حسن عبد الخالق: محادثات تنفيذ القرار الأممي بشأن قضية الصحراء.. لا حل خارج الحكم الذاتي والسيادة المغربية

حسن عبد الخالق: محادثات تنفيذ القرار الأممي بشأن قضية الصحراء.. لا حل خارج الحكم الذاتي والسيادة المغربية حسن عبد الخالق، سفير سابق

شهد مسار البحث عن تسوية نهائية للنزاع الإقليمي المفتعل حول قضية الصحراء المغربية ،على أساس مبادرة الحكم الذاتي تطورا هاما ،بالمحادثات التي احتضنها مقر السفارة الأمريكية في مدريد يوم 8 فبراير الحالي، بحضور وفود برئاسة وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا وممثلي انفصاليي البوليساريو، تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة.


الدور الأمريكي في إطار قرار مجلس الأمن
وكانت هذه المحادثات المطبوعة بالتكتم ،التي سبقتها محادثات في واشنطن ،موضوع بيان موجز أصدرته البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة جاء فيه أن "وفودا رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة قامت  بتيسير محادثات في مدريد في إسبانيا جمعت المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، تركزت حول تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797( 2025) المتعلق بالصحراء الغربية".


ويجد الاحتضان  الأمريكي  للاجتماع الذي أشرف عليه مسعد بولس مستشار الرئيس ترامب المكلف بالشؤون العربية والإفريقية ومندوب أمريكا لدى الأمم المتحدة مايك والتز والمبعوث الشخصي الأممي المكلف بالملف ستيفان دي ميستورا، سنده في القرار رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر الماضي ، الذي نص على أن مجلس الأمن "يعرب عن تقديره للولايات المتحدة الأمريكية لما أبدته من استعداد لاستضافة المفاوضات ،تعزيزا لمهمة المبعوث الشخصي من أجل التوصل إلى حل لمسألة الصحراء الغربية والمنطقة".

 

مشاركة الجزائر بصفة طرف في النزاع

ومن تجليات تحريك الجمود في الملف أن الجزائر حضرت اجتماع مدريد بعد تمنع دام قرابة سبع سنوات ، بضغط من الإدارة الأمريكية التي أوفدت في نهاية الشهر الماضي المستشار الرئاسي بولس إلى الجزائر ،لوضع النظام الجزائري أمام مسؤولياته ،للمساهمة مع الأطراف الأخرى في تسوية النزاع الإقليمي المفتعل ،على أساس الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، علما أن هذا النظام الذي شارك في آخر مائدة مستديرة في جنيف  حول قضية الصحراء في مارس 2019 ،رفض كل القرارات التي أصدرها  مجلس الأمن لاحقا، وفي صلبها دعوة الجزائر إلى المشاركة في جهود حل النزاع، مدعيا أنه، بخلاف الواقع ووقائع خمسين سنة من التوتر المستمر  في منطقة شمال إفريقيا ،إنه ليس طرفا في الملف.


وذهب العناد بالنظام  في الجزائر إلى أنه حاول بدون جدوى التأثير على إدارة الأمم المتحدة لتزوير ترجمة القرار 2797 الصادر بالإنجليزية ، بتغيير كلمة "الأطراف " ب "الطرفين" ،قاصدا بذلك المغرب  والبوليساريو ،للتملص من الجلوس إلى طاولة المفاوضات وإخفاء حقيقة أنه الطرف الأصيل في خلق وتغذية النزاع المفتعل حول قضية الصحراء، مما أدى إلى تأخير صدور الترجمات الرسمية للغات الأخرى المعتمدة في الأمم المتحدة لمدة 24 يوما.

 

أطروحة البوليساريو المتجاوزة

وفي سياق  السعي إلى التملص من النتائج المحتملة لمحادثات تنفيذ القرار 2797، سبق للبوليساريو  المدعو  أن أعلن  ،بأوامر النظام الجزائري،  أنه لن يشارك في أية مفاوضات تنحصر في الحكم الذاتي ،وادعى المدعو غالي، بعد عودة ممثليه من محادثات واشنطن  وقبل انطلاق محادثات  مدريد  ، أن "البوليساريو لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يحل محل الشعب الصحراوي المزعوم في قراره النهائي حول مستقبله، مروجا مجددا أطروحة الاستفتاء القائم على عملية تحديد الهوية، التي أقبرها مجلس الأمن  في قرارته منذ 20 سنة، ودعواته المتوالية إلى الحل السلمي والواقعي، معتبرا في قراره الأخير 2797 أن مواصفات هذا الحل تكمن في مقترح الحكم الذاتي.


غير أن الولايات  المتحدة  الأمريكية  وضعت ،في دعمها جهود الأمم المتحدة لإنهاء الجمود في الملف جميع الأطراف أمام استحقاق تنفيذ القرار 2797 ، الذي " أهاب بالأطراف  إلى الشروع في المناقشات ،دون شروط مسبقة، على أساس مقترح  الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، بهدف التوصل إلى حل نهائي تقبله الأطراف وسلم بأن الحكم الذاتي  الحقيقي ،يمكن أن يشكل حلا من الحلول الأكثر قابلية للتطبيق، وشجع الأطراف على طرح أفكار تدعم التوصل إلى الحل النهائي"،مما يفيد أن أي حل لن يكون خارج الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية.


وضمن هذا التوجه، شكلت محادثات مدريد التي استمرت يومين في مقر السفارة الأمريكية  بداية الحسم في مسار إيجاد الحل، بأن  قدم فيها المغرب  مبادرة الحكم الذاتي المفصلة وتقرر أن تستأنف الأطراف هذه المحادثات  في الشهر المقبل، على أن تقوم لجنة تقنية من  هذه الأطراف ،بإشراف أممي وأمريكي ،بإعداد اتفاق إطار يتضمن عناصر الحل المنشود، قد يكون جاهزا خلال السنة الحالية.

 

تعزيز موقف المغرب بالدعم الدولي

وتوجه المغرب إلى محادثات مدريد ، مدافعا عن شرعية موقفه القائم على حل النزاع المفتعل  بنظام الحكم الذاتي في إطار سيادته الوطنية ووحدته الترابية ،معززا بالقرار التاريخي  2797 لمجلس الأمن  الصادر في 31 أكتوبر الماضي، الذي يسمو في كل بنوده بمبادرة الحكم الذاتي على المقاربات المتجاوزة للحل، وتأييد تلك المبادرة من أكثر من ثلثي دول العالم ،من بينها كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الذي اعتبر في بيانه بمناسبة انعقاد مجلس الشراكة مع المغرب في 29 يناير الماضي أن "حكما ذاتيا حقيقيا قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق" من أجل التسوية النهائية للنزاع الإقليمي، متبنيا  الدعوة التي وجهها مجلس الأمن إلى جميع الأطراف "للمشاركة في المحادثات دون شروط مسبقة وعلى أساس مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي". 

وقبل انطلاق محادثات مدريد ،عزز المغرب أيضا سيادته الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية  التي تجسدت في تشجيع القوى الاقتصادية الكبرى الاستثمارات في هذه الأقاليم  والمبادلات التجارية معها ،بإعلان السفارة الأمريكية في الرباط ، يوم 7 فبراير 2026، عن توقيع اتفاقية استثمارية كبرى بين الحكومة المغربية وتحالف دولي (أورنكس (ORNXيضم شركات أمريكية وإسبانية وألمانية، لإطلاق مشروع ضخم لإنتاج الأمونيا منخفضة التكلفة بمدينة العيون، باستثمار أولي يصل إلى 4.5 مليار دولار،في إطار إنتاج الطاقة الخضراء وجعل الأقاليم الجنوبية قطبا اقتصاديا واستراتيجيا في التحول الطاقي العالمي، وحاضنة للإستثمارات الدولية في مجال الطاقات النظيفة.

 

اندحار أطروحة النظام الجزائري

وبالمقابل شارك النظام الجزائري في محادثات مدريد في غمرة توالي اندحار أطروحته لضرب وحدة المغرب الترابية وتنامي عزلته الدولية، وسوء علاقاته الخارجية في محيطه الإقليمي في منطقة الساحل والصحراء ورفض عضويته في تكتل بريسكس وتعبير الولايات المتحدة الأمريكية في شخص رئيس مكتب شؤون الشرق الأوسط في وزارة خارجيتها روبرت بالادينو أخيرا عن قلقها من وتيرة شراء الجزائر الأسلحة الروسية،  ملوحا  بأن "الإدارة الأمريكية قد تفرض عقوبات عليها بسبب شرائها مقاتلات حربية روسية العام الماضي"، بموجب قانون مواجهة خصوم أميركا "كاتسا"،مشيرا بذلك إلى شراء مقاتلات الجيل الخامس الروسية من طراز "سو-57 إي".
وتزايد شعور النظام الجزائري بالعزلة باستبعاده من الإدارة الأمريكية في الأسبوع الماضي من لائحة الدول التي حضرت  الاجتماع الوزاري في واشنطن حول المعادن  الاستراتجية ،علما أنه سبق لسفيره صبري بوقدوم أن عرض على أمريكا تعاونا سقفه السماء ويشمل الموارد الطبيعية و المعادن النادرة.

 

الإرهاب يلاحق انفصاليي البوليساريو

 وقبل محادثات مدريد تعمق انكسار أطروحة الانفصال، بتنامي دعم المنتظم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة الدولية وتلويح بعض المشرعين الأمريكيين باحتمال استصدار قانون بوصف البوليساريو تنظيما إرهابيا، من قبيل دعوة السيناتور الجمهوري الأمريكي جو ويلسون، و النائب الديمقراطي جيمي بانيتا في مقترح قانون في السنة الماضية إلى فرض عقوبات على البوليساريو المدعوم من الجزائر ،طبقا لمقتضيات قانون ماغنيتسكي للمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وتصنيفها منظمة إرهابية أجنبية بموجب قانون الهجرة والجنسية،في حالة عدم موافقته على الحكم الذاتي.


كما اعتبر السيناتور الأمريكي تيد كروز، أخيرا في  جلسة استماع في مجلس الشيوخ حول مكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، أن إيران تعمل على تحويل جبهة البوليساريو إلى قوة وكيلة إقليمية، محذرا من أن التعاون المزعوم بين الجماعة الانفصالية والشبكات المدعومة من إيران يُمثل تهديداً أمنياً متزايداً للولايات المتحدة وحلفائها.


محاولة الجزائر إبقاء النزاع بلا حل
 ورغم ما يواجهه من ضغوط ، سيسعى النظام الجزائري إلى عدم التجاوب مع المد العالمي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي والانخراط  تلقائيا في الدينامية التي يوفرها القرار2797 للإسراع بإيجاد الحل المرتقب في إطار السيادة المغربية، محاولا مواصلة الإساءة إلى المغرب واستفزازه ،لاختلاق وقائع جديدة  والمضي  مثل ما فعل في الماضي في  تمطيط الوقت والتسويف ،وإبقاء الملف في خانة "اللاحل"،غير أن طبيعة محادثات مدريد التي جرت بحضور الوفد الأمريكي  تختلف عن  المائدتين المستديرتين اللتين أشرفت عليها الأمم المتحدة بمفردها في دجنبر 2018 ومارس 2019 في جنيف ،باعتبار أن واشنطن ترى أنه حان الوقت لطي هذا النزاع ،وأكد المستشار الرئاسي مسعد بولس المشرف إلى جانب دي ميستورا على هذه المحادثات أن حل قضية الصحراء المغربية يعد من مصلحة الولايات المتحدة الاستراتيجية، مشدداً على التزام واشنطن بدعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل عادل ونهائي.


وأعلنت الولايات المتحدة أنها لا ترغب في أن يظل النزاع  المفتعل  مصدرا للتوترٍ قد يهدد الاستقرار الإقليمي في شمال أفريقيا والساحل، و الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب، المصالح الأميركية الحيوية في القارة الإفريقية.

 

يد المغرب الممدودة للجزائر

والمفترض أن يقترن السعي إلى الطي النهائي للنزاع المفتعل على أساس تثبيت السيادة المغربية بإحداث انفراج في العلاقات المغربية الجزائرية ،التي عمق النظام الجزائري تأزيمها بعدائه مصالح المغرب وقطعه العلاقات الدبلوماسية ومنع الطائرات المغربية أو المسجلة في المغرب من المرور في الأجواء الجزائرية وفرض تأشيرة الدخول على المواطنين المغاربة. 


والمؤكد أن أية وساطة  لتطبيع العلاقات بين البلدين ستجد التجاوب من المغرب ،على قاعدة سياسة اليد الممدودة  إلى الأشقاء في الجزائر التي التزم بها جلالة الملك ،مقترحا عليهم قبل أكثرمن سبع سنوات في ذكرى المسيرة الخضراء لسنة 2018، إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور، يتم الاتفاق على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها وطبيعتها، مؤكدا انفتاح المغرب على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين.


وحرص جلالة الملك على أن تظل علاقات المغرب مع الجزائر مطبوعة بحسن الجوار،بقوله في خطاب الذكرى الثانية والعشرين لعيد العرش (2021)" أؤكد لأشقائنا في الجزائر، بأن الشر والمشاكل لن تأتيكم أبدا من المغرب، كما لن یأتیکم منه أي خطر أو تهديد؛ لأن ما يمسكم يمسنا، وما يصيبكم يضرنا، لذلك، نعتبر أن أمن الجزائر واستقرارها، وطمأنينة شعبها، من أمن المغرب واستقراره".


والمؤكد أن المغرب الذي يرى في القرار 2797 تعبيرا عن الشرعية الدولية وعنصر الحسم في تثبيت وحدته الترابية، يتطلع إلى أن يحترم الأشقاء في الجزائر هذه الشرعية بالانخراط في المساعي الجدية لإنهاء النزاع المفتعل حول صحرائه بحل لا غالب فيه ولا مغلوب، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف وأن تكون الشرعية الدولية والمصالح المشتركة للشعبين المغربي والجزائري أساس تنظيم وتطوير العلاقات بين البلدين الجارين.

 

 

 حسن عبد الخالق/ سفير سابق