بنساسي (الاول يسارا) خلال وقفة احتجاجية للمحامين
أكد الأستاذ محمد بنساسي، المحامي بهيئة الرباط، أن اللحظة الحالية "نضالية بامتياز" ضد هجمة تشريعية تهدد استقلالية المحاماة، وأن أي نقاش داخلي الآن يعد نشازا يُضعف الصف المهني ويشتت الجهود.
حديث بنساسي يأتي في خلفية الرد على تدوينة الأستاذ مصطفى الرميد المحامي بهيئة الدار البيضاء الذي انتقد التراشقات الحادة والإساءات المتبادلة بين أبناء مهنة المحاماة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في سياق احتجاجاتهم ضد مشروع قانون ينظم المهنة، مشيرا إلى وصولها أحيانا إلى "التخوين والتوحش".
فيما يلي رد الأستاذ بنساسي على زميله الرميد:
- قرأت تدوينة الأستاذ المصطفى الرميد أكثر من مرة. وليشهد الله أنني أكنّ لهذا الرجل احترامًا كبيرًا، ليس اليوم فقط، بل منذ أن كان وزيرًا للعدل والحريات، إذ كنت أراه رجل دولة مجتهدًا، اشتغل، في حدود الممكن والمتاح، على إصلاح منظومة العدالة داخل سياق معقّد ومركّب.
غير أن هذا التقدير الثابت لا يحول دون تسجيل اختلافي معه فيما ذهب إليه في تدوينته الأخيرة، سواء من حيث مضمونها، أو توقيتها، أو السياق الذي وردت فيه.
فجسمنا المهني، ببساطة، ليس في حاجة الآن إلى فتح هذا النوع من النقاش العديم القيمة. لا لأننا بلا رأي، ولا لأننا عاجزون عن الاختلاف، بل لأن اللحظة نضالية بامتياز، وتفرض ترتيب الأولويات والتركيز عليها، لا صرف الانتباه عنها.
نعم، كمحامين عبر ربوع الوطن، لنا مآخذ وملاحظات كثيرة، ولا سيما في ما يتعلق بكيفية تدبير الحوار مع وزارة العدل بشأن قانون المهنة، ودواعي السرية التي أُحيطت به…، وغيرها من القضايا المهنية.
غير أن الذكاء الجماعي لعموم الزميلات والزملاء ارتأى، عن وعي وقناعة ومسؤولية، النأي عن الخوض في هذه المسائل إلى حين تحقيق مطالبنا العادلة والمشروعة.
لقد انصرف هذا الوعي الجماعي إلى توحيد الصف المهني وتقويته، وتوجيه كل الجهود نحو ربح المعركة النضالية، والالتفاف حول مؤسساتنا المهنية، مع إرجاء كل ما من شأنه التشويش على هذا المسار، حتى وإن تعلّق الأمر بإبداء الرأي أو ممارسة حق مشروع في الاختلاف.
لأن التعبير عن الاختلاف، خاصة في خضم معركة نضالية وجودية مؤطرة بقرارات صادرة عن مؤسساتنا المهنية، يُعدّ نشازًا وخروجًا عن أعراف المهنة وتقاليدها، بل يضعف المعركة نفسها، وينخرها من الداخل، ويُربك صفوفها، ويُفقدها زخمها، في لحظة تتطلب أقصى درجات الالتحام والتماسك واليقظة والانضباط الجماعي.
كان أملي أن يكون الأستاذ الرميد في طليعة قيادمتنا الرافضين لهذه الهجمة التشريعية الشعواء، الموجّهة لاغتيال مهنة اسمها المحاماة، بنفس النفس النقدي، أو أقوى، الذي وسم حضوره في النقاش العمومي المتصل بمشروعي المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية.
غير أنه اختار الصمت في لحظة لا يجوز فيها الصمت، بل تستوجب الصراخ والوضوح، وبادر إلى خطوات غير موفّقة لا تخدم وحدة الصف المهني، ولا مسار النضال الذي نخوضه بعزم وإيمان .
إن معركتنا النضالية لم تنتهِ بعد، والمرحلة التي بلغناها اليوم تتطلب مزيدًا من الحذر واليقظة والترفع، وتحملًا جماعيًا للمسؤولية، إلى حين تحقيق مطلبنا العادل والمشروع، المتمثل في محاماة حرة، مستقلة، ومحصّنة.