عبد الرحيم العطري: كفى من تبخيس الرموز

عبد الرحيم العطري: كفى من تبخيس الرموز عبد الرحيم العطري

لربما يتوجب علينا التحرر من أثر الفقاعة الترشيحية Bubble Filter ونحن نحاول "التموقف" إيديولوجيا أو مصالحيا من الحوار التلفزي الذي أجراه الصديق الصحافي سي عبد الله الترابي مع عالم اجتماع السياسة البروفيسور محمد الطوزي. لقد قرأت ما تعرض له أستاذنا الجليل، هو وعبد الله ساعف وعبد الله حمودي، من تنمر ومحاولة سحب للكفاءة العلمية، وذلك في عدد من التدوينات الفايسبوكية. 
حينها كان ضروريا أن أعود إلى حوار القناة الثانية، لأجد أن سي محمد الطوزي كان موفقا وإلى حد بعيد في طرح أفكاره ومقارباته التحليلية. وجدت ان المشكل كان في الصديق الترابي الذي حاول أن يفرض على الطوزي أسلوبا تواصليا تبسيطيا، فكان يقاطعه طلبا للتوضيح والتبسيط أكثر فأكثر، وهو ما كان يؤثر على مسار الحديث، ويخلق بعض الانتقالات أو الفجوات التعسفية. طبعا سي الترابي كان مرتهنا إلى اقتصاد الانتباه، ويريد لبرنامجه التلفزي ان يحظى بفائق المتابعة، لكن الطوزي كان منشغلا بهم الدفاع عن أطروحته، التي لا تتساوق مع ما يطلبه المتحكمون في اقتصاد الرؤية. هنا يكمن المشكل. الطوزي انتصر للسوسيولوجيا النقدية وسمى الأسماء بمسمياتها، ولم يقدم قولا مسكوكا يتوزع بين "النقد التعميمي البارد او الخطاب التمجيدي الساخن"، بتعبير البهي المساري رحمه الله. لقد تفوق في حواره وقال كلمته ومضى لحال سبيله، ليجد نفسه أمام تنمر غير مقبول، وممهور بتوقيع حتى من يعلنون أنفسهم حراسا لفضيلة الاختلاف.  
لهذا رجاء لا تعملوا، خطأ واعتسافا، عفوا أو قسرا،  على الإسهام في تبخيس كفاءات المغرب العلمية. ماذا سيتبقى بعد كل هذا الخراب؟ 
بالأمس قمنا بتجريف القدوة في كثير من المجالات، وانتهينا إلى ثقافة المحو في السياسة والمدرسة والإدارة وكل حقول المجتمع، وها نحن اليوم نتجه إلى رموزنا العلمية والثقافية. 
إن المرور غير الموفق في برنامج ما، ليس نهاية الكون، رغم ان سي الطوزي كان موفقا جدا، وليس مدعاة لسحب العلمية عن الباحثين. لنعترف بأن الكثير من العلماء يجدون صعوبة في تقديم أطروحاتهم أمام وسائل الإعلام، لكن ذلك لا يلغي أصالة المنجز وعمق الاجتهاد. الرجاء توقير العلماء والانتهاء من التعاطي مع البحث العلمي وفق رهانات اقتصاد الانتباه. فليس مفروضا في حوار السي الطوزي التلفزي ان يحقق أعلى المشاهدات او المبيعات أو يقول ما يريده مالكو وسائل الإنتاج والإكراه. وإلى ذلكم الحين سيبقى الطوزي وساعف وحمودي من أهم الأيقونات في مسارات العلوم الاجتماعية في مغربنا العزيز.
إشارة سريعة في الختام: الانسجان طويلا في الفقاعة/ الفلتر، يحول ذات الفقاعة إلى عدسة للنظر والتموقف، تصير الفقاعة بأطرها المرجعية ومصالحها هي العين، لن تبقى مجرد جدار بصري، ستصير رؤية لتشكيل العالم ومنح الالقاب وسحبها، وهو ما يؤسس لديكتاتورية اليقين.