السوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين
تنشر جريدة "أنفاس بريس" سلسلة مقالات تحليلية للسوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين، حول موضوع "الثورة الرقمية وتحولات الاتصال والإعلام"، مقدما نموذج المغرب لتأثيرات هذه الثورة والتحولات الكبيرة التي أحدثتها داخل المجتمع.
حتى يتفهم القارئ ما نحن بصدده، سأستعرض المصطلحات الأساسية التي قد تساعده على فهم المهن أو الأنشطة الجديدة التي برزت إلى جانب مهنة الصحافة le journalisme، والتي يمارسها الصحفي le journaliste والأدوار الجديدة التي اقتضتها سواء مهنة الصحافة لمواكبة التغيرات أو هذه المهن/الأنشطة الجديدة التي برزت مع هذه الثورة المعلوماتية وما رافقها من تطور على مستوى الإعلام والاتصال (وحتى التواصل بما فيه من إخبار أو تبادل الأخبار والمعلومات)، في بروزٍ للبعد الافتراضي؛ حيث أن العلاقة بين الافتراضي والخيالي (وحتى المُتخيَّل) هي تفاعلٌ ديناميٌّ بين قدرة العقل على خلق العوالم وقدرة التكنولوجيا على محاكاتها وصنعها.
إن الافتراضي le virtuel هو امتداد للخيالي (بل أصبح تجلّ له على الأقل شكليا وظاهريا) من حيث القدرة على تمثُّل الأشياء الغائبة أو غير الموجودة والقدرة على عيشها ومعرفتها. هكذا، يقدم الافتراضي، من خلال تقنيات مثل الواقع الافتراضي أو ألعاب الفيديو، دعمًا ملموسًا لهذه الرؤى العقلية، مما يسمح «بِعَيْشِ» ما كان في السابق مجرد فكرة. فجيل دولوز Gilles Deleuze كان يرى وقتها - في اشتغاله على تحقيق الممكن - أن الافتراضي ليس عكس الواقع بل هو جزء من الواقع لم يتم "تحديثه" بعد، وهو ما دفع ميشيل فوكو Michel Foucault في أعماله للتمييز بين عن المفكَّر فيه le pensé، واللامكفَّر فيه l’impensable. هكذا أصبح غير المفكَّر فيه le non pensé هو المنسي أو المهمل. فالخيال l’imagination (أحيانا باعتماد على المخيال imaginaire كقاعدة بيانات مؤطرة ثقافيا) يستمد من هذا المخزون الإمكانيات لخلق أشكال جديدة، وهو ما يساعد على أن يسمح للافتراضي بالتفاعل.
هكذا، عملت التكنولوجيا المعلوماتية على مسامية الحدود ونفاذيتها بين الواقعي والافتراضي. ومع تطور الواجهات العصبية (أنظر الأبحاث في مجال علوم الأعصاب المعرفية Neurosciences cognitives) تحولت العلاقة بين الافتراضي والخيالي إلى تفاعل دينامي بين قدرة العقل على خلق العوالم وقدرة التكنولوجيا على محاكاتها.
هكذا، أصبح الافتراضي امتداداً للخيالي باعتباره القدرة على تمثل الأشياء الغائبة أو غير الموجودة، في حين يقدم الافتراضي - من خلال تقنيات مثل الواقع الافتراضي أو ألعاب الفيديو- دعمًا ملموسًا لهذه الرؤى العقلية (أو المتخيَّلَة إن شئنا)، مما يسمح «بعيش» ما كان في السابق أو حتى في الحاضر مجرد فكرة. فالخيال يستمد من هذا المخزون الإمكانيات لخلق أشكال جديدة لأنه محرك الإبداع، بينما الافتراضي هو وسيلته، لأنه يحول المفاهيم المجردة إلى تجارب ملموسة. هكذا يولد الواقع المختلط الذي تصبح فيه الحدود بين ما نتخيله وما ندركه ضعيفة أكثر فأكثر وهو ما يؤثر على إدراكنا للواقع اليومي.