أنور الشرقاوي: العيش المشترك… أو الطعم المستعاد لـ"الدجاج بالزيتون" على خشبة المسرح بباريس

أنور الشرقاوي: العيش المشترك… أو الطعم المستعاد لـ"الدجاج بالزيتون" على خشبة المسرح بباريس الدكتور أنور الشرقاوي وخلفه ملصق مسرحية " الدجاج بالزيتون"

في باريس، مدينة الأنوار والتناقضات الخلّاقة، لا يبدو العيش المشترك شعارًا للاستهلاك الثقافي، ولا حلمًا طوباويًا يُعلّق في الخطب الرسمية.

إنه يُمثَّل، ويُضحك، ويُعاش أمام الأعين.
حول طبق بسيط في ظاهره — الدجاج بالزيتون — تتحول الخشبة إلى مائدة جماعية، ويغدو الجمهور عائلةً واسعة، تتقاسم الضحكة كما تتقاسم الخبز.

المسرحية التي تحمل العنوان ذاته، Poulet aux olives، تقودها بحيوية آسرة نجمتنا المغربية المتألقة Mouna Fettou منى فتو، فتمنح العرض أكثر من مجرد تسلية عابرة؛ تمنحه نبضًا إنسانيًا دافئًا، واستراحةً روحية في زمن الضجيج.

أربعة ممثلين يعتلون الركح، يتناولون قضايا ثقيلة: الدين، الحب بين امرأة متقدمة في السن ورجل أصغر منها، أمومة يهودية متدفقة حد التملك، وابنٌ بالغ يتقن فن اللامسؤولية.

لكنهم، على طريقة الكبار من نجوم الكوميديا العربية، يحوّلون الثقل إلى خفة، والجدّ إلى ضحكةٍ تُحرّر ولا تُسفّه.

هنا، الضحك لا يُفرغ الموضوع من مضمونه، بل يكشف طبقاته.

الجمهور، بمختلف معتقداته، بل حتى أولئك الذين يعرّفون أنفسهم خارج أي انتماء ديني، يضحكون في تناغمٍ لافت، كأنهم كورالٌ واحد يعزف على وتر الفطرة.

كما عند موليير، نضحك لأننا نلامس الجوهري.
المواقف تقترب من الفودفيل، لكن الأسئلة المطروحة تمس صميم العلاقة بين الناس: كيف نختلف دون أن نتنافر؟ كيف نحب دون أن نمتلك؟ وكيف نؤمن دون أن نقصي؟

المسرحية تستحضر، بحنينٍ شفيف، زمنًا كان فيه الجار اليهودي والجار المسلم يتبادلان الملح والكمون والكزبرة عبر النوافذ.

تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت تاريخ الأحياء العتيقة، مثل ملاح سلا أو الرباط، حيث لم تكن المجاورة عبئًا، بل ثراءً إنسانيًا.

في هذا العمل، يصبح المطبخ استعارة كبرى: أن تتقاسم طبقًا، يعني أن تعترف بالآخر في أبسط تجلياته وأكثرها صدقًا.

مونة فتو لا تؤدي دورًا فحسب؛ إنها تستدعي ذاكرةً، وثقافةً، وأسلوب عيش.

حضورها خفيف الظل، دقيق الإيقاع، عصريّ دون أن يتخلى عن جذوره.

وإلى جانبها، يقدم الممثلون الآخرون أداءً منضبطًا، حيث تأتي الجمل المسرحية كحبات زيتون: صغيرة، لامعة، لاذعة أحيانًا، لكنها دائمًا في مكانها.

نغادر القاعة مبتسمين، نعم، لكننا نحمل قناعةً أعمق: العيش المشترك لا يحتاج إلى خطب مطوّلة. يكفي نص ذكي، وممثلون صادقون، وطبق رمزي، لنتذكر أن التعايش ممارسة يومية، لا فكرة معلّقة في الهواء.
ومن حقنا أن نحلم — بل أن نطالب — بأن تعبر هذه المسرحية ضفاف المتوسط، لتُعرض على خشبة Théâtre Mohammed V في الرباط.
سيكون ذلك عودةً طبيعية للأشياء إلى نصابها.
حيث كانت التوابل تتنقل بين البيوت، فلتتنقل الكلمات والضحكات من جديد.
لأن الدجاج بالزيتون، حين يُطهى على نار الفن، يظلّ بطعم السلام المشترك.