محمد السباعي
شكّل دستور 2011 محطة مفصلية في مسار البناء الدستوري المغربي، إذ لم يكتفِ بإعادة تنظيم السلط وتوازناتها، بل تجاوز ذلك نحو نقل الدولة من نموذج الديمقراطية التمثيلية الصرفة إلى نموذج أكثر اتساعاً يقوم على الديمقراطية المواطنة والتشاركية. لقد أكد الدستور، في أكثر من فصل، أن النظام الدستوري للمملكة يتأسس على الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك المواطنات والمواطنين في الشأن العام . غير أن الاختبار الحقيقي لأي دستور لا يتم في شكليات النصوص، بل في قدرته على الصمود أمام لحظات المحن والأزمات. وتُمثل الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها الفيضانات المدمرة التي اجتاحت إقليم تاونات، مختبراً حقيقياً لكشف مدى قدرة الدولة على تفعيل فلسفتها الدستورية على أرض الواقع. ذلك أن تدبير الكارثة لم يعد مجرد تدخل تقني أو أمني ضيق، بل صار تدبيراً اجتماعياً-مؤسساتياً مركبه الأساسي هو الثقة، والتواصل، والتعاون بين كافة الفاعلين. وفي هذا السياق، يطرح غياب التنسيق المنهجي بين السلطات المحلية والمجتمع المدني سؤالاً علمياً مركزياً: هل يعود هذا الغياب إلى خيار إداري تقديري مشروع، أم أنه يعكس اختلالاً بنيوياً في تنزيل المقاربة التشاركية التي حسم فيها الدستور المغربي حسمًا لا رجعة فيه؟
أولاً: المقاربة التشاركية في البناء الدستوري المغربي بين النص والالتزام
كرّس دستور 2011 موقع المجتمع المدني بوصفه شريكاً مؤسساتياً في صناعة القرار العمومي، وانتقل به من هامش المبادرات الفردية إلى صلب التدبير العمومي الملزم. فقد نص الفصل 12 صراحة على أن الجمعيات المهتمة بالشأن العام تساهم في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وفي تفعيلها وتقييمها، وألزم هذه السلطات بتنظيم هذه المشاركة وتوفير شروطها . ولم يكتفِ الدستور بذلك، بل أضاف في الفصل 13 التزاماً صريحاً على السلطات العمومية بإحداث هيئات للتشاور، هدفها إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها . وعلى المستوى الترابي، وهو الأكثر قرباً من المواطن، نص الفصل 139 على إحداث آليات تشاركية للحوار والتشاور، تمكن المواطنين والجمعيات من المساهمة في برامج التنمية وتتبعها وتقييمها . يتضح من هذه النصوص أن المشاركة لم تعد امتيازاً تمنحه الإدارة لمن تشاء، بل أصبحت حقاً دستورياً للمواطنين وجمعياتهم. كما أن التشاور لم يعد خياراً سياسياً تقديرياً، بل تحول إلى التزام قانوني واجب التنفيذ. ويأتي هذا التوجه الدستوري الطموح في سياق عالمي أوسع، يعرف تراجعاً نسبياً لفعالية الديمقراطية التمثيلية وحدها، وبروزاً متزايداً لنماذج الديمقراطية التشاركية القائمة على إشراك المواطنين في تدبير الشأن العام، والشفافية، والمساءلة، والقرب .
ثانياً: تدبير الكوارث الطبيعية مجال خصب للحكامة التشاركية
تتفق أدبيات السياسات العمومية الحديثة على أن إدارة الكوارث الطبيعية لا تقتصر على بعدين اثنين هما التدخل التقني والتدخل الأمني، بل تقوم على ثلاثي متكامل: التدخل التقني لإنقاذ الأرواح وتأمين البنية التحتية، والتدخل الاجتماعي لرعاية المتضررين وتأهيلهم، والتواصل المؤسساتي لضبط تدفق المعلومات وبناء الثقة. وفي هذا الثالوث، يتبوأ المجتمع المدني موقعاً مركزياً لا غنى عنه، وذلك لأسباب ثلاثة: أولاً، لأنه يشكل قناة حيوية لنقل المعلومات الميدانية الدقيقة من مناطق الكارثة إلى السلطات العمومية. وثانياً، لأنه يعمل كوسيط ثقة بين الدولة والسكان، خاصة في المناطق التي تعاني هشاشة في العلاقة مع المؤسسات. وثالثاً، لأنه يمتلك قدرة فريدة على ممارسة الوساطة الاجتماعية والإنسانية، وامتصاص الاحتقان قبل تحوله إلى احتجاج مفتوح. من هنا، فإن إقصاء المجتمع المدني أو تهميشه أثناء الفيضانات والزلازل لا يمثل مجرد زلة إجرائية، بل يشكل إخلالاً بنيوياً بمنطق الحكامة التشاركية. فالدولة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام العام بالقوة، بل تُقاس قبل ذلك وبعده بقدرتها على إدارة العلاقة مع المجتمع وإنتاج الثقة المؤسساتية.
ثالثاً: فيضانات إقليم تاونات — من الأزمة الطبيعية إلى أزمة الحكامة
شهد إقليم تاونات فيضانات عارمة خلّفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، وأفرزت، في المقابل، تعبئة مدنية واسعة وغير مسبوقة. فقد بادرت هيئتان مدنيتان بارزتان، هما لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات ولجنة نداء كرامة تاونات، إلى تقديم مقترحات عملية للتنسيق الميداني والتعاون المشترك مع السلطات المحلية، بهدف التخفيف من معاناة الساكنة المنكوبة وضمان وصول المساعدات بشكل عادل وفعال. غير أن عدم التفاعل المؤسسي الجاد مع هذه المبادرات، أو الرفض الضمني لإشراكها في صلب التدخل، يطرح إشكالية تتجاوز حدود الحادثة المحلية لتلامس جوهر التحول الدستوري المغربي. إن ما تكشفه هذه الحالة ليس مجرد سوء تفاهم ظرفي بين إدارة وجمعيات، بل انتقال غير مكتمل، بل غير متوازن، من نموذج "إدارة الضبط الإداري" الذي يقوم على الاحتكار والتوجيه، إلى نموذج "إدارة الوساطة الترابية" الذي يقوم على التشاور والشراكة. نحن هنا إزاء مفارقة مؤسساتية صارخة: النصوص الدستورية تفرض تنظيم مشاركة المجتمع المدني واعتباره شريكاً، لكن الممارسة الترابية لا تزال تُبقيه خارج دائرة القرار الفعلي. الفجوة إذن ليست بين الدولة والمجتمع، بل بين روح الدستور وجسد الممارسة.
رابعاً: تفسير الفجوة بين النص الدستوري والممارسة الترابية
لا يمكن فهم استمرار هذه الفجوة دون تحليل العوامل البنيوية التي تُنتجها وتعيد إنتاجها. يمكن اختزال هذه العوامل في ثلاثة مستويات متراكبة. أولها العامل الثقافي-الإداري: إذ لا تزال بعض الإدارات الترابية تعمل وفق نموذج تاريخي تراكمي، يقوم على احتكار المعلومة، ومركزية القرار، وعمودهيه التدخل. وفي هذا النموذج، يُنظر إلى الجمعيات، حتى تلك ذات الطابع الإنساني المحض، بوصفها فاعلاً احتجاجياً محتملاً، لا شريكاً مؤسساتياً واجب الاعتراف به. ثانيها العامل المؤسساتي: فقد كان التحول الدستوري سريعاً وطموحاً، لكنه لم يُواكب دائماً بآليات تنظيمية وتشريعية وإدارية كافية لترسيخ ثقافة التشاور والمشاركة في جسم الإدارة الترابية. يكاد يكون غائباً، في كثير من الأحيان، التكوين المؤسساتي المستمر للموظفين الترابيين في مجالات التواصل والحوار والوساطة. وثالثها عامل تدبير الأزمات تحديداً: ففي حالات الكوارث، يسود ميل طبيعي لدى الإدارة إلى تفعيل "المقاربة الأمنية" بوصفها الأسرع والأكثر قابلية للضبط، رغم أن أدبيات الكوارث تثبت أن الأزمات الاجتماعية والإنسانية الكبرى تتطلب بالأساس مقاربة تواصلية/تشاركية، لا مقاربة زجرية/أمنية.
خامساً: الآثار المركبة لغياب التنسيق التشاركي
لا يقتصر أثر ضعف التنسيق بين الإدارة والمجتمع المدني على الصعوبات اللوجستية الآنية في إيصال المساعدات، بل يمتد ليشمل آثاراً مؤسساتية واجتماعية عميقة وطويلة المدى. من أبرز هذه الآثار: تفشي الإشاعة والشائعات في غياب المعلومة الرسمية الدقيقة وسريعة الانتشار، مما يخلق حالة من التيه المعلوماتي لدى المتضررين. وارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي والإحباط لدى الساكنة التي ترى نفسها مهمشة حتى في لحظة محنتها. ويترتب على ذلك فقدان متزايد للثقة في المؤسسات المنتخبة والسلطات المحلية، بل وفي قدرة الدولة على الوفاء بوعدها الدستوري بالقرب والإنصاف. وهنا تكمن الخطورة: فحين تتحول الكارثة الطبيعية إلى أزمة شرعية محلية، يصبح إصلاح الضرر الماديّ وحده غير كافٍ. المشكلة لم تعد فيضانات فقط، بل أصبحت أزمة ثقة مؤسساتية تتطلب مقاربة سياسية وترابية شاملة، لا تدخلات إنسانية تجزيئية.
سادساً: الديمقراطية التشاركية آلية للوقاية من الأزمات الاجتماعية
خلافاً للنظرة الضيقة التي تختزل الديمقراطية التشاركية في بعدها السياسي المحض، ينبغي فهمها بوصفها، أيضاً، أداة فعالة لإدارة المخاطر والوقاية من الأزمات. فالمجتمع المدني، حين يُشرك بشكل حقيقي، يضطلع بثلاث وظائف حيوية في زمن الكوارث: أولها الإنذار المبكر، من خلال ربط المواطنين بمراكز ونقل إشارات الخطر قبل تفاقمها. وثانيها الوساطة الاجتماعية، التي تمنع تحول الاحتقان إلى مواجهة مفتوحة، وتوفر قنوات للحوار بين المتضررين والمسؤولين. وثالثها امتصاص التوتر، عبر توفير تفسيرات للمعطيات، وترشيد مطالب الساكنة، وإنتاج خطاب طمأنة مبني على الواقع لا على التمني. من هنا، فإن التنسيق المنهجي والمؤسساتي مع الجمعيات أثناء الكوارث ليس مجاملة سياسية ولا ترفاً ديمقراطياً، بل هو إجراء وقائي بامتياز، يندرج في صلب الحكامة الترابية الجيدة ويوفر على الدولة وعلى المواطنين معاً تكاليف باهظة قد تنجم عن انفجار الأزمة اجتماعياً.
خلاصة القول: تاونات مختبراً لتنزيل روح الدستور
تكشف تجربة فيضانات إقليم تاونات، في خلاصتها العميقة، أن الإشكال المطروح لا يتعلق فقط بتدبير كارثة طبيعية، ولا بخلاف ظرفي بين إدارة ترابية وجمعيات محلية. إنه يعكس، بجلاء، تحدياً بنيوياً أعمق يتمثل في صعوبة تنزيل النموذج الدستوري للحكامة التشاركية على المستوى المحلي. لقد حسم الدستور المغربي خياره بوضوح: المجتمع المدني شريك مؤسساتي في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها. غير أن الممارسة الترابية، في أكثر من محطة وأكثر من إقليم، ما تزال أسيرة منطق السلطة والاحتكار، بعيدة عن منطق الشراكة والإنصات. إن تجاوز هذه الوضعية المأزومة لا يمر عبر تبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية بين الأطراف، بل عبر الشجاعة المؤسساتية لوضع آليات دائمة وملزمة للتشاور المنتظم بين الإدارة والمجتمع المدني. فالمقاربة التشاركية، في زمن الكوارث والمحن، لم تعد ترفاً ديمقراطياً ولا مقتضى دستورياً فحسب، بل صارت شرطاً لنجاعة التدخل الإنساني، وضمانة لحماية السلم الاجتماعي، واستثماراً استراتيجياً في مستقبل الثقة بين الدولة والمواطن. وهكذا، يمكن القول إن فيضانات تاونات لم تختبر فقط جاهزية البنيات التحتية واللوجستيكية، بل اختبرت، بشكل أعمق، مدى جاهزية الحكامة الترابية المغربية لتفعيل روح دستور 2011 في أصعب اللحظات وأكثرها كشفاً.
محمد السباعي، خبير في مجال حقوق الإنسان