عبد الإله ابعيصيص: في قلبي جرح كبير في وداع عبد الهادي بلخياط..

عبد الإله ابعيصيص: في قلبي جرح كبير في وداع عبد الهادي بلخياط.. عبد الإله ابعيصيص، والراحل عبد الهادي بلخياط

انطفأ الصوت، لا لأن الحنجرة تعبت، بل لأن السماء اشتاقت إليه فاستعادته. هكذا بدا رحيل عبد الهادي بلخياط، فهو ليس غيابا عاديا، بل لعله انتقال هادئ من مسرح الأرض إلى فسحة الغيب. سكت الركح، وارتبكت الذاكرة، وتقدّم الحزن خطوةً إلى الأمام، حين أدركنا أن الذي كان يربّت على وجعنا بالغناء قد مضى.

 لم يكن بلخياط مجرد صوت جميل، بل كان حالة إنسانية كاملة. فصاحب "القمر الأحمر" الذي علّم الليل كيف يحمر خجلا حين يمر صوته، وترك وراءه شجنا يتيما وأغنية أرملة. كان إذا كلما غنى أغنية يكشف بها ما نخفيه عن أنفسنا، وإذا أنشد قطعةً موسيقية توقّفت الساعات عند عتبة اللقاء، وصار الانتظار نوعا من الصلاة الصامتة. غنى قطار الحياة، فمضى العمر خلف صوته، وتركنا على الأرصفة نعد الخسارات واحدة واحدة. ردد كلمات الاغنيات كمن يعتذر، رددها كمن يعرف، منذ البداية، أن بعض المواعيد تولد مكسورة. في غنائه لم يكن الحب نشوة سهلة، بل تجربة هشة، يختلط فيها الرجاء بالخوف، والاقتراب بالفقد.

 

لكن بلخياط لم يكن صوت الأسى فقط، بل كان أيضا وعد الضوء. في "محبوبي عاد الربيع" لم يكن الربيع فصلا، بل حالة عودة إلى الحياة بعد الانكسار. غناها كمن يرمم القلب لا كمن يحتفل، فصارت الأغنية درسا في الأمل الهادئ، ذلك الأمل الذي لا يصرخ ولا يستعرض نفسه، بل يتسلل بخفة نسيم عليل إلى الأرواح المتعبة ويقنعها بأن الفرح ممكن، ولو متأخرا. لو بعد حنين.

 

إن ما ميّز راحلنا العزيز الأستاذ عبد الهادي بلخياط أنه لم يغن للقلة ولا للضجيج العابر، بل غنى للبسطاء الطيبين، "للبوهالي" بودربالة الذي يسكن الهامش وتسكنه الحياة بقسوة. كان صوته أقرب الأصوات إلى ضعفنا الإنساني، لا يعلو عليه، بل يجاوره ويمنحه شرعية البكاء. وحين اشتدّ الضيق، لم يرفع صوته بالآه ولا الشكوى، بل أنشد "المنفرجة" كما لو كان يفتح نافذة في جدار الليل، ويقول لأصحاب القلوب المنكسرة اصبروا، فالفرج قد يأتي صوتا. لم يكن الغناء عنده استعراضا، بل عزاء، ولم يكن الفن هروبا، بل مواساة رصينة. وغنى "شافوني الناس بالصنّارة" فبدا أكثر التصاقًا بالإنسان المكسور اجتماعيا. لم تكن الأغنية شكوى فردية، بل صورة عن نظرة المجتمع القاسية، عن الحكم السريع، وعن الإنسان حين يُرى من زاوية واحدة ويُختزل فيها. هنا، لم يكن الغناء احتجاجا صاخبا، بل بوحا هادئا يُدين القسوة دون أن يصرخ، ويكشف الظلم دون أن يدعي البطولة.

 

غنّى للوطن بوقار الحكماء، فكان نشيده أصدق من الصخب، وغنّى للحب كأنه صلاة سرّية لا يليق بها التصفيق، وغنّى للجمال كما لو كان يخشى عليه من أذى العالم، فدثره بصوته وحماه بالنبرة الحزينة.   "في قلبي جرح كبير" ليست أغنية بل هي بيان وبلاغ للحزانى والمنكسرين. لقد بلغ هذا الكشف ذروته. لم يكن الجرح مجازا عابرا، بل اعترافا علنيا بالهشاشة الإنسانية. غنّاها بصوت منخفض، كمن يخشى أن يوقظ ألمه، فصارت الأغنية مرآةً لوجع جماعي، وجد فيها كثيرون كلمات لم يملكوا شجاعة قولها. هنا لم يكن بلخياط يواسي المستمع، بل كان يضع نفسه إلى جانبه، على المستوى نفسه من الانكسار.

من اليوم فصاعدا، سنفتّش عنه في الأغاني القديمة، في الصور، وفي ذلك الشجن الذي يزورنا بلا سبب، لنجده حاضرا في الغياب. فصوته لن يرحل، بل سيتحول إلى ذاكرة جماعية، وإلى أثر لا يشيخ.

 

رحل الأستاذ عبد الهادي بلخياط، لكن صوته سيظل مطرا مدرارا على القلوب ينزل بها نزول الدعاء، وسيظل "القمر أحمر" و " في قلبي جرح كبير" معلّقًا في سمائنا الداخلية، وجرحا مضيئا نحمله ولا نريد له أن يبرأ. لقد قال عنا ما لم نعرف كيف نقوله عن أنفسنا، وغنّى حتى صار الصمت بعده أشدّ وجعا من الغناء، وأبلغ من كل الكلمات.