المصطفى المريزق: أحزاب الوسط واليمين الإداري.. إعادة تموقع أم إعادة إنتاج؟

المصطفى المريزق: أحزاب الوسط واليمين الإداري.. إعادة تموقع أم إعادة إنتاج؟ المصطفى المريزق

بعد الحوارات التي أطلقناها مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية و حزب التقدم والاشتراكية و حزب الاستقلال، وكذا النقاش الذي فتحناه مع مكوّنات اليسار من منطلق «الطريق الرابع»، نعلن اليوم عن انطلاق سلسلة جديدة من الحوارات المفتوحة مع فاعلين آخرين في المشهد الحزبي التقليدي، ويتعلّق الأمر بـحزب الحركة الشعبية وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاتحاد الدستوري وحزب الأصالة والمعاصرة، وهي قوى ذات تموقع وسطي-ليبرالي محافظ، تسعى إلى تثبيت حضورها بوصفها ممثّلًا شرعيًا للمصلحة العامة، وفاعلًا وفيًّا لمنطق الدولة ومؤسساتها.

ومن هذا المنطلق، نعتقد أن هذه الأحزاب تتموضع  داخل فضاء تنافسي تُعاد فيه صياغة معاني الشرعية والتمثيل باستمرار؛ إذ تعتمد على شبكات نفوذ محلية ووطنية، وعلى القرب من دوائر القرار، وعلى القدرة على التعبئة الانتخابية في القرى كما في المدن، مع تبني خطاب يزاوج بين الحداثة والتنمية والاستقرار. وبهذا المعنى، فإنها تميل إلى ترسيخ نموذج حزبي يقوم على تبني الفعالية والإنجاز أكثر مما يقوم على الصراع الإيديولوجي الحاد.

تُقدّم هذه التشكيلات نفسها باعتبارها تستمد مشروعيتها من ثقة الناخبين ومن قدرتها على إدارة الشأن العام وجلب الاستثمار وتدبير البرامج العمومية، لا من “نقاء” المرجعية الفكرية أو من خوض معارك رم٨زية، راديكالية مغلقة. فالرهان عندها هو تعزيز القابلية للحكم وبناء التحالفات، بدل التموقع  خلف تخوم إيديولوجية صلبة داخل مشهد يتّسم بتعدد الفاعلين وتباين مواقعهم.

الخيط الناظم بين هذه الأحزاب يكمن في الاستثمار في الرأسمال التنظيمي والانتخابي، وصناعة شبكات أعيان قادرة على نسج تحالفات محلية وجهوية ووطنية وإعادة إنتاجها، بما يضمن حضورًا وازنًا في موازين القوة والمشاركة في السلطة. غير أن هذا التقاطع لا يلغي اختلافات في الأساليب والتموقعات، تتراوح بين نزعة “حداثية” أكثر وضوحًا وتموقع وسطي-ليبرالي محافظ، وهو ما يفضي أحيانًا إلى فرز داخلي بين ما يُسمّى بأحزاب الوسط وأحزاب اليمين الإداري، خاصة مع احتدام التنافس حول القاعدة الانتخابية، والتسابق نحو تبنّي البرامج الاقتصادية، الاجتماعية والتنموية للدولة، واستقطاب النخب المحلية والوجوه الانتخابية المؤثرة عبر التراب الوطني.

إن توسيع دائرة هذه الحوارات لا يُفهم كخطوة ظرفية، بل كتحوّل واعٍ من منطق مساءلة المرجعيات إلى تفكيك البنية الحزبية بوصفها شبكة علاقات وأدوار ومواقع. فبعد مساءلة قوى اليسار من داخل تراثها الرمزي والتاريخي، يأتي هذا الانفتاح لاختبار مدى قدرة الأحزاب ذات الامتداد المؤسساتي والانتخابي على إنتاج معنى سياسي يتجاوز التدبير التقني أو الاتكاء على شرعية انتخابية صِرفة.

ويعكس هذا المسار تحوّلًا في طبيعة الوساطة السياسية؛ إذ لم يعد الحزب يُقاس فقط بتموقعه الإيديولوجي، بل بمدى قدرته على تمثّل التحولات الاجتماعية الكبرى: توتر العلاقة بين المجالات الهامشية والمراكز الحضرية، بين النخب وقواعدها الاجتماعية، وبين الدولة والمجتمع. كما يطرح سؤال تجديد النخب، وحدود استقلال الفضاء السياسي عن بقية الفضاءات الاجتماعية، ومدى انخراط هذه الأحزاب في بلورة تعاقد اجتماعي جديد في سياق يتسم بأزمات ثقة وتمثيل وتنامي الإحساس باللاجدوى السياسية.

وعليه، فإن هذه الحوارات ليست مجرّد  لقاءات تواصلية، بل ممارسة نقدية تروم تفكيك آليات إنتاج الشرعية، وأنماط الفعل الحزبي، وشروط تجديد السياسة في المغرب. فهي تطرح إشكالية المعنى والرمزية بوصفها رهانًا استراتيجيًا على ما نريده لمغرب المستقبل، لا تمرينًا لغويًا عابرًا.

إن المقصد الجوهري لهذا المسار يقوم على إعادة الاعتبار للفاعل السياسي باعتباره حاملًا للمعنى والمسؤولية، لا مجرّد وسيط انتخابي أو تقني في تدبير الاختلالات. كما أن مفهوم المدنية الذي نستحضره لا ييختزل في ببعده المؤسساتي، بل يفهم كرأسمال اجتماعي وقيمي يشككل رافعة للتغيير الديمقراطي، خارج منطق الجاه والوصاية، وبدون رقابة رمزية تتفرغ الفعل السياسي من مضمونه التحرّري.

وفي ضوء تجارب متعددة عبر العالم، حيث تتشككل الظاهرة الحزبية داخل مجتمعات منفتحة تعيد تعريف الحزب ووظيفته باستمرار، إن مقاربتنا لا تؤسس على إطلاق أحكام معيارية جاهزة أو توجيه انتقادات انفعالية، بل على مساءلة نقدية هادئة تسعى إلى الفهم قبل التقويم، والارتقاء وإلى الارتقاء بالتعددية الحزبية من مستوى التعايش الشكلي إلى مستوى إنتاج المعنى الاجتماعي. فالتعددية، حين تفرغ من بعدها الرمزي ومن قدرتها على التعبير عن رهانات المجتمع وانتظاراته، تتحوّل إلى تنوّع تنظيمي بلا مضمون، ويغدو الاختلاف السياسي اختلافا في المواقع لا في المشاريع.

من هنا، فإن رهان هذه الحوارات لا يتمثل في تقييم الأحزاب بقدر ما يتمثل في مساءلة دلالتها الاجتماعية، وقدرتها على تحويل الاختلاف السياسي إلى قيمة مدنية حاملة لمشروع ديمقراطي قابل للحياة. وهو مشروع لا ينفصل عن سؤال العدالة الاجتماعية ومناهضة التفاوتات البنيوية، سواء في بعدها الطبقي أو المجالي أو الرمزي.

فالسياسة، حين تنفصل عن معركة تقليص اللامساواة، تفقد معناها التحرّري وتتحول إلى مجرد آلية لتدبير الفوارق بدل مساءلتها. لذلك نفهم هذه الحوارات كممارسة نقدية تسعى إلى إعادة وصل السياسة بالمجتمع، واختبار قدرة الأحزاب على الإسهام في بناء تعاقد اجتماعي يجعل من المساواة وتكافؤ الفرص والكرامة الاجتماعية جوهر الفعل العام.

ذلك هو أفق الرهان الذي ننخرط فيه: سياسة تتنتج المعنى قبل السلطة، وتستند إلى المجتمع في تفاعل خلّاق مع الدولة، وتقاس مشروعيتها بقدرتها على توسيع أفق الأمل، وبناء ديمقراطية ذات مضمون اجتماعي، لا بالاكتفاء بإدارة الاختلاف أو تدبير الأزمات، انسجامًا مع رؤية «الطريق الرابع» بوصفها مقاربة تجعل من المجتمع فاعلا مركزيا، ومن السياسة أفقًا للإنصاف والتحرّر.
يتبع

المصطفى المريزق،  فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع