما يشمل السلطات المحلية، والأمنية، والإنسانية، والمرافق الصحية، وهو ما يضمن حماية الأرواح والحد من المخاطر الثانوية التي قد تنتج عن الكوارث الطبيعية.
ويؤكد هذا النهج أن الإعلان عن المناطق المنكوبة لا يقتصر على الجانب القانوني أو المالي، بل يتعداه إلى أفق أعمق يتضمن تعزيز القدرات الميدانية، وتحسين أداء أجهزة التدخل، وتوفير الدعم النفسي والمعنوي للمتضررين، وهو ما يعد من أهم ركائز الحكامة الشاملة التي تضمن التكامل بين إدارة الكوارث، والحماية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية.
ولعل من أبرز ما يميز هذه الاستراتيجية هو الجمع بين التدخل العاجل على الأرض وتخطيط طويل الأمد لإعادة بناء البنية التحتية، وهو ما يشمل الطرق، والمرافق العامة، وشبكات المياه والصرف، ومرافق الصحة والتعليم، بما يسهم في تقوية صمود المجتمعات المحلية أمام أي كوارث مستقبلية، وهو ما يعكس مستوى من التخطيط الاستراتيجي يعزز من فاعلية السياسات العمومية.
كما أن القرار يعكس فهمًا عميقًا لتداعيات الكوارث على القطاعات الاقتصادية الحيوية، خاصة القطاع الفلاحي الذي يمثل مصدر دخل رئيسي للأسر في الأقاليم الغربية، ويتضح ذلك من تخصيص مبلغ 300 مليون درهم لدعم المزارعين ومربي الماشية، وهو ما يضمن استمرار الإنتاج الزراعي والحفاظ على سلاسل التموين، وبالتالي الحد من أي انعكاسات سلبية على الأمن الغذائي المحلي والوطني.
وبالتالي، فإن تصنيف الأقاليم المنكوبة، وإعداد برنامج الدعم متعدد المحاور، يمثل نموذجًا متقدمًا للحكامة في إدارة الأزمات، حيث يجمع بين التخطيط القانوني، والتنظيم المالي، والتدخل الميداني، والاستجابة الإنسانية، وهو ما يشكل إطارًا متكاملًا يمكن اعتباره معيارًا لمستوى الاستعداد الوطني لمواجهة الكوارث الطبيعية.
وفي الختام، يمكن القول إن تجربة إدارة الفيضانات الأخيرة في المغرب تبرز الأهمية البالغة لتطوير آليات متقدمة للحكامة، تجمع بين سرعة الاستجابة، والدقة في التقييم، وتكامل البرامج، بما يضمن حماية السكان، وتقليل الأضرار، وتعزيز القدرة المجتمعية على الصمود أمام الكوارث المستقبلية. كما أنها تؤكد أن الاستثمار في البنية التحتية، والقدرات المؤسسية، وآليات التعويض والتأهيل، يمثل حجر الزاوية لأي استراتيجية وطنية للحكامة في مواجهة الكوارث الطبيعية.
كما أن التجربة المغربية في تصنيف أربع أقاليم منكوبة إثر فيضانات يناير 2026 تتقاطع مع تجارب عالمية ثرية بالدروس، وتبرز أهمية دمج التكنولوجيا الحديثة في إدارة الكوارث الطبيعية. فقد كشفت بيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية لعام 2025 عن ارتفاع غير مسبوق في مستويات الفيضانات في أوروبا، حيث تأثرت أكثر من ثلاثين بالمئة من شبكة الأنهار بموجات فيضان كبيرة، ناتجة عن زيادة هطول الأمطار المرتبطة بالاحترار العالمي. وأكد الأمين العام للمنظمة، بيترّي تالس، أن ارتفاع درجة الحرارة بمقدار جزء واحد يزيد من المخاطر على حياة البشر والاقتصادات، موضحًا أن الفيضانات لم تعد أحداثًا عابرة بل ظاهرة عالمية تتطلب استجابة علمية واستراتيجية دقيقة.
وفي هذا السياق، يتضح دور الذكاء الاصطناعي كأداة محورية للحد من الخسائر وإعادة تعريف الحكامة الطارئة. فقد سلطت أبحاث مشروع التنبؤ العالمي بالفيضانات الضوء على إمكانات توظيف نماذج تعلم الآلة للتوقع طويل المدى للفيضانات، مما يمكّن السلطات من وضع خطط استباقية لتقليل الخسائر البشرية والمادية. وأظهرت نتائج الأبحاث التي قادها سينثيا زينغ و ديميتريس بيرتسيمس أن الذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كميات هائلة من البيانات المناخية والهيدرولوجية، وتحليل الأنماط المتغيرة للأنهار والأودية، ومن ثم إصدار تنبؤات دقيقة لتحديد المناطق الأكثر عرضة للفيضانات قبل وقوعها. كما توفر هذه التقنيات تقديرات دقيقة للموارد المطلوبة للاستجابة الطارئة، وتوجيه جهود الإغاثة نحو المناطق الأكثر حاجة، مما يعزز فعالية إدارة الكوارث ويخفض الهدر المالي واللوجستي.
وتكشف تجربة اليابان في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن أنظمة الإنذار المبكر عن قدرة هذه التقنيات على تحويل الإدارة من رد فعل محدود إلى منظومة استباقية. تعتمد خوارزميات متقدمة على تحليل البيانات اللحظية للرصد الجوي والهيدرولوجي لتقديم تنبيهات دقيقة للسكان والسلطات، مما يمنح مهلة زمنية حاسمة لإنقاذ الأرواح وتقليل الأضرار المادية. وأوضح ديفيد ن. رايت، خبير الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر المناخية، أن هذه الأدوات تحوّل إدارة الكوارث من مجرد رد فعل إلى عملية استراتيجية قائمة على البيانات والتحليل العلمي، تساعد في تحسين التخطيط المؤسسي وتقليل الأضرار.
كما أن دمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الوطنية للاستجابة للكوارث يوفر رؤية شاملة لتخطيط التدخل، إذ يسمح بتقدير حجم الأضرار المحتملة، توزيع الموارد بشكل مثالي، وتسريع الاستجابة. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن أكثر من ثلاثة أرباع الكوارث المناخية العالمية تشمل فيضانات وجفافًا، ما يجعل القدرة على التنبؤ المبكر بالفيضانات أمرًا حيويًا لحماية السكان والممتلكات. وفي هذا الإطار، تشكل أنظمة الذكاء الاصطناعي أساسًا لتطوير سياسات مرنة تجمع بين الوقاية والتنمية والاستجابة الطارئة، مما يجعل الحكامة الطارئة أكثر فعالية ومرونة.
وعلى صعيد الإدارة المالية والسياسات الاقتصادية، تؤكد دراسات صندوق النقد الدولي في باكستان أهمية الربط بين التخطيط المالي والاستراتيجية الوطنية للحد من المخاطر المناخية. فقد أشار ممثل الصندوق إلى أن مراجعة الموازنات الوطنية وإدراج مخصصات للطوارئ جزء أساسي من قدرة الدولة على مواجهة الكوارث، وهو ما يتوافق مع الخطط المغربية لتخصيص موازنات ضخمة لدعم الأقاليم المنكوبة، وتوفير مساعدات لإعادة الإسكان، وتعويض الفلاحين والمزارعين، وتأهيل البنية التحتية للطرق والمجاري المائية.
كما يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة لمراقبة التغيرات المناخية وفهم تأثيرها على الموارد المائية والزراعية، إذ تسمح الخوارزميات بتحديد المناطق الأكثر عرضة للفيضانات في الوقت الحقيقي، والتنبؤ بكميات الأمطار، ومراقبة مستويات الأنهار والخزانات، مما يسهل تصميم خطط إجلاء دقيقة وتحديد أولويات إعادة الإعمار. ويسهم هذا النهج في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة أزمات متلاحقة متعلقة بالمناخ، بما يشمل موجات الجفاف والفيضانات المتكررة، ويضع التكنولوجيا في قلب الحكامة الطارئة.
وتؤكد الخبرات الدولية أن الحكامة الفعّالة لا تقتصر على التدخل المباشر أثناء وقوع الكارثة، بل تشمل بناء نظام معلوماتي تحليلي مستمر، قادر على تقديم إنذارات مبكرة، ومتابعة تغيرات الطقس، وتقدير المخاطر المستقبلية. فقد أشار كريستوفر رايان من برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن إنشاء أنظمة إنذار وطنية ودولية متعددة المستويات أمر حيوي للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية، خصوصًا أن الفيضانات وموجات الجفاف تمثل أكثر من 75% من الكوارث المناخية على مستوى العالم.
كما أكدت تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن الفيضانات ليست مجرد حدث طبيعي عابر، بل تهدد حياة أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم، وأن الخسائر البشرية والمادية المتكررة تؤكد الحاجة إلى سياسات مرنة تدمج بين التنمية والوقاية والاستجابة. وتجارب دول مثل باكستان والهند توضح أن قدرة الدولة على الصمود أمام الكوارث تعتمد على مزيج من التخطيط المالي، السياسات الاقتصادية، والاستعداد الميداني، ما يعكس الدور المركزي للحكامة العلمية والذكية.
إن الربط بين الخطط الوطنية والممارسات الدولية يوفر سياقًا أوسع للتعلم والمقارنة، ويعزز الفهم العلمي للإجراءات اللازمة للتعامل مع الفيضانات والكوارث الطبيعية، ويؤكد أن السياسات الحكومية المتقدمة ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة النمو وحماية السكان. وفي هذا الإطار، يظهر بوضوح أن استمرار التجاوب مع البيانات العلمية والتوصيات الدولية وربطها بالتطبيقات الوطنية القانونية والإدارية يشكل منظومة متكاملة للحكامة الفعّالة في مواجهة الكوارث الطبيعية، ويجعل من الإدارة المتكاملة للفيضانات نموذجًا للتنسيق بين العلم والسياسة العامة، وبناء مجتمعات أكثر صمودًا في مواجهة المستقبل غير المستقر.