القاسمي: صعود الفاعل المدني الجديد.. تحالف أفقي متعدد الهويات من أجل العدالة والحرية وإشكالية الامتداد

القاسمي: صعود الفاعل المدني الجديد.. تحالف أفقي متعدد الهويات من أجل العدالة والحرية وإشكالية الامتداد الدكتور المصطفى قاسمي

مقدمة

في العقود الأخيرة، وفي خضم النزاعات الدولية وخاصة الحرب في غزة منذ 2023، ظهرت ظاهرة جديدة في السياسة العالمية تُعرف بـ الفاعل المدني الجديد. وهو فاعل لا يشبه المنظمات المدنية التقليدية (NGOs)، ولا الأحزاب السياسية، بل هو تحالف أفقي متعدد الهويات يجمع بين نشطاء حقوقيين، طلاب، مواطنين من خلفيات عرقية ودينية مختلفة، ومجموعات شبابية عبر الإنترنت، بهدف تحقيق العدالة والحرية في القضايا الإنسانية الكبرى.  

ترتكز هذه الظاهرة على فكرة أن العمل المدني لا يقتصر على المنظمات التقليدية، بل يمكن أن يشمل تيارات اجتماعية شعبية تترافق مع تكنولوجيا الاتصال الحديثة، وتشكّل شبكات دعم عالمية تتجاوَز حدود الدول والقوميات.



1. مرتكزات الفاعل المدني الجديد

أ. أفقيته وتعدديه الهوياتي

الفعل المدني الجديد لا يقف على هوية واحدة أو انتماء حزبي/ديني/عرقي محدد، بل يتأسس على:
• شبكات تواصل اجتماعي رقمية تدعم التضامن والاحتجاج عبر الحدود.
• تعاضد مجموعات حقوقية وشبابية وأكاديمية في حملات مشتركة ضد ما يعتبرونه “انتهاكات للحقوق والعدالة”.
• توحيد مطالب مختلفة تحت سقفٍ واحد: العدالة والحرية الإنسانية الشاملة.  

 

ب. دور المنظمات الحقوقية الدولية

على مدى الأعوام الأخيرة، شاركت العديد من المنظمات الدولية في المطالبة بالحقوق المدنية على خلفية النزاع في غزة وسواها. وقد أدانت تقارير دولية حالات عديدة شهدت تقييد حرية التعبير أو التجمع، معتبرة أن النزاعات الكبرى أثّرت على حرية الرأي والتعبير حول القضايا الإنسانية العالمية.  

تمكن هذه المنظمات من توسيع نطاق الحملات التضامنية لتشمل أبعادًا حقوقية مستقلة عن الدولة، ما ساهم في صعود فاعل مدني عالمي مشترك.



2. إشكالية الامتداد: من أوروبا إلى العالم

أ. إلى أي حد يمكن أن يمتد هذا الفاعل في أوروبا أولاً؟

تشير تحركات الاحتجاجات التضامنية في أوروبا خلال النزاعات الكبرى (مثل غزة) إلى أن الشارع الأوروبي أصبح ميدانًا نشطًا للفاعلين المدنيين الجدد. ففي مدن كبرى مثل باريس ولندن وبرلين، تحوّلت الاحتجاجات إلى شبكات تضامنية دائمة، ليس فقط تضامنًا مع القضية، بل للدفاع عن مبادئ العدالة والحرية بشكل عام، ما يعكس تناميًا حقيقيًا لقدرة هذه الحركات على التأثير في الفضاء العام الأوروبي.  

بعبارة أخرى، تمتد هذه الظاهرة في أوروبا ليس فقط كرد فعل مؤقت، بل كشبكات مدنية متماسكة تشكّل رأيًا عامًا يؤثر في السياسات الاجتماعية للمجتمعات الأوروبية.

 

ب. إمكانية امتدادها عالميًا

التحركات التي اجتاحت أوروبا لم تقتصر على القارة وحدها، بل تكرّرت في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا بطرق مختلفة. ويُعدّ التضامن المدني الدولي اليوم أكثر ترابطًا، مدفوعًا بوسائل الاتصال الحديثة التي تسهّل تنسيق الاحتجاجات وأدوات الضغط على مستوى عابر للدول.  

إذا بقيت الظروف الاجتماعية–الاقتصادية والنزاعات الإنسانية نفسها، فإن الفاعل المدني الجديد قادر على امتداد أوسع، ليس فقط كأحداث احتجاجية لحظية، بل كشبكات ضغط ثقافية وسياسية مستمرة على الصعيد العالمي.



3. مدى تأثير الفاعل المدني الجديد على الخريطة السياسية الدولية

أ. ضغط وتحويل السياسات العامة

الفاعل المدني الجديد أصبح مؤثرًا على القرارات السياسية للعديد من الدول، حيث يسلّط الضوء على قضايا محددة ويؤثر على مزاج الرأي العام وتوجهات الحكومات.
وقد أكدت دراسات أن ضغط المجتمع المدني يمكن أن يدفع الدول إلى تغيير مواقفها أو التعبير عن تضامن سياسي في النزاعات.  

 

ب. إضعاف نماذج السلطة التقليدية

في أحيان كثيرة، يكون الفاعل المدني الجديد أسرع وأكثر مرونة من المؤسسات الحكومية التقليدية في استيعاب وتحريك الرأي العام، ما يؤدي إلى:
• تراجع قدرة الدول على التحكم في سرديات الأحداث.
• زيادة دور الجوانب الشعبية في تشكيل السياسات الخارجية.
• التأثير في قرارات منظمات دولية عبر حملات إعلامية منظمة.



4. مدى صمود القرار الدولي أمام هذا الفاعل الصاعد

أ. ضعف المجتمع المدني التقليدي مقابل قوة الفاعل الجديد

المجتمع المدني التقليدي يعاني في بعض الدول من أزمات تمويل وصورة نمطية، بينما يتمتع الفاعل المدني الجديد بقدرة على التحرك السريع والشبكات الرقمية التي تضمن انتشارًا عالميًا.
هذا يعني أن القرار الدولي الرسمي قد يصبح أكثر عرضة للتأثر بالضغوط المدنية العالمية، خاصة في القضايا الإنسانية التي تلامس ضمائر الشعوب العالمية.  

 

ب. تحديات الشرعية والتنسيق

رغم هذا التأثير، يظل الفاعل المدني الجديد ليس لديه شرعية دستورية كما لدى الدول أو المنظمات الدولية الرسمية؛ ما يعني أن قراراته تبقى تعبيرية أكثر منها رسمية، وقد تواجه مقاومة من الهياكل التقليدية للدولة والمنظمات الدولية.



5. مصير الديمقراطية في ظل هذا التحول

أ. ديمقراطية أكثر تفاعلية وتشاركية

يمكن اعتبار ظهور الفاعل المدني الجديد توسعًا في الديمقراطية نحو:
• مشاركة أوسع في النقاش العام.
• تحريك رأي عام عالمي يتجاوز السياسات التقليدية.
• توسيع دائرة تأثير المواطن.

 

ب. تهديد الاستقرار المؤسسي؟

في المقابل، إذا لم يُدمج هذا الفاعل الجديد ضمن آليات تشريعية أو مؤسسية واضحة، فإن وجوده قد يؤدي إلى فراغات في المساءلة الديمقراطية؛ حيث يكون الفاعل المدني قوة ضغط خارج آليات الانتخابات والمساءلة المؤسسية، مما يستدعي إطارًا تنظيميًا جديدًا لدمج تأثيره ضمن بنى الديمقراطية الحديثة.

 

 

خاتمة

إن صعود الفاعل المدني الجديد يعبّر عن تحول نوعي في السياسة العالمية، حيث لم يعد القرار السياسي حكراً على المؤسسات الرسمية وحدها، بل توسّع ليشمل رأيًا عامًا عالميًا منظمًا عبر شبكات متعددة الهويات.


هذا التحول يعكس عصرًا جديدًا في الديمقراطية والحقوق المدنية العالمية، ويضع أمام التحديات التالية:
• كيف تدمَج هذه الحركات في النظم الدولية؟
• هل يمكن أن تؤثر في القوانين الدولية؟
• وهل تصبح شريكًا فاعلًا في صنع السياسات المستقبلية؟

 

 

الدكتور المصطفى قاسمي/ أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري.
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية