لحسن العسبي: شكرا أيها المغربي زارع الأمل

لحسن العسبي: شكرا أيها المغربي زارع الأمل الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة أصبحت رأس مال اجتماعي واستراتيجي لا يقدر بثمن الصورة (لحسن العسبي)

نعم، هناك إعادة تأطير مختلفة لمعنى "الدولة" وعلاقة المواطن بها مغربيا، عبر بوابة "الثقة" أقله منذ وباء كورونا..
كان الوباء اجتياحا عالميا، كان المجهول يفتح فمه ليطحن الأمل في القلب قبل العين.. كل عاد إلى جلده يبحث عن المسارب للفرار من الخطر.. 
فجأة وعادت البشرية إلى نوع من "غريزة أنانية المواجهة للبقاء"، وفُتِحَ باب الإمتحان مُشرعًا أمام الدول،، امتحان المسؤولية التي ليست خطابةً تمجيدية قَدْرَ أنها "إرادة" و "قدرة" على حماية الوجود البكر للحياة في أعين الناس..
كانت شهور الوباء والحجر الصحي ورشةً لأن تُعَزَّ الدول أو تُهان..
مع توالي الهواء الحامض للخوف اكتشفنا مغربيا معنى "الأمة"، تلك التي تمتثل للنظام من أجل ربح المعركة، حيث سَلِسَ كل فردٍ لدوره ضمن آلة الحماية وتحدي المواجهة.. 
مع توالي ليالي السؤال الطويلة اكتشف الجميع أن تمة بنية إدارية مؤطرة للدولة، أن المغربي له القدرة حيث هو في جغرافية وجوده (كبلد وناس وإمكانيات قليلة) أن يقف مواجها قبح الأيام تلك..
نجح المغربي في إنتاج أسباب الحماية (كمامات، أدوية، وسائل تعقيم، مستشفيات في فضاءات عمومية، دعما ماليا يصعدُ حتى قمم الجبال، صندوقا وطنيا للتضامن، ضبطا للمعلومة الموثوقة، تواصلا يوميا لإشراك الناس في معركة المواجهة، قُمرةُ قيادة لها خريطة طريق مدققة).. ومع توالي الساعات وليس فقط الأيام أيقن المغربي أن له كامل الحق في "الثقة في الدولة".. الدولة التي برزت كمؤسسة حامية، راعية، متضامنة.
ثم توالت تحدياتٌ ومحطاتٌ أُخَرْ..
نهائيات كأس العالم بقطر، عنوانا للقدرة وللرضى..
مواجهة زلزال الحوز بروح "الأمة"، حيث تجرأ المغرب أن يختار نوع المساعدة المفيدة من العالم ولم يقبل منطق الوصاية. بل امتلك القدرة ليفاجئ نفسه قبل الآخرين أن له مؤسسات جاهزة للمواجهة، حيث أعدنا اكتشاف مؤسسة القوات المسلحة الملكية ومؤسسة الدرك ومؤسسة الوقاية المدنية وآلية التنظيم الإدارية المالكة لأسباب التدقيق التقني (بروز "داتا مغربية" تجرب ممكناتها وقدراتها أمنيا وترابيا).. اكتشفنا أن للذراع قوة وأنه على قد الفم على قد الذراع لحظة المأساة.. وفتح امتحان آخر تدبيري للمصاحبة لم تنجح فيه الحكومة دائما كما يجب (جزء وارد من المحاسبة انتخابيا)..
ثم جاءت فيضانات الشمال وسهل الغرب.. كان الموج عاليا والخطر داهما والكارثة تدق الباب..
من أين خرجت كل تلك الترسانة الجاهزة للتحدي والإنقاذ والمواجهة؟
خرجت من صلابة "قرار الإرادة" للبناء المسنود بروح "الأمة".. 
خرجت من فطنة إعادة بناء المؤسسات الإستراتيجية لجعل ذراعها فعالة، كفؤة، سريعة المبادرة..
لن تتساءل صحف العالم (غير الرحيمة عادة نحونا) هذه المرة عن كيف نجحنا في "تحويل ملعب كرة أن يشرب الماء الغزير النازل من العاصفة" (وول ستريت جورنال ووكالة الأنباء الصينية)، بل تساءلت كيف أصبحت لنا القدرة أن ننقل 140 ألف مواطن مغربي في 48 ساعة قبل العاصفة ولم نفرط في روح واحدة.. هل أخبرتنا السماء من قبل برعودها ما جعل الإستعداد قائما بشكل مسبق، أم أن السر كامن في مكان آخر إسمه "التنظيم" واسمه "التوقع" واسمه "الإستعداد المسنود بخرائط طريق"؟..
هي الدولة حين تكون راعية، حامية..
أيها الناس، هل تتخيلون حجم اللوجيستيك لنقل مدن وقرى بكاملها بعيدا عن عين العاصفة؟ وأن تتم رعاية ليس البشر والحجر فقط، بل حتى قطيع الماشية والأبقار والأحصنة (وضعت لها أرقام خاصة تحدد حق مالكيها بدقة).. ثم أن تثق الناس في مؤسسات دولتها وتقبل مغادرة الديار مطمئنة أن "الأمانة" لن تضيع..
هي "الثقة" بين المواطن والدولة..
هي الرأسمال الأكبر والأهم الذي سيبقى..
هذه الروح المغربية، هذا الرضى، رأسمالنا الأكبر الذي علينا أن نشد عليه بالنواجد.. وكم يعمل الكثيرون منذ شهور لضرب هذا الرأسمال وتقويضه وهدم أسسه..
نعم، المغاربة لا أوهام لديهم، هم يعرفون أن بعض أسباب العطب لا تزال مكبلة لخطونا في درب الحياة، وأن معركة "الإصلاح" (إصلاح الذات والجماعة) لا تزال طويلة النفس، لكنهم منذ الإمتحانات الكبرى التي عبرناها منذ 2019 أصبحوا موقنين أنهم مختلفون في ما يبدعونه مجتمعا ودولة في مواجهة تحديات الوجود بالمقارنة مع محيطهم..
الثقة رأسمال، والرضى طاقة، والعمل جنة المؤمنين بأوطانهم..
شكرا لجيشنا الملكي،
شكرا لدركنا الملكي،
شكرا لقواتنا المساعدة،
شكرا لوقايتنا المدنية،
شكرا لأمننا الوطني،
شكرا لمهندسينا الجيولوجيين،
شكرا لمهندسينا في الهيدروليك،
شكرا للمغربي حين ينتصر على نفسه من أجل نفسه (دولة ومجتمع).. 
ان التحدي تربويا وسياسيا اليوم هو رأسملة هذا المنجز الوطني بروح توسيع هوامش الإيجابي كمسؤوليات وكضمير مهني على كافة المستويات..
رحم الله من قال: "لو نَظَّفَ كل مغربي المتر مربع الذي يتحرك فيه، سينْظَفُ البلد كله"..