منير الطاهري
تُظهر حصيلة الاقتصاد السياسي المغربي، بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، حقيقة صعوبة انتاج بورجوازية وطنية بالمعنى التاريخي أو التنموي، لأن المرحلة راكمت خليطاً من بورجوازيات ريعية عائلية، تشكّلت غالبيتها داخل منطق الامتياز والانتهازية، دون أن تعاقر منطق الإنتاج والمخاطرة والابتكار. هذا الاستنتاج تؤكده دراسات أكاديمية في علم الاجتماع الاقتصادي والتنمية المقارنة، وهي حقيقة أصبحت متداولة عن المغرب في عدد من التقارير الدولية غير المنشورة حول مناخ الأعمال ومؤشرات الاقتصاد التنافسي.
فإذا ما قارنا هذه البورجوازية مع بلدان أخرى، نجد اختلافات جوهرية تستحق التأمل والدراسة. ففي اليابان، وأوروبا الشمالية، وبلدان آسيا الصاعدة، تشكّلت البورجوازية كقوة إنتاجية مرتبطة بالصناعة والتصدير وبناء القيمة المضافة، ثم انخرطت لاحقاً في قواعد الشفافية والمساهمة الضريبية وباقي التزامات العقد الاجتماعي. أما في المغرب، فقد تشكّلت بورجوازيته من الرهان على القرب من السلطة، والتحكم في العقار والرخص والاحتكارات، ولم تكن لها علاقة حقيقية بالتصنيع أو التكنولوجيا. لقد قدر للمغرب ان يعيش انتقالا هجينا قادته بورجوازية هجينة كانت ومازالت تنظر إلى الدولة كمصدر للغنيمة وليس كإطار للمصلحة العامة.
يُضاف إلى ذلك نمط خاص من هذه البورجوازية اللاوطنية التي خرجت من رحم الإدارة نفسها، عبر مسارات التراكم السريع المرتبط بالرشوة، واستغلال النفوذ، وتبادل الامتيازات بين القرار الإداري والمصلحة الخاصة. هذه الفئة، التي سماها الفنان محمد السنوسي بسخرية لاذعة “البورشوازية”، لم تملك أي ثقافة للإنتاج واي أخلاقيات للرأسمال الصناعي المبتكر والمغامر، ولكنها راكمت ثروتها بتحويل السلطة العمومية إلى أداة للإثراء، . بورشوازية تشكلت من خلال شبكة علاقات مصلحية أو ترضيات ومصاهرات ووساطات ومن خلال التحكم في المعلومات المتعلقة بتدبير الشأن العام ولم تكن في يوم من الأيام حاملة لمشروع وطني تحرري أومصدراً للتنظيم العقلاني للعملية الإنتاجية.
الجيل الجديد من هذه البورجوازية أو البورشوازية على حد تعبير السنوسي، بدوره، لم يُحدِث قطيعة مع هذا النموذج، بل استمر في إعادة إنتاجه بالقيم نفسها: التربية الانتهازية ذاتها والنفور من المخاطرة الإنتاجية والهوس بالعقار والصفقات العمومية والتقرب من الإدارة. وهكذا وجدنا أنفسنا، مع مطلع الألفية الثالثة، أمام جيل بورشوازي جديد بنفس الأدوات، رقمي ربما ولكن بلا انتقال قيمي ولا وعي تاريخي، جيل يعيد إنتاج الجشع والافتراس نفسيهما وبوسائل أكثر خداعا وتمويها وجشعا.
ولا يمكن فهم هذا المسار دون التوقف عند البعد السيكوسوسيولوجي لهذه الطبقة، التي لم تتشكل كفاعل تاريخي حامل لمشروع تحرري أو وطني، بل كجماعة صاعدة بلا ثقافة دولة ولا مشروع مجتمعي أوحس مدني. إنها طبقة لا تُنتج الهيبة من العمل أو القيمة، بل تستعرض “قوتها” ومستواها الاستهلاكي الفاحش في الفضاء العمومي عبر السيارات الفارهة ومظاهر البذخ الاستعراضي وحفلات الزفاف الأسطورية وتعتمد منطق “الإكراميات” وطقوس الإتيكيت التفاخري، في سلوك يومي يُهين باقي الطبقات ويدفع المجتمع، رمزياً، إلى ممارسة طقوس الولاء والتقرب والخضوع.
نحن هنا أمام ما يمكن تسميته، بتعبير حسن الفد، الساخر والدقيق، بـ“الهركاوة”: طبقة هرغاوية بعيدة عن التمدن، فاقدة لمعنى الدولة العصرية، طبقة تعوّض هشاشتها الثقافية والسياسية بعنف رمزي فجّ، وتتعامل مع المجتمع لا كمجال مواطنة، بل كساحة استعراض وفرض هيبة ومكانة، طبقة لا تؤمن بالاستحقاق، ولا تعترف بالمساواة.
في الأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة لعلم الاجتماع الاقتصادي والاقتصاد السياسي، تُعرَّف البرجوازية، منذ كارل ماركس، كفاعل تاريخي يرتبط وجوده بوظيفة إنتاجية محددة، هي تنظيم العمل، وتطوير وسائل الإنتاج، وتوسيع السوق. غير أن الدراسات الحديثة، خاصة أعمال بيتر إيفانز حول "الدولة التنموية" (Developmental State)، تُظهر أن البرجوازية الوطنية لا تتشكل تلقائياً بمجرد تراكم الثروة، بل تتشكل داخل علاقة جدلية مع الدولة، حيث تقوم الدولة بدور "الاحتضان المنضبط" (Embedded Autonomy)، فتدعم الرأسمال المنتج وتفرض عليه في الوقت نفسه التزامات الأداء والاستثمار والتصدير. ووفقاً لهذا المنظور، فإن البرجوازية الوطنية هي تلك التي تقبل الدخول في عقد تاريخي مع المجتمع، حيث يصبح الربح مرتبطاً عضوياً برفع الإنتاجية والرفاهية العامة للمواطنين، وتطوير التكنولوجيا، وتثمين الكفاءات البشرية، وليس فقط باستخلاص الريع أو استغلال الامتياز.
في المقابل، طوّرت أدبيات التبعية (Dependency Theory)، خاصة مع فرناندو إنريكي كاردوزو وسمير أمين، مفهوم "البرجوازية التابعة" أو "البرجوازية الكومبرادورية"، وهي طبقة لا تستمد قوتها من قدرتها على الإنتاج، بل من موقعها الوسيط بين الاقتصاد الوطني ومراكز الرأسمال العالمي أو بين الدولة ومصادر الامتياز الداخلي. هذه البرجوازية، لا تمتلك مصلحة موضوعية في الاستثمار طويل الأمد في الإنسان أو المعرفة أو التصنيع، لأن مصدر تراكمها ليس الإنتاج بل الوصول إلى الريع، سواء كان ريعاً عقارياً أو مالياً أو إدارياً أو احتكارياً. وقد بيّنت دراسات معاصرة في سوسيولوجيا التنمية، مثل أعمال ها جون تشانغ، أن الاقتصادات التي فشلت في بناء برجوازية إنتاجية ظلت أسيرة نمط "الرأسمالية الريعية التابعة"، حيث تفضل الاستثمار في الأصول غير المنتجة، كالعقار والتحويلات المالية، على حساب الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتصنيع. ونتيجة لذلك، تصبح هذه البرجوازية عاجزة عن الدفاع عن مشروع وطني مستقل.
هذا التأصيل النظرين قد يمكننا من فهم القضايا التي فجّرها الرأي العام مؤخراً، وعلى رأسها ملف تهريب العملة واقتناء ممتلكات فاخرة بالخارج، مثل قضية قصر ميامي لعائلة الصفريوي، وما رافقها من صمت مؤسساتي وإعلامي مقلق.
في هذا السياق، تكتسي الأحاديث المتداولة، في الغرف السرية، عن حملة تطهير محتملة، قد تشمل تشديد المراقبة على التحويلات المالية وربما إعفاءات من مناصب إدارية مهمة وإغلاق الحدود في وجه بعض الأسماء النافذة، أكثر من دلالة، لأنها قد تمثل فرصة لإعادة تعريف مفهوم البورجوازية الوطنية على أسس الإنتاج والمسؤولية والشفافية.
في تجارب التحول الاقتصادي المقارن، تُقاس بوادر إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والرأسمال بالتحولات العميقة التي قد تدخلها الدولة للبدء في تشديد متدرج لمعايير الامتثال الجبائي والمالي، وربط الولوج إلى التمويل العمومي والصفقات بقدرة المقاولة على خلق قيمة مضافة فعلية، إضافة إلى تطور خطاب رسمي جديد يربط صراحة بين الرأسمال والمسؤولية الإنتاجية ويركز على السيادة الاقتصادية في جميع القطاعات: السيادة الغدائية والدوائية والتعليمية والطاقية ...إلخ، خطاب لا يراهن على الاستثمار الشكلي أو المضاربة كمحور للنشاط الاقتصادي الوطني. كما يشكل بروز فاعلين اقتصاديين جدد من خارج الشبكات التقليدية، خاصة في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة العالية، مؤشراً على بداية إعادة توزيع مواقع النفوذ الاقتصادي وفق معايير الكفاءة والقيمة المضافة. وتؤكد دراسات الاقتصاد السياسي المعاصر، خاصة أعمال داني رودريك، أن لحظات الانتقال هذه تتسم عادة بإعادة بناء تدريجية لمفهوم “الاستحقاق الاقتصادي”، حيث يصبح القرب من الدولة أقل أهمية من القدرة على تحقيق الأداء، وتتحول الدولة نفسها من موزع للريع إلى منظم استراتيجي يفرض الانضباط على الرأسمال وفق معايير قانونية صارمة.
غالباً ما تسبق التحولات الكبرى في البلدان البطيئة التحول، أو التي تعرف ثقلا ثقافيا وتراثيا معيقا للتطور، مرحلة صامتة تتكثف فيها آليات المراقبة، وتُعاد خلالها صياغة التوازنات داخل الإدارة ومحيط القرار بمسؤولية وحكمة، بما يسمح بإعادة فرز الفاعلين الاقتصاديين وفق معايير جديدة. هذا المسار، الذي اوضحه بيتر إيفانز في تناوله لنشأة الدول التنموية، هو مسار متريت يسعى إلى إعادة توجيه الرأسمال بشكل تدريجي ومؤطر نحو وظائف إنتاجية عبر خلق بيئة مستقرة للتراكم المرتبط بالإنتاج. وهو انتقال لا يتم عبر القطيعة المفاجئة في أغلب النماذج الاقتصادية، ولكن عبر تدخلات تشريعية وتنظيمية لفرض مفهوم السيادة الاقتصادية وإعادة تعريف تدريجية لقواعد القوة الاقتصادية ومصادر مشروعيتها.
في النهاية، قل لي أي بورجوازية تملك، أقول لك أي أفق حضاري واقتصادي ينتظرك. فإما أن يعيد المغرب توجيه الرأسمال نحو الإنتاج وربط الامتياز بالمحاسبة، وإما أن يُسلِّم مستقبله لفئة ريعية كسولة مرتاعة بلا أي حس حضاري أو قيمي، في ما سماه الفنان المغربي حسن الفد، بسخرية فنية لاذعة، “الهركاوة” أو ما يمكن تسميته بالبوهرغاوية سليلة البورشوازية اللاوطنية.