لوحات عبد القادر وساط.. ريشة ترسم في لوح الخلود..

لوحات عبد القادر وساط.. ريشة ترسم في لوح الخلود.. عبد القادر وساط ولحسن العسبي إلى جانب لوحة من لوحات الدكتور عبد القادر وساط

سيمر كل شئ وسيبقى، ليس الأثرُ، بل الجمال..
سهلٌ أن ترسُمَ، نعم (بالنسبة للبعض)، لكنه صعبٌ أن يدوم المعنى كما هو الحال مع لوحات المغربي المزياندي اليوسفي (نسبة إلى قريته "لمزيندة" التي في معناها بعض نار مُزَنَّدَة، وإلى مدينته المنجمية "اليوسفية") الدكتور عبد القادر وساط..

180d6bb3-4b91-4e20-b5ca-4d9827a0fd79.jpeg


كثيرُنا يعرف الرجل شاعرا مختلفا (مُفوَّهًا ومجنونَ كلمات)، إذ يكفي ما قاله عنه رائد القصيد المغربي الحديث أحمد المجاطي: "مستعدٌ لأَلاَّ أقرأ الشعر لسنتين كاملتين في انتظار أن يكتب عبد القادر وساط قصيدة".. 
قَليلُنَا يعرفه صاحب أنسكلوبيديا معرفية ثرة من 20 مجلدا وقاموس معرفة للصغار من 7 مجلدات (بالتعاون مع باحثين مغاربة مرموقين).. 
كثيرُنا يعرفه طبيبا نفسيا حُجَّةً، ترأس لسنوات مصلحة الطب النفسي بمستشفى مولاي عبد الله بمدينة المحمدية (شمال الدار البيضاء).. 

 

كلنا نعرفُهُ صاحب أعمق وأروع كلمات مسهمة وكلمات متقاطعة في العالم العربي كله، التي حَوَّلَهَا إلى أداة بيداغوجية لتحبيب تعلم العربية والغوص في أسرار دلالات كلماتها، بغير قليل من الشغب المعرفي المُخصِبِ للجمال، المرَسِّخِ للتحدي مع الذات من حيث اختبار مدراكها ومدى فطنتها في اقتناص انزياحات المعاني وتناقض السياقات وسلسبيل الإدراك..
بعضُ كَثيرِنَا إذن يعرف الرجل ذاك، بتعدد دروب العدو في جغرافيات صناعة المعاني كحصان حر أصيل، بذات الرفعة التي علمنا إياها صاحبه العظيم ورفيق لياليه وخيالاته أبو الطيب المتنبي، أن "الشعر جادة وكثيرا ما يقع الحافر على الحافر"، حافر النخوة أكيد.. لكننا لا نعرف جميعنا تحليقه في سماء أخرى مختلفة هي سماء الرسم.. وقبل الرسم الخط..

 

كم أخشى حين ينشر بعض رسوماته ولوحاته في "الطريق السيار لوسائط التواصل الإجتماعي" أن يسرق إبداعه كثيرون في جغرافيات متعددة (خاصة في الغرب)، كونها سادرة في معاني إنسانية كونية..
كم أُلِحُّ عليه (أيضا) أن يُقيمَ معرضا فنيا لرسوماته في فضاءات عرض مغلقة (صالات) أو مفتوحة (ساحات عمومية)، لأنها مُعدِيَّةٌ بجمالها الفني الرفيع..

 

0c921b49-4f23-4a8b-8ff7-76b1bc201a7d.jpeg


رسوماتُ وساط ليست في خصومة (أو عدم قدرة) مع تيار الفن التكعيبي أو التجريدي أو غيرها من مسارب الفنون التشكيلية التي بلورها تطور المجتمعات الصناعية الإستهلاكية القلقة منذ أكثر من 100 سنة، بل هي رسومات تُعيدنا بوعي واختيار فني إلى درب آخر في التفاعل مع "اللوحة"، هو ما أغامرُ بتسميته "درب الذات" أمام "متاهة الموضوع".. لأن رسوماته (التي هي في غالبها بالحبر الأسود) تُخاطبُ قلق الكينونة في كل واحدٍ منا.. ألسنا قدريا اليوم ضحايا سؤال "الهوية" بالمعنى الكينوني الممتد للكلمة؟.

 

الهوية التي لا تعني "الإنغلاق على النفس" قدر ما تعني "محاولة فهم الألم"، ألم قلق الوجود.. 
ها هنا قد نجد في لوحاته، وتحليقها، تقاطعا مع بعض من أسئلة لوحات "سلفادور دالي" (ذلك الطفل الإسباني المجنون الذي كان يلعب مع الأثر لعبة إذابة الزمن)..

 

6229b72d-dbf4-4d10-9e41-cb41dedd6ab1.jpeg

 

إن لوحة كافكا الضاحك رسالة..
إن تفاحةً مضيئةً جوابٌ على سيزان..
إن هاتفا محمولا في يد بلا رأس أطروحة..
إن حقيبة سفر يفيض منها ماء المحيطات جنون ترحال..
إن بابا بِظِلٍّ في ضوء نور بلا جسد تلخيصٌ لفراغ المعنى..
إن حذاء عامل مناجم تصدر عنه النار مرافعة..
إن بروتريهات أشخاص عموميين مبدعين ليست ترجمانا بالضرورة لملامحهم قدر أنها ترجمانٌ لبصمتهم في السؤال..

إن الحقيقة المبهجة هي أن عبد القادر وساط مختلفٌ في تعدده.. مسافرٌ دائم في دروب المعاني وغابات السؤال.. 
هو في الأول وفي الأخير عنوان فلتة مغربية، باقيةٌ، راسخةٌ، مُعدِيَّة..