الدكتور المصطفى الرزرازي
قال الدكتور المصطفى الرزرازي، أستاذ إدارة الأزمات بكلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، أن نضج التجربة المغربية منذ 2015، عبر التزامات دولية وأزمات متتالية (كوفيد-19، الجفاف، الحرائق، زلزال الحوز)، أنتج تحولات: من ثقافة "تدبير الحدث" إلى "تدبير المخاطر"، تطوير اليقظة بالمعطيات المناخية، وتحسين التنسيق بين الفاعلين.
وركز المحاضر في جامعات يابانية كسابورو غاكوين، في حوار مع الزميلة "الأحداث المغربية"، على الانتقال نحو مقاربة استباقية في تدبير الفيضانات الأخيرة، مقارنة بالأزمات السابقة مثل زلزال الحوز، مع تقييم التجربة المغربية والتضامن الشعبي والرؤى المستقبلية. وأبرز الرزرازي كيف ساهمت نضج التجربة المغربية وطبيعة المخاطر في تعزيز الاستعدادات، مشددا على دور المنظومة المؤسساتية المتكاملة.
وأوضح الدكتور الرزرازي أن الاستباقية ليست مجرد قرار إداري، بل مرتبطة بطبيعة الخطر تقنيا وزمنيا. في حالة الفيضانات والسيول، تمنح إشارات مبكرة مثل نشرات الإنذار الجوي وارتفاع منسوب الأودية نافذة زمنية للإخلاء الوقائي وتعزيز التدخلات، بخلاف الزلازل الفجائية التي تعتمد على الاستعدادات المسبقة ككودات البناء والمحاكاة.
وفصل المتحدث في العناصر الرئيسية لنجاح المنظومة عبر هذه المراحل:
- قبل الأزمة: تقييم المخاطر، سيناريوهات، نظام إنذار مبكر، تخطيط طوارئ.
- أثناء الأزمة:؛قيادة واضحة، غرف عمليات، تنسيق قطاعي، تعبئة موارد، تواصل موحد.
- بعد الأزمة: تقييم مؤسساتي، إعادة بناء أفضل، دمج الدروس في الإصلاحات.
وأكد الرزرازي أن القلب العملياتي تقوده وزارة الداخلية عبر السلطات الترابية، مع دور الوقاية المدنية في الإنقاذ، والقوات المسلحة في الكوارث الكبرى، مدعومة بقطاعات تقنية كالتجهيز والصحة والجماعات الترابية كـ"خط دفاع أول".
وقيّم الرزرازي التجربة المغربية خلال العقد الأخير بأنها تحولت من تدخل ظرفي إلى تنظيم يعتمد التعبئة السريعة وضبط القرار، مما قلّص الخسائر البشرية وحافظ على الوظائف الحيوية.
من نقاط القوة: سرعة القرار، دور السلطات الترابية، الوقاية المدنية، والدعم العسكري. وشدد على الإشراف الملكي المباشر الذي جعل تدبير الكوارث جزءا من الأمن القومي، محولا إياها من شأن تقني إلى رؤية عليا تحمي الأرواح والاستقرار. هذا الإشراف يضمن الاستمرارية ويدمج الكوارث في الصمود الاجتماعي.
واعتبر الرزرازي التضامن الشعبي عنصرا أساسيا في "الصمود المجتمعي"، يعزز الثقة والتكافل الثقافي العميق. غير أنه قد يسبب آثارا عكسية إذا لم يُؤطر، كإرباك الإمداد أو اختلال التوزيع. في الفيضانات الحالية، يبدو أقل حضورا من زلزال الحوز لأن الأزمة في مرحلة حرجة تتطلب تدخلات متخصصة، مما يدفع المجتمع إلى التراجع مؤقتا لتجنب التشويش.
وتوقّع الخبير في تدبير الازمات، زخماً أكبر بعد الاستقرار، خاصة مع رمضان، مع دعوة السلطات لوضع قنوات رسمية للتبرع والتطوع لتحويل التضامن إلى مورد منظم.
وضمن رؤية استشرافية لتدبير الكوارث، دعا الرزرازي إلى انتقال بنيوي من "إدارة الأزمة" إلى "الحد من المخاطر" لتحقيق نموذجية دولية، عبر دمج الوقاية في التخطيط العمراني والترابي خاصة في المناطق الهشة. واقترح مأسسة التقييم البعدي بربطه بإصلاحات، تعزيز قدرات الجماعات الترابية، حكامة معطيات موحدة، والاستثمار في التكوين والمحاكاة. "كل أزمة فرصة لبناء مناعة وطنية مستدامة، لا كفاءة ظرفية فقط".