يونس مجاهد: تقرير مصير الفكر والإدراك

يونس مجاهد: تقرير مصير الفكر والإدراك يونس مجاهد

من المعلوم أن مبادئ حقوق الإنسان تتطور، باستمرار، لتستجيب وترافق التحولات التي تشهدها البشرية، وفي هذا السياق، فإن الانفجار العظيم للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبح يطرح متطلبات جديدة، في هذا المجال، من أجل تقرير مصير الفكر والإدراك، وحماية البيانات العصبية للناس، ووقايتهم من التلاعب المعلوماتي.

 

وقد برزت على السطح هذه المطالب، بعد أن تبين أن المنظومة الحقوقية والأخلاقية والقانونية، أصبحت عاجزة عن حماية حقوق الناس، تجاه ما تفرزه التقنيات الجديدة من تحديات، مثل تطبيق اختراق الدماغ والتأثير على أعصاب المستهلكين، باستغلال الردود اللاشعورية للدماغ التي تتجاوز الإرادة والإدراك الواعي، وتحويل البيانات العصبية الحميمية إلى سلعة تستخدم لمراقبة الحالات العقلية، بدون حماية قانونية كافية، إضافة إلى التلاعب التجاري والعسكري والأمني.

 

ويحذر العلماء من أن المستقبل مقلق، مع انتشار علوم الواجهات الدماغية، حيث يصبح التلاعب العاطفي، واستخراج الأفكار السرية، وحقن المعلومات مباشرة في الدماغ أمورا ممكنة، مما يهدد حرية التفكير والإرادة الحرة في أعمق مستوياتها، ويحول العقل البشري إلى ساحة جديدة للاستغلال التجاري، والسيطرة السياسية، والصراع الجيوستراتيجي.

 

وكان المقرر الأممي الخاص بحرية التدين والمعتقد، أحمد شهيد، قد اقترح سنة 2021، ضرورة تبني تشريعات تضمن الحماية الأخلاقية والقانونية اللازمة لكرامة الإنسان وخصوصيته العقلية، مشددا على أن حقوق الإنسان وحرية الفكر تفقد معناها إذا لم تمتد لتشمل حماية البيانات العصبية والوصول إليها، لذلك وجب تحديث المنظومة الحقوقية الدولية.

 

وتطرقت الباحثة الأمريكية، الإيرانية الأصل، نيتا فرحاني، في كتابها الصادر سنة 2023، تحت عنوان "المعركة من أجل عقلك"، إلى مختلف هذه الإشكالات، محذرة من خطورة تتبع وفك تشفير الدماغ، وقرصنته أو التلاعب به. لذا اعتبرت أنه من الضروري بناء مفاهيم جديدة حول الحق في الحرية الإدراكية والخصوصية العقلية، والحق في تقرير مصير أدمغتنا. ويستدعي كل هذا، الإعلان عن حق معترف به، هو حق تقرير المصير المعلوماتي.

 

وتتداخل علوم الأعصاب والدماغ مع تقنيات التواصل الرقمي والذكاء الإصطناعي، التي تستعمل جميع أنواع الخوارزميات التنبؤية التي يمكنها تحديد ما نفكر أو نشعر به، إذ بعد قضاء بعض الوقت على منصات التواصل الإجتماعي، تصبح الخوارزمية قادرة، على تحديد تفضيلات الشخص ورغباته وتحيزاته، وتقسيمها، وهذا ما يمكنها من التلاعب بشكل خفي بسلوك الناس، من خلال تشكيل آرائهم وجعلهم يعتقدون أن ما يهمهم ويشغلهم موجود بكثرة في العالم.

 

فالخوارزميات تشكلت، منذ البداية، لتؤدي هذه الوظائف، لأنها ليست مجرد تقنيات محايدة، والشركات العالمية، التي صممتها، تستهدف الوصول إلى هذه الغايات، وتعجز القوانين الحالية، المؤطرة للتواصل الرقمي واستخدام الذكاء الإصطناعي، على حماية الناس من التلاعب بأدمغتهم وتوجهاتهم، خاصة وأن التجارب، التي تقدمت كثيرا في علوم الأعصاب غير خاضعة، بالشكل الكافي للمراقبة القانونية والأخلاقية، حتى لا توظف ضد إرادة الإنسان وحريته. لذلك أخذت المطالب بتطوير المنظومة الحقوقية تتزايد، لتشمل حماية الناس، من الأضرار الجانبية للتقدم العلمي.

 

ومن هذه الأضرار البارزة، اليوم، على سطح شبكات التواصل الاجتماعي، هو استغلالها من طرف الأفراد والجماعات، التي تلجا للتضليل، بترويج خطاب الشعبوية، هدفها دغدغة خادعة لمشاعر الجمهور، ونشر خطاب المظلومية، لاستدرار العطف، غايتها تمرير خطاب الحقد والتهجم على الناس والتشهير بشرفهم وذمتهم، واستعمال تقنيات الإستجداء، التي تمارس من طرف المتسولين، لكسب بعض المداخيل المالية، ونشر الأكاذيب، لزيادة عدد المشاهدات، وهي كلها أساليب تساعد الخوارزميات على تضخيمها، لأنها صنعت من أجل  التلاعب، لذلك تضع في واجهتها المفضلة، السخرية السوداء، والخطاب الاستفزازي، والتضليل المعلوماتي.


وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الصراع الدائر في وادي السيليكون، الذي يتحكم في أغلب هذه التقنيات، يسيطر عليه ما يسمى باليمين البديل، المعادي للتيارات المناهضة للرأسمالية، ويرفض هذا التيار اليميني المتشدد، الضبط الأخلاقي للمحتوى، ويبرر إطلاق تقنيات الذكاء الاصطناعي، دون قيود قيمية صارمة، كما يقاوم سياسات التنوع والإنصاف. وبالمقابل يروج لتفوق القومية البيضاء، ولا يعترف بالتعددية، ويعادي الهجرة والمجتمع المتعدد الثقافات، ويدعو إلى الانغلاق الهوياتي، كما يناهض الحركات التقدمية والديمقراطية الليبرالية، وينظر إلى الحركات النسوية كخطر على النظام الطبيعي للأسرة.


لذلك يعتبر عدد من الباحثين والحقوقيين، أن مفهوم التكنولوجيا الشاملة، التي تتحكم اليوم في العالم، تحمل مشروعا سياسيا وأيديولوجيا، من خلال إرادة التحكم والتلاعب بالأعصاب والوعي والدماغ، ولا يمكن مواجهتها إلا باقتراح خطوط تفكير جديدة، من بينها جعل التربية على الإعلام في قلب التنشئة الاجتماعية، ونشر الفكر النقدي، وتبني مبادئ حديثة لتقرير المصير المعلوماتي.