هيئة النزاهة تقدم كتابًا فكريًا ضد الفساد
فتحت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في لقاء نظمته الجمعة 13 فبراير 2026 بالمعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكويغرافي بالرباط لتقديم المؤلف الموسوم ب" شروخ المعنى .. كتابات ضد الفساد "، أفقا ثقافيا جديدا، من خلال اشراك فعاليات فكرية وثقافية من حقول إبداعية متنوعة، في هذا العمل الجماعي، وذلك ايمانا منها بدورهم في تشكيل التصورات المجتمعية ومد المواطنات والمواطنين بأدوات التفكير النقدي في الظواهر التي تتفاعل في المجتمع وفي تنمية وعيهم بهذه الظواهر سلبا وايجابا، .
وتأمل هيئة النزاهة أن تكون مساهمة الكاتبات والكتاب المغاربة في ورش معالجة الفساد من زاوية فكرية أكثر منه استعراضا لحالات التعرض لفعل من أفعال الفساد، أو تشخيصا مباشرا لواقع الظاهرة بالمغرب أو اقتراحا لحلول تستعيد ما هو جار به على المستوى الوطني والدولي وما قدمه الخبراء المتخصصون في المجالات المتعلقة بالحكامة الجيدة ومكافحة الفساد، وهذا ما جعل رئيس هذه الهيئة الدستورية للحكامة، يشدد في بداية هذا اللقاء على ضرورة تبنى معالم مقاربة جديدة تتجاوز الأطر التقليدية في محاربة الفساد، لتجعل من طرائق الفكر والأدب رافعتيْن أساسيتين في هذه المعركة الوطنية.
مقاربة شمولية
وانطلاقا من طبيعة ظاهرة الفساد وتعقد أشكالها ومظاهرها، وما تستلزم مكافحتها من ، متعددة الأبعاد، ثقافية وتربوية ووقائية وزجرية، فإن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربته، طرحت في مستهل هذا المؤلف سؤالا دالا هو لماذا هذا الكتاب؟ قبل أن تجيب، بأن هناك مبدأ أساسي يتحكم في أداء مهامها وممارسة اختصاصاتها، يتمثل في أن الجهد الجماعي لمكافحة الفساد، في إطار التكامل بين مختلف الفاعلين، هو الكفيل بتحقيق نتائج، وأن تضافر الجهود القائمة على تحديد المسؤوليات، وأداء كل فاعل مجتمعي لدوره، هو ما سيضمن تعزيز المقاربة الشمولية التي تغني الإجراءات المتخذة لمكافحة الفساد وبالتالي إمكانية تحقيق النتائج المسطرة.
ولأجل هذا - توضح الهيئة - إن هذه المقاربة مبنية على التكامل المؤسسي ومنفتحة على مختلف مكونات المجتمع من الفاعلين في القطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام، وعموم المواطنين باعتبار أدوارهم المركزية في كل السياسات العمومية، وفي صلبها، تلك الموجهة لمكافحة الفساد وتجفيف بؤره متساءلة هل تنظر جميع الفئات المجتمعية، على اختلاف اهتماماتها وميولها، بنفس العين إلى ظاهرة الفساد، على اختلاف أشكاله وتمظهراته، التي ما فتئت المؤشرات الدولية والوطنية تؤكد على استفحالها، وعلى آثارها الوخيمة على التقدم والتنمية في بلادنا؟ .
مداخل المعالجة
وإذا كانت مكونات المجتمع جميعها، لن تختلف على خطورة الفساد وعلى ضرورة العمل من أجل الحد من انتشاره، بيد أنه يلاحظ بالمقابل، بأن لكل مكون من تلك المكونات موقعا يفرض عليه زاوية معينة للنظر إلى المعضلة وتقييما خاصا لنوع وحجم الأثر المترتب عنها، ومن ثمة يحدد له الزاوية التي قد تكون مدخلا لمعالجتها، والتي قد تكون سياسية أو اقتصادية أو حقوقية أو سوسيولوجية أو غير ذلك.
إذن " كيف ينظر الكتاب المغاربة ألى آفة الفساد؟ "، العنوان الذي اختير لتحديد الإطار العام للمؤلف والذي جاء فيه بالخصوص بأنه من البديهي أن الكتاب، والمثقفين عموما، ينتمون إلى مختلف مكونات المجتمع، ومن بينهم من ينشطون بشكل أو بآخر في المؤسسات المختلفة للدولة، وكذلك في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام وغيرها، وهو ما يجعلهم في موقع يسمح لهم بالنظر إلى الأمور المتعلقة بمشاريع بناء المجتمع وتحليلها بقدر أكبر من العمق، خاصة وأن نظرتهم وتحليلهم هو في الوقت ذاته محصلة لتجاربهم وكذلك لقراءاتهم واهتماماتهم الثقافية والأدبية والفكرية، فضلا عن ما يهم السياسات العمومية ومضامينها، بما في ذلك على الخصوص ما يرتبط مباشرة بانشغالات المواطنين مثل الفساد ومحاربته اعتبارا لآثاره على الحياة اليومية وعلى التمتع بالحقوق الأساسية وعلى تحقيق التنمية.
ومن هذا المنطلق فهذا الكتاب الجماعي الذي لا يقدم تشخيصا مباشرا، ولا يستعرض تجارب شخصية ولا يختصر القضية في شعارات، بل يصهر كل ذلك في تصور مبني على تراكمات التجربة الشخصية لكل مساهمٍ ومساهمةٍ بالاستناد إلى خلفيته وقناعاته المعرفية والفكرية بما يعنيه ذلك من عمق في التحليل وموضوعية في الطرح لظاهرة باتت تشكل تحدياً رئيسياً أمام التنمية والعدالة الاجتماعية.
وثيقة فكرية
وسعيا منها في إشراك هذه الشريحة من صناع الوعي الجماعي، أي الكاتبات والكتاب المغاربة، في النقاش العمومي حول ظاهرة على قدر كبير من الأهمية ومن الحساسية كذلك، ارتأت هيئة النزاهة أن تنفتح على هذه الفئة من المجتمع لتقديم مساهمة حرة، ضمن هذا الإصدار الذي تطمح من خلاله أيضا لأن يكون وثيقة فكرية على قدر كبير من الأهمية، بالنظر لتنوع أفكاره وتعدد زوايا تحليل.
وفي نفس الاتجاه عبر محمد بنعليلو عن اعتقاده الراسخ بأن معركة النزاهة " معركة وعي وذوق وحسّ إنساني"، تقتضى بالخصوص العمل على " تجاوز النمطية ، مع الإصغاء للعقل الجمعي” موضحا بأن الهدف من الكتاب " لم يكن إضافة تقرير جديد إلى الرفوف، أو استنساخ لغة المؤشرات الجافة والأدبيات المعيارية، بل الإصغاء إلى العقل الجمعي، حيث ثمّة قضايا لا تختزلها الأرقام، بل تحتاج إلى ملامسة ما لا يُرى ولا يُقاس مما يوجّه السلوك ويؤثر في القيم، كما قال.
عدالة المعنى
ومن جهة أخرى أكد أن النزاهة ليست مجرد قيمة معلّقة على الجدران، بل هي ما اعتبره "شرط تأسيسي لمعقولية الفعل العمومي ولعدالة المعنى داخل المجتمع"، داعيا في هذا الصدد إلى " الإصغاء لصوت الفكر في تفكيك الفساد"، وهو العنوان الذي اختاره لمساهمته في هذا المؤلف خلال لقاء تقديمه الذي أداره الإعلامي والكاتب عبد العزيز كوكاس، وتميز بإلقاء مداخلات كل من سعيد بنيس حول " من الفساد الاجتماعي إلى الفساد المجتمعي.. ومن مجتمع الوساطة إلى مجتمع الوسطاء" والشاعرة والكاتبة ثريا ماجدولين التي تناولت إشكالية " الفساد وإعادة تشكيل الوعي الجمعي" في حين تناول الشاعر والكاتب أحمد العمراوي، " الفساد الصغير ..".
فبالإضافة الى بنعليلو وبنيس وكوكاس وماجدولين والعمراوى ساهم في هذا الكتاب الواقع في 122 صفحة من الحجم المتوسط كلا من عبد القادر الشاوي، وموليم العروسي، ومحمد نورالدين أفاية، وفريد الزاهي، ومحمد أقضاض، وعبد الكريم جويطي، وأحمد الكبيري،عبد الجليل الوزاني التهامي؛ والعربي بنجلون، ويحيى بن الوليد، ومحمد مشبال، والحبيب الدائم ربي، وعبد السلام المساوي، وأحمد العمراوي، ومحمد أمنصور، والبشير الدامون وحبيب مزيني، وعبد الجواد الخنيفي، علاوة على مساهمات باللغات الأجنبية لكل من محمد المرابط، وموحا صواك وغيثة الخياط.
تعزيز الوعي
وكان جمال موساوي الاطار بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، قد أوضح في مستهل اللقاء الذي حضره جمهور من الشخصيات التي تنتمى لعالم الثقافة والفكر والاعلام، والتي تفاعل عدد منها مع المداخلات، أن الغاية من اصدار هذا المؤلف، يتمثل في إشراك الكتاب المغاربة في التفكير الجماعي والنقاش العمومي حول آفة الفساد، لدورهم في تحفيز الوعي والتفكير النقدي من أجل بناء مجتمع أكثر تشبعا بقيم النزاهة وأكثر عدلاً وإنصافا.
كما أضاف بأن هذه المبادرة التي هي دعوة مفتوحة لتغذية وتعميق النقاش بين مختلف الفاعلين المجتمعيين، مما يسهم في تعزيز الجهود المبذولة للحد من الفساد ومكافحته، ترمى كذلك إلى تعزيز الوعي لدى المواطنين حول خطورة الفساد وآثاره على المجتمع، وذلك من خلال مساهمات فكرية وأدبية من نخبة من المثقفين، تعدد الرؤى والمقاربات المتعلقة بالفساد، من خلال تناول كل فئة هذه الظاهرة من زاوية مختلفة بناءً على تجربتها وخبراتها المهنية وخلفياتها الفكرية والثقافية.