أحمد الحطاب
إذا استثنينا السياسة العامة الملكية والإرادة الملكية، وإذا استثنينا الحكومات التي دبَّرت الشأنَ العام للبلاد مُباشرةً بعد استقلال البلاد، أي في نهاية الخمسينيات والسنة الأولى من الستِّينيات، السؤال الذي يتبادر إلى ذهني، هو : "ما هو الإنجاز العظيم الذي حقَّقته السياسة، كما هي مُمارَسَةٌ من طرَف الأحزاب السياسية التي تعاقبت على تدبير الشأن العام ببلادِنا، منذ 1962 إلى يومنا هذا، والذي أدخل السرورَ في نفوس المواطنين (رجالاً ونساءً)؟
وعندما أقول الإنجاز العظيم، فالمقصود، هو الإنجاز الذي يُدخِل الفرحة في قلوب المواطنين ويشكِّل خطوةً نحو كرامة العيش. بالطبع، هذا الإنجاز لم يتحقَّق، وحسب رأيي الشخصي، لن يتحقَّق. لماذا؟
لم يتحقَّق هذا الإنجازُ (كرامة العيش) لأن الثروة la richesse التي تُنتِجها البلادُ غير مُوزَّعة على الشعب المغربي بعدلٍ وإنصافٍ. وكونُها غير موزَّعة بعدلٍ وإنصافٍ، يجعلنا نطرح السؤالَ التالي الذي لا مفرَّ منه "أين تذهب هذه الثروة؟". وهو سؤالُ سبق أن طرحه ملكُ البلاد، محمد السادس، في إحدى خطبِه الموجَّهة إلى الشعب المغربي.
ومن بين أسباب عدم توزيع الثروة التي تُنتِجها البلادُ بعدلٍ وإنصافٍ، هناك سببٌ رئيسي يتمثَّل في كون المستفيدين من هذه الثروة، هم أقليةٌ تنتمي للعالم المُتحكِّم في السلطة والمال. وهذه الأقلية موجودة في البرلمان وفي الحكومة. بمعنى أنها موجودة في السلطتين، التَّشريعة والتَّنفيذية. وكلاهما يتحكًّمان في الطريقة التي يُدبَّر بها الشأن العام. وكلاهما يُزكِّي بعضُهم البعضَ الآخر. وهذه التزكية لا يمكن، على الإطلاق، أن تكونَ قائمةَ الذات بدون فساد. والفساد تراه الأحزاب السياسية بأم أعيُنِها ولا تُحرِّك ساكِناً لمحاربتِه، أو على الأقل، التَّخفيفُ من تأثيرِه على اقتصاد البلاد. فهل يُنتَظَر من هذا النوع من الأحزاب السياسية أن تسهرَ على توزيع الثروة التي تُنتِجها البلادُ بعدلٍ وإنصاف؟ وعندما أقول ب"عدلٍ وإنصاف"، فالمقصود ليس المُساواة، ولكن أن ينالَ كلُّ ذي حقٍّ حقَّه.
ولن يتحقَّقَ هذا الإنجاز العظيم ما دام المشهد السياسي فاسِداً. والفساد لا تُمطِره السماء. إنه ناتِجٌ عن كيفية تدبير الشأن العام من طرف الأحزاب السياسية المُتعاقِبة على تدبير الشأن العام. فما دامت هذه الأحزاب السياسية تتعايش مع الفساد، وتُجبِر شريحةً عريضة من المواطنين إلى الانخراط فيه من أجل قضاء أمورٍ لها فيها كامِل الحق، فلا غرابةَ أن يسودَ في المجتمع المغربي الزبونية والمحسوبية ونهب وسرقة المال العام والإفلاتُ من العقاب والتهرُّب الضريبي والتَّزوير والغش…
ورجوعاً إلى عنوان هذه المقالة الذي هو : "ما تركته السياسة من فراغ، ملأته وتملؤه الرياضة، وبالضبط، كرة القدم"، ما يستَنتجُ من هذا العنوان، هو أن الأحزاب السياسية التي تصعد للبرلمان والحكومة، لا تُدبِّر الشأنَ العامَّ كما وردَ ذلك في حملاتِها الانتِخابية. بل تدبِّر هذا الشأن العام لصالح ذوي النفوذ السياسي والمالي، علما أن أحزابنا السياسية مليئةٌ بهذا النوع من البشر، أي الأعيان وأصحاب النفوذ السلطوي والمالي. بمعنى أن أحزابنا السياسية الصاعِدة للبرلمان والحكومة، عن طريق الانتخابات، تخدم مصالحَ الأقلية l'oligarchie، وبالتالي، يكون بينها وبين طموحات وتطلُّعات الشعب المغربي، تفاوتٌ كبيرٌ un grand décalage. وهذا التَّفاوتُ يَخلق فراغاً un vide ينتظِر هذا الشعبُ أن يملأه إنجازٌ سياسي عظيم. لكن الإنجازات السياسية الكبرى والتي تصبُّ في صالح البلاد والعباد، تأتي دائما من السياسة العامة الملكية.
إذن، إلى غاية تحرير هذه المقالة، تدبير الشأن العام من طرف الأحزاب السياسية لا يخدم مصالحَ البلاد والعباد. وخيرُ مثالٍ يمكن الاستشهادُ به، في هذا الصدد، هو فشلُ حكومة أخنوش في إرضاء ما كان ينتظره منها الشعب المغربي من إنجازاتٍ تصب في تحسين ظروف عيش المواطنين. هذا التدبير يخدم، كما سبق الذكرُ، مصالحَ الاقلية المتحكِّمة في السلطة والمال. فما هو الشيءُ الذي يملأ الفراغَ الذي يترتَّب عن هذا النوع من التدبير؟
إلى يومنا هذا، الشيءُ الوحِيد الذي استطاع ويستطيع ملءَ هذا الفراغ، هي الرياضة، وبالضبط، كرة القدم. لماذا؟
لأنه ما لم تتمكَّنْ أحزابُنا السياسية من تحفيزِ المواطنين على إبداءِ حبِّهم للوطن والانتماء إليه، روحاً وجسداً، أي قلباً وقالباً، استطاعت كرةُ القدم أن تقومَ به بعفوِية كبرى ودون عناء. وهذا يعني أن المواطن المغربي يتعطَّش للتعبير عن حبِّه لوطنِه ولمُقوماته المُتمثِّلة في العَلَم le drapeau والنشيد الوطني l'hymne national. فهل رأيتُم شغفَ المواطنين وهم يحملون ويُشهِرون العَلَمَ الوطني في المُدرجات؟ وهل رأيتُم نفسَ الشغف وهم يّردِّدون بحماسٍ كبيرٍ النشيد الوطني؟
ولهذا، فإن السياسةَ، شأنُها شأنَ كرة القدم، من المفروض أن تُجيِّشَ شغفَ انتماء المواطنين لبلدِهم وحُبَّهم له. غير أن السياسة، كما هي مُمارسةٌ من طرف الأحزاب السياسية، لا تأتي إلا بما يُقلق الناسَ ويُحدِث فاصلاً بينهم وبين وطنهم. وتبقى كرةُ القدم هي المُجيِّش الوحيد للانتماء للوطن ولحبِّه. وهي، كذلك، مصدر الالتئام الوطني la cohésion sociale ومصدرٌ للافتخار la fierté بالوطن وبمقوِّماتِه ، دون أن ننسى أنها مكانٌ للتعبير عن القيم الثقافية، ولو كانت هذه الفرحة مؤقتةً. وعلى الخصوص، كلما فاز منتخبُ وطني في مباراةٍ من المباريات، وكلما نجح في تنظيم اللقاءات الرياضية الكبرى، إلا وأُتِيحَت للوطن فرصةٌ للإشعاع إقليمياً ودولياً. وهذا هو ما لاحظنا حين نظَّمت بلادُنا النُّسخةَ الأخيرةَ لكأس أمم إفريقيا.