زكية لعروسي: وجدة حين تفتح دفاتر الطين وتوقّع باسمها في سجلّ الخلود

زكية لعروسي: وجدة حين تفتح دفاتر الطين وتوقّع باسمها في سجلّ الخلود زكية لعروسي

في الشرق، حيث تشرق الشمس على مهل كأنها تستأذن التاريخ، تنهض وجدة من بين طبقات الزمن كما تنهض قطعة فخّار من تحت غبار القرون. ليست مدينة عابرة  في خرائط مغربنا، بل مخطوطة حجرية، قصيدة منقوشة على خاصرة المغرب، طالها النسيان حينا، وغمرها الصمت حينا آخر، لكنها ما انفكّت تخفي في جوفها جمرا من الذاكرة ينتظر نسمة ليشتعل.

ها هي اليوم، عبر المؤتمر الثاني للأركيولوجيا للتراث الجارح والوحيد من نوعه، ستعلن أن  المنطقة الشرقية ليس هامشا في كتاب الوطن، بل صفحة أولى تقرأ بحبر من ذهب. مؤتمر ستحتضنه جامعة محمد السادس بوجدة، وتباركه رئاسة جامعية آمنت بأن الجامعة ليست جدرانا تلقّن المعارف، بل منارات تشعّ نورا على محيطها، وتعيد للتراب كرامته حين يصغي إليه العلماء.
إن  لفعل رئيس جامعة محمد الأول بوجدة. الدكتور ياسين زغلول (Yassine Zaghloul)،  معنى يتجاوز البروتوكول الإداري؛ هو فعل ثقافي بامتياز، كمن يفتح نوافذ المؤسسة على رياح العالم، فيدخلها عبق الحضارات. هو موقف رجل أدرك أن الجامعة حين تحتضن الأركيولوجيا، فإنها لا تنبش الماضي فحسب، بل تبني المستقبل على أساس من فهم عميق للهوية.
وفي قلب هذا الحلم تقف الباحثة والعالمة نزهة بودهو، غيورة على تراث المنطقة الشرقية غيرة أمّ على طفلها، تسقي ذاكرة الأرض من جهدها، وتصغي إلى همسات العظام الصامتة، وتقرأ في شقوق الصخور رسائل الأسلاف. ليست الأركيولوجيا عندها علما جافا، بل عشق ُقيم، ووفاء لظلّ حضارة ما زالت تتنفس تحت أقدامنا.
نزهة بودهو لا تنقّب في التربة فقط، بل تنقّب في وعينا الجمعي، توقظ فينا السؤال: من نحن؟ وكيف نُصغي إلى صدى خطانا القديمة؟ هي ومن إنضمّ إلى هذه الفعالية الثقافية من علماء وباحثين، يصنعون مشهدا يليق بوجدة، مشهدا يحرّك المياه الراكدة، ويعيد للشرق ألقه الثقافي الذي طالما قورن بمدن مغربية - كبرى مراكش، الدار البيضاء، فاس، الرباط - وكأن الإشعاع حكر على من تعوّدنا تسميتهم بالعواصم.
لكن وجدة اليوم ستقول كلمتها يومي 27 و28 من مارس 2026: الإشعاع ليس جغرافيا، بل إرادة.
هذا المؤتمر، الذي سيضم شخصيات علمية عالمية من شتّى بقاع الأرض، ليس لقاء عابرا للخبراء، بل عرس للمعرفة، ملتقى تتعانق فيه اللغات، وتتقاطع فيه المناهج، وتتجاور فيه خرائط الحضارات. هنا تصافح المتوسط رمال الشرق، وهنا يلتقي صوت الأطلس بصدى الأندلس، وهنا تعاد صياغة الحكاية المغربية بلغة كونية.
وإن كان من كلمة تقال بجرأة المحبّ، فهي أن الأركيولوجيا ليست شأن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وحدها، ولا ينبغي أن تظلّ رهينة مكاتب بيروقراطية مهما حسنت نواياها. التراث مسؤولية الجميع: رجال الأعمال، أبناء المنطقة، من وسّع الله عليهم، كلّ من آمن بأن الاستثمار في الثقافة هو بناء لهيبة المكان. تمويل الأبحاث العلمية، دعم الفعاليات الثقافية، إحتضان المبادرات الفكرية...كلّها جسور نحو إشعاع حقيقيّ يجعل من وجدة قطبا ثقافيا لا يقلّ شأنا عن أيّ مدينة كبرى.
فالمدن لا تكبر بأبراجها فقط، بل بذاكرتها. ولا تقاس عظمتها بعدد الفنادق، بل بعدد الحكايات التي تحرسها.

وجدة، التي طالما وضعت في مقارنة ظالمة مع المدن الإمبراطورية، تستعيد اليوم حقّها في الضوء. ليس ضوءا مستعارا، بل نورا يخرج من صميم تربتها. مؤتمر الأركيولوجيا الثاني هو إعلان صريح بأن الشرق المغربي ليس ظلّا، بل شمسٌ مؤجّلة آن لها أن تتوهّج.

تحية من باريس لرئيس جامعة وجدة الدكتور ياسين زغلول  الذي فتح الأبواب واسعة للعلم.
تحية للباحثة نزهة بودهو التي جعلت من الغيرة على التراث مشروعا حضاريا.
تحية لكلّ يد ساهمت، ولكلّ عقل فكّر، ولكلّ قلب آمن بأن وجدة تستحقّ أن تكتب بحروفٍ كبيرة في دفتر الثقافة العالمية. هنا، في الشرق، لا ينقَّب عن الآثار فحسب...بل ينقَّب عن المعنى.