المهندس أيت حمو: زراعة وتثمين التين الشوكي بجنوب المغرب رافعة حقيقية للتنمية القروية والاقتصاد الأخضر

المهندس أيت حمو: زراعة وتثمين التين الشوكي بجنوب المغرب رافعة حقيقية للتنمية القروية والاقتصاد الأخضر المهندس الفلاحي أيت حمو. وصورة من إقليم طانطان: مزرعة تحدٌَت الحشرة القرمزية وحافظت على الموروث

يوضح عبد الرحمان أيت حمو، مهندس فلاحي ورئيس الجمعية الدولية للصبار، أثر التساقطات المطرية الأخيرة والتغيرات المناخية على زراعة التين الشوكي (الصبار) بجهة كلميم واد نون.
ويبرز في حوار مع "أنفاس بريس" الحاجة إلى وضع استراتيجية وطنية مُحْكمة للاستفادة المثلى من هذه الزراعة وتوسيع مساحتها بالمغرب.

 

عدت للتو من جولة في بعض الأقاليم بجهة كلميم واد نون ضمن حملة لتوعية المزارعين بأهمية زراعة التين الشوكي. بدايةً، ما هو أثر الأمطار الأخيرة على المناطق التي زرتها؟


بعد سنوات متتالية من الجفاف، جاءت الأمطار الأخيرة لتحيي الأمل وكانت، بحمد الله، عامة إذ همت جميع أنحاء المملكة، وإن أدت الى السيول في بعض أقاليم الشمال. أما في الجنوب فقد كان اهتمامي مركزا على حالة المراعي. ولخصوبة هذه الأراضي، أدت الأمطار الأخيرة إلى انتعاش الأعشاب الرعوية واكتست المنطقة حلة خضراء لم أرى مثلها منذ عقود من الزمن. لاحظت أثر هذه الخضرة في الوجوه المبتسمة للساكنة والمزارعين على الخصوص. 

في سنة ممطرة ألا ترى أن هناك من قد يُهمل زراعة وتثمين التين الشوكي، لأن أهميتها تكمن في مقاومتها للجفاف؟
 
لدينا آمال أن تنعم بلادنا بمواسم ممطرة لسنوات عديدة لكن يجب الانتباه إلى أن أمطار هذا الموسم بما رافقتها من سيول ليست عادية. هذه ظاهرة متطرفة نتجت عن اختلال في النظام المطري بسبب التغيرات المناخية. لذلك، وعكس ما قد يذهب إليه البعض كما أشرت، تُعتبر هذه السنة جيدة لتوسيع مساحات التين الشوكي لأن هذا النبات يساهم بفعالية في الحد من التغيرات المناخية من خلال قدرته على امتصاص الكربون والتخفيف من الاحتباس الحراري، تثبيت التربة والحد من الانجراف ومقاومة الجفاف وندرة المياه.

 

إذن يمكن اعتبار الصبار أو التين الشوكي نبات استراتيجي للمغرب، فما هي وضعية هذه الزراعة حاليا، خاصة في الجنوب؟

نعم هو كذلك، نبات استراتيجي بامتياز! لأن التقديرات، وإن اختلفت حسب المصادر، تشير إلى أن نسبة المناطق الجافة والشبه الجافة في المغرب تتجاوز 80 % وأن المساحة المسقية تتراوح نسبتها حول 16% من إجمالي الأراضي المزروعة. لذلك، سيكون من المفيد لبلدنا توسيع نطاق زراعة الصبار على مساحات شاسعة وفي مناطق مختلفة. فإلى حدود سنة 2014 كنا نتوفر على مساحة تقدر ب 150 ألف هكتار (وهي مساحة صغيرة بالمقارنة مع تونس التي تتحدث مصادرها عن 600 ألف هكتار) ولكن الحشرة القرمزية دمرت معظم تلك المزارع. لقد كانت الحشرة القرمزية التي ظهرت ذات يوم من شهر أكتوبر 2014 بسيدي بنور -كانت- كارثة بيئية واقتصادية يصعب تقدير حجمها. 


اليوم يواصل المغرب استعادة المساحات المفقودة من خلال برنامج وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات وأيضا من خلال المبادرة الخاصة التي يقوم بها المزارعون في مختلف انحاء المملكة.
في الجنوب رافقني أحد المزارعين في جولة لمنطقة زيني (60 كلم جنوب طانطان) وهي منطقة جميلة جدا (أنصح محبي السياحة الداخلية لاستكشافها). و طوال الجولة لم يتوقف مرافقي عن الحديث عن ماضي الصبار بالمنطقة. 
قال لي بحسرة ويده تشير إلى سفوح الجبال، كانت هذه المنطقة مكسوة بالصبار ولا تكاد تجد منطقة خالية دون أن تجد فيها ألواح للصبار فقد كانت المساحات حسب تقديرات مصادر فلاحية تتجاوز 1500 هكتار توفر إنتاجا سنويا يفوق 100 ألف طن من الفاكهة. يتم تسويق جزء منها ومن عادة الساكنة تجفيف التين الهندي وتخزينه للاستهلاك خلال فصل الشتاء. وكانت الواح التين الشوكي، يضيف مرافقي، تلعب دورا مركزيا في تغذية قطعان الإبل 
لاحظت أثار تلك الثروة النباتية التي حولتها الحشرة القرمزية إلى أطراف جذوع متخشبة. سألت صديقي عن الإبل التي كنت اشتاق لرؤيتها فأخبرني أن القطعان تتواجد حاليا في الجنوب بحثا عن المراعي
في الطريق استوقفني مشهد مزارع نجح في الحفاظ على بستانه حيث كان يراقب ويعالج الحشرة القرمزية باستمرار (الصورة -
إقليم طانطان: مزرعة تحدٌَت الحشرة القرمزية وحافظت على الموروث).

 

كيف ترى مستقبل هذه الزراعة في المغرب بعد كارثة الحشرة القرمزية، على ضوء برامج توسيع المساحات وأيضا بالمقارنة مع تجارب دول أخرى؟

الصورة التي أحاول ترسيخها لدى المزارعين هي قصة بستان مر بثلاث مراحل: كان عشوائيا تتداخل فيه الأشجار حتى أن نصف المحصول لا يتم جنيه بسبب صعوبة الوصول إلى كل الألواح، ثم جاءت الحشرة (و رب ضارة نافعة) فدمرت ذلك البستان والآن يتم إعادة الغرس بطرق صحيحة (ككل الأشجار المثمرة) حيث يسهل تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة (تشذيب، تخفيف الثمار، انتاج خارج الموسم ....) ويسهل أيضا مراقبة ومحاربة الآفات وهي، بالمناسبة، متعددة ولا تقتصر على الحشرة القرمزية.


بالنسبة لمستقبل الزراعة، بالموازاة مع جهود إعادة انتشار الصبار، يجب وضع استراتيجية وطنية مُحْكمة للاستفادة المثلى من هذه الزراعة. يمكن بناء هذه الاستراتيجية على الأسس التالية:
1- يتمتع المغرب بتنوع زراعي مناخي كبير، يمتد من المناخ المتوسطي الرطب بالشمال إلى الصحراوي الجاف بالجنوب لذلك كنت دائما أقول لكل منطقة صبارها. فليس من المنطق أن ننهج نفس التقنيات الزراعية في كل الجهات. فمثلا في المناطق التي زرتها بجنوب المملكة لا يجب المجازفة بزراعة اصناف الصبار المثمرة، سيكون من الأفضل التركيز على زراعة الأصناف العلفية (تجربة البرازيل) وبذلك يمكن لبلدنا أن تتبوأ مكانة مرموقة في صناعة حليب ولحوم الإبل وهي منتجات ذات قيمة إضافية عالية.


2- ونحن نضاعف المساحات المزروعة يجب التفكير مليا في التثمين. فلا جدوى من مُنتَج لا يُسوق بقيمة تُبرر إنتاجه. لذلك يجب تشجيع البحث والابتكار في مجال التحويل الزراعي-الصناعي. ففضلا عن الفاكهة الطازجة التي تشكل المنتج الرئيسي للمزارعين يمكن استخلاص عشرات من المستحضرات ترفع من القيمة المضافة للتين الشوكي، فاكهةً وألواحًا. يجب أيضا، و في إطار التعاون جنوب ـ جنوب، الانفتاح على تجارب الدول الرائدة في المجال مثل البرازيل والمكسيك. فمثلا خلال هذا الأسبوع   قرأت في بعض الصحف المكسيكية عزم شركة يابانية على تنفيذ استثمار في مشروع للطاقة المتجددة يعتمد على الكتلة الحيوية للتين الشوكي لإنتاج الغاز الحيوي.  نعم الغاز الحيوي ... وكم نحن في حاجة لمثل هذه المشاريع.


3- يجب تأهيل العنصر البشري أي المزارعين. فلا يكفي أن نقوم بزراعة أراضيهم ونتركهم دون تأهيلهم للتدبير الجيد للبساتين قصد تحسين الإنتاج كمٌَــــــا وجودةً. فبمزارعين مهنيين يمكن تحقيق انتاج تنافسي في السوق الدولية. هذا التأهيل يمكن تحقيقه بفضل دورات التكوين (وهنا لا بد من التنويه بجهود المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية) وأيضا بخلق المدارس الحقلية ومزارع نموذجية مناسبة لكل جهة.