حين تتحول الغابة إلى فصل دراسي
شكلت الحملة البيئية التي نظمتها جمعية الشعلة للتربية والثقافة – فرع سطات، يوم الأحد 15 فبراير 2026، بالغابة الحضرية بمدينة سطات، بتعاون مع الوكالة الوطنية للمياه والغابات – المندوبية الإقليمية بسطات، وبدعم من السلطات المحلية، تأكيدا صريحا على أن التربية البيئية ضرورة حضارية.
منذ اللحظات الأولى، بدا جليا أن الأمر يتجاوز حملة نظافة تقليدية. الأطفال واليافعون، وهم ينتظمون في حلقات العمل، كانوا ينخرطون في فعل رمزي عميق: إعادة الاعتبار للفضاء المشترك بوصفه امتدادا لذواتهم ولأحلامهم الطفولية.
جمع النفايات شكل في رمزيته إزالة لثقافة اللامبالاة، وترسيخا لقيمة العناية بالبيئة باعتبارها جوهر كل سلوك مدني راق و مسؤول.
في خلفية هذا الفعل التربوي الذي رسخه فرع سطات كتقليد تربوي، تتبدى فلسفة واضحة: جودة الحياة ليست شعارا سياسيا أو مؤشرا اقتصاديا فحسب، إنه نتيجة وعي يومي يتجسد في تفاصيل بسيطة؛ في ورقة لا ترمى، في شجرة لا تكسر، في مجال يصان لأنه مجال للعيش المشترك يخص الجميع.
هكذا سعت جمعية الشعلة لتحويل نشاط التربية البيئية إلى تربية على المسؤولية، وعلى إدراك واع و مبدع يدرك من خلاله الطفل واليافع والشاب أن حماية المحيط البيئي تعني في العمق حماية الإنسان نفسه.
وقد تعزز هذا البعد من خلال الفقرات التحسيسية الموجهة لزوار الغابة، حيث انتقل الأطفال والشباب من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، يشرحون، ينبهون، ويدافعون عن حق الطبيعة في الإحترام. إنه تحول دال في مسار التنشئة: من استهلاك الفضاء إلى حراسته، ومن استعماله إلى رعايته.
كما شكلت لحظات اللعب والأناشيد البيئية التي تلت حملة النظافة والتحسيس والتوعية فقرات ترفيهية، بامتداد رمزي لفلسفة النشاط...فاللعب في حضن الطبيعة هو إعلان مصالحة معها، والأغنية عن الأشجار هي اعتراف ضمني بفضلها. في هذا التداخل بين المتعة والحق في بيئة سليمة، تتشكل ملامح تربية جديدة، تجعل من البيئة أفقا مفتوحا للقيم الإنسانية، وفي مقدمتها قيم العناية، والاهتمام، واحترام الحياة في بعدها الشامل.
الحملة البيئية بسطات تبرز كذلك أهمية الشراكة بين المجتمع المدني والمؤسسات العمومية والسلطات المحلية، بوصفها تعبيرا عن وعي جماعي بأن رهانات البيئة لا تحسم بقرارات فوقية فقط، بل بثقافة مجتمعية تتجذر في سلوك الأطفال منذ الصغر.
وهكذا، تحولت الغابة الحضرية في سطات إلى فصل دراسي مفتوح، تدرّس فيه فلسفة العيش المشترك، ويختبر فيه الفعل التربوي الجاد والهادف في كيف يكون الإنسان مسؤولا عن أثره في العالم. إنها رسالة جمعية الشعلة مفادها أن التنشئة على القيم الإنسانية تبدأ من العناية بما هو بسيط، لأن حماية المحيط البيئي هي في النهاية حماية لكرامة وجودة الحياة نفسها.