أحمد الحطاب: هل أحزابنا السياسية مُستَعِدَّة لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية التَّشريعية المُقبِلة بنفسٍ جديدٍ؟

أحمد الحطاب: هل أحزابنا السياسية مُستَعِدَّة لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية التَّشريعية المُقبِلة بنفسٍ جديدٍ؟

ماذا أعني ب"نَفَسٍ جديد"؟ أعني بها أن هذه الأحزاب، قبل أن تُشاركَ في الانتخابات التَّشريعية المقبِلة، من الضروري أن تتوفَّر فيها، على الأقل، الشروط التالية :

1.أن لا ينسى السياسيون المهتمون بالشأن السياسي أن اهتمامَهم بهذا الشأن يعتمِد، فقط وحصرياً، على التَّطوُّع le volontariat. أي سياسي دخل عالمَ السياسة لأغراض أخرى غير خدمة الوطن والمواطنين، فإنه سياسِي انتهازي. العالمُ كلُّه يعتبِر العملَ السياسي عملاً تطوُّعياً، هدفُه الأساسي زرعُ فكرةَ التَّضامن بين مختلف فئات المجتمع. والسياسي الذي أسَّس عملَه على التطوُّع، يشعُر بالافتخار la fierté عندما يُنجِز، لفائدة الآخرين، مشاريعَ اجتماعيةً أو اقتصاديةً تعود بالنفع على الجميع.

2.أن تكون الأحزابُ السياسية وطنيةً بما للوطن من معنى سامي في كل عملٍ سياسي. وهذا يعني أنه يجب عليها أن تكونَ حرةً ولا شيء يأتي، في نشاطِها السياسي، قبل خدمة هذا الوطن. وهذا يعني، كذلك، أنها منبثِقةٌ من صُلب المجتمع وتُعبِّر عن توجُّهاته الفكرية وعن تطلُّعاته.

3.أن تكون لها الجرأة في اتخاذ القرارات والمبادرات دون أن تتلقى الإذنَ من أية جهة أخرى، كيفما كانت. وهذا يعني أنها، كما سبق الذكرُ، حرةً، أي لا تستجيب إلا لنداء الوطن والمواطنين (رجالاً ونساءً).

4.أن تتوفَّرَ لدى قياداتِها النزاهة la probité والشفافية la transparence بتبنِّي تصرفاتٍ، داخلَ الحزب، ترتكِز على الديمقراطية الداخلية. فإذا كانت الأحزاب السياسية تُناضِل من أجل إرساءِ نظام حكمٍ ديمقراطي، فعلى هذه الديمقراطية أن تسودَ داخلَ صفوف الأحزاب السياسية، أولاً وقبل كل شيءٍ.

5.أن ترتكز أفكارُها وأفعالُها على المواطنة la citoyenneté وحب الوطن patriotisme والإحساس بالانتماء له، وكذلك، على الوطنية le civisme. وخير مثالٍ لتثمين هذه القِيَمِ السامية، فلتنظر أحزابُنا السياسية ما حدثَ من تَضامُنٍ ساد بين جميع فئات المجتمع المغربي لما أصابته كوارث كورونا وزلزال الحوز، ومؤخَّرا، فيضانات الغرب! هكذا يجب أن تكونَ أحزابُنا السياسية، على المستوى الأخلاقي قبل أن تُشاركَ في الاستِحقاقات الانتِخابية التَّشرعية المُقبِلة.

6.الشعور بأن وجودَ الأحزاب السياسية، من الضروري أو من الواجب، أن يكونَ مرتبِطاً، أولاً، بالسعي إلى توفير كرامة عيش المواطنين، وثانيا، بالسعي إلى خدمة الصالح العام. لأن الشعور بالانتماء للوطن والشعور بأنه يحظى بحبِّ الجميع، هما اللذان يجب أن يكونَا المُحرِّك الأساسي للعمل السياسي، بصفةٍ عامة، وبالخصوص، العمل الذي تقوم به الأحزاب السياسية التي ستُسنَد لها مهمَّة تدبير الشأن العام.

7.وحينما تصل الأحزاب السياسية إلى البرلمان ومنه إلى الحكومة لتدبير الشأن العام، أن تضعَ لأعمالِها ولسياساتِها العمومية أولوِياتٍ، وعلى رأسِ هذه الأولويات، تأتي محاربة الفساد الذي يتسبَّب سنويا في ضياع ما لا يقلُّ عن 50 مليار درهم، علماً أن أيَّ حزبٍ/أحزاب صعد/صعدت إلى البرلمان والحكومة، إن لم يُحارب/تُحارب الفسادَ، فهو/فهي عاملٌ من عوامل انتشار هذا الفساد. ثم هل يُعقَل أن تؤدِّيَ أية حكومة مهامَّها، على أحسن وجهٍ، وهي مُحاطَة، اقتصاديا واجتماعياً، بالفساد؟

8.أن تسعى جاهِدةً في الرفع من القدرة الشرائية للمواطنين، ولو بالتَّدريج، وذلك، من خلال توزيعٍ عادِلٍ ومُنصِفٍ للثروة التي تُنتِجها البلاد. علماً أن هذه الثروة، إلى يومِنا هذا، لا يستفيد منها المُواطِنون. مَن يستفيد منها، هم أقلِّيةٌ تحتكِر السلطةَ والمالَ. وهذه الأقلِّية موجودةٌ في البرلمان وتُشرِّع، وموجودة في الحكومة وتنفِّذ. ولهذا، فالأحزاب السياسية التي ستُكلَّفُ، بعد الاستحقاقات الانتخابية التَّشريعية، بتدبير الشأن العام، أن تُعلِنَ القطيعةَ مع هذا النوع من التَّدبير الذي يعتمد على الزبونية le clientélisme والمحسوبية le népotisme.

9.أن تقومَ الأحزابالسياسية، وعلى أحسن ما يُرام، بأدوارِها الدستورية والقانونية، وعلى رأس هذه الأدوار توعية المواطنين سياسياً، اجتماعياً وثقافياً، كما كان الشأن في الماضي القريب حيث كانت الأحزابُ السياسيةُ بمثابة مدارس للتثقيف والتوعية السياسية وإنتاج الأفكار على الخصوص. علماً أن رُوادُ ĺes pionniers هذا النوع من السياسيين، بغض النظر عن توجُّهاتُهم الفكرية والسياسية، وألذين قاموا بهذا الدور، هم كثيرون، أذكر منهم على سبيل المثال : السادة والسيدات محمد الخامس وابنُه الحسن الثاني وابنُه محمد السادس، محمد العابد الجابري، المهدي بنبركة، محمد كسوس، عزيز بلال، علال الفاسي، محمد الفاسي، عبد الخالق الطريس، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمان اليوسفي، عبد الله ابراهيم، علي يعتة، محمد حسن الوزاني، المهدي المنجرة، نبيلة منيب، مليكة الفاسي, نزهة الصقلي، لطيفة بناني سميرس… وآخرون وأخريات.

10.أن لا تنسى الأحزاب السياسية أنها وسيطٌ يتموقع بين الشعب، من جهةٍ، والحكومة والبرلمان، من جهة أخرى. بمعنى أن هذا الشعب اختارَ هذه الأحزاب السياسية و وضَعَ ثقتَه فيها لتنوب عنه في تدبير الشأن العام وفي التَّشريع وفي مراقبة عمل الحكومة التي تصوغ السياسات العمومية التي، من المفروض، أن تكونَ في خدمة الصالح العام والمواطنين. علماً أن مصدرَ السلطة، الحقيقي، هو الشعب. ولولا الإرادة الشعبية، ما كان للأحزاب السياسية أن تصعدَ للبرلمان والحكومة. ولذلك، فتَمثيلية الشعب la représentativité du peuple يجب أن تمُرَّ في أحسن الظروف، أي أن لا يغيبَ عن ذِهن السياسيين أنهم، فقط وحصرياً، يُمثِّلون الشعبَ، لا أقل ولا أكثر. بمعنى أن عملَهم السياسي يجب، حتماً، أن يصبَّ كلُّه في خدمة الصالح العام والمواطنين.

هذه ليست إلا بعضٌ من القِيم السامية التي يجب أن تكونَ مُتوفِّرةً لدى كل حزب سياسي، وبالأخص، عند قياداته، سواءً في فترة الانتخابات أو خارِجَها. لماذا؟

لأن أي حزبٍ سياسي، كيفما كانت توجُّهاته الفكرية والإيديولوجية، من واجبه أن يوظِّفَ عملَه السياسي من أجل خدمة الوطن والمواطنين. وبالنسبة لأحزابنا السياسية التي ستشارِك في الاستِحاقات الانتخابِية التَّشرعية المقبِلة، أول شيءٍ يجب أن تتمركز حوله الحملات الانتِخابية، هو مُحاربة الفساد. لماذا؟

لأن الفسادَ هو أكبرُ مُعرقلٍ للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كيف ذلك؟ الفسادُ هو مصدر مصائب كثيرة، أذكر من بينِها، مثلا: اختلاس أو ضياعُ المال العام، الرفع من الكُلفة المالية للمشاريع بنِسبةٍ قد تصل أحيانا إلى 10% من الكُلفة الإجمالية للمشروع، انخفاض الاستثمارات، الأجنبية منها على الخصوص، ازدياد الفقر والهشاشة la vulnérabilité، التَّهرُّب الضريبي، وبالتالي، حرمان خزينة الدولة من موارد مالية مهمة، خلق عدم الثقة في المؤسسات، اتِّساع الفوارق المجالية والفردية، انعدام التنافس، وإذا وُجِد، فإنه غير مشروع، عرقلة خلق المقاولات الصغيرة، انعِدام الحكامة الجيدة   la bonne gouvernance وغياب الأخلاق العالية والمحاسبة la reddition des comptes، إسنادُ المهام لمَن هبَّ ودبّ، أي بدون كفاءة، تدهوُرُ جودة الخدمات التي تقدِّمها المُؤسسات العمومية للمواطنين، وهنا، أخص بالذكر التربية والتَّعليم والصحة، علما أن خدمات هذين المرفِقَين تساهم في بناء الإنسان المغربي وتُعدُّه صحيا ليكونَ عنصُرا مُنتِجاً…

وكل الأموال التي يتسبَّبُ في ضياعها الفسادُ، تُخصَمُ من الثروة السنوية التي تُنتِجها البلادُ، أي من الناتجِ الداخلي الخام. وفي هذا الصدد، لقد قلتُ أعلاه أن الفسادَ يتسبَّب، سنوياً، في ضياع ما لا يقلُّ عن 50 مليار درهم، أي ما مِقدارُه 5000 مليار سنتيم. تصوَّروا معي لو أنفِقَت هذه الملايير في مشاريع تعود بالنفع على البلاد والعباد. وهذا الرقم الخيالي لستُ أنا مَن اخترعه. إنه صادرٌ عن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربتِه، وهي هيئةٌ دستورية كمجلس المنافسة والمجلس الأعلى للتربية والتعليم والمجلس الوطني الاجتماعي، الاقتصادي والبيئة…

والآن، سأُجيبُ عن السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي : "هل أحزابنا السياسية مُستَعِدَّة لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية التَّشريعية المُقبِلة بنفسٍ جديدٍ"؟

حسب ما بيَّنته وتُبيِّنه لنا التَّحارب البرلمانية والحكومية السابقة، وبالضبط، منذ بداية الستِّينيات، لا أملَ في تغيير سلوك أحزابنا السياسية التي أصبحت عبارة عن "قوقعات فارغة"، بل هناك مَن يصفُها ب"دكاكين انتخابية" تُتاجر في التركيات. قوقَعات فارغة لأنها، فعلا، فارغة من شيءٍ اسمُه النِّضال وفارغة من القيادات الوطنية،  المُنتِجة والنَّافِعة للبلاد والعباد. فارِغة لأنها خالِية من الزَّعامات الجِرِّيئة الفكرية ومليئة بالأعيان وأصحاب الشكارة الذين دخلوا عالمَ السياسة لقضاء مصالِحِهم الشخصية. فكيف لهذا النوع من الأحزاب السياسية أن تفكِّرَ قياداتها في مصلحة الوطن والمواطنين؟ إذن، من أين سيأتي النَّفَس الجديد؟

ربما يأتي هذا النَّفَسُ الجديد إذا أُحِيلت جميع قيادات الأحزاب السياسية الحالية على التَّقاعد السياسي ويحلُّ محلها شبابٌ له طموحٌ ورغبةٌ في التَّغير، كما شاهدنا ذلك عند خروج شباب جيل Z إلى الشوارع المغربية رغبةً منه في التَّغيير. أما الأحزاب السياسية الحالية، فمَيؤوسٌ منها ومن قياداتها التي تمَّ تدجِينُها domestication وأصبحت لا تُفكِّر إلا في الوصول إلى كراسي السلطة، لها ولمَن يدور في فلكِها. علما أن أحزابَنا السياسية أصبحت لا تختلف بعضها عن البعض إلا بالتسميات، فاقِدةً أغلى وأرقى وأسمى قيمة أخلاقية تسمى النضال le militantisme.