أريري: قصة مغربي يهودي صنع أمجاد النفط بالبرازيل

أريري: قصة مغربي يهودي صنع أمجاد النفط بالبرازيل عبد الرحيم أريري أمام محطة المحروقات " بيتروبراس" بضاحية ساوباولو

في كل يوم، لما تتوجه 60 مليون سيارة بالبرازيل للتزود بالوقود من 44 ألف محطة موزعة على كافة التراب البرازيلي، فاعلم أن أمجاد صناعة النفط بالبرازيل (تنقيبا وتكريرا وتخزينا وتوزيعا) تتضمن بصمة مغربية مشرقة.


شركة «بيتروبراس» PETROBRAS، البرازيلية العملاقة، لم تصل اليوم إلى البوديوم العالمي في مجال المحروقات من العدم، بل أصبحت «أيقونة» الاقتصاد البرازيلي بفضل تراكمات تمت على امتداد حقب وعبر تجارب ومخاطر ومغامرات قادها مستثمرون خواص ومؤسسات عامة، من أبرزهم رجل الأعمال البرازيلي ذو الأصل المغربي «إسحاق بن آيون صبا» Isaac Benayoun Sabbá. وهو ما جعل هاته الشركة البرازيلية تصنف اليوم ضمن «نادي الكبار» في صناعة النفط، جنبا إلى جنب مع شركات ضخمة، من قبيل: إيكسون موبيل (أمريكا)، شيل (بريطانيا وهولندا)، أرامكو (السعودية)، طوطال (فرنسا)، غاز بروم (روسيا)، سينوبيك (الصين)، بيرتامينا (أندونيسيا)، إلخ...


«إسحاق بن آيون صبا»، يعد من أشهر المغاربة اليهود بالبرازيل (ولد عام 1907 وتوفي سنة 1996)، إذ لما هاجر أجداده من المغرب بحثا عن آفاق مهنية وتجارية أرحب بالبرازيل، لم يشذ إسحاق عن القاعدة، إذ اختار وهو طفل يافع (12 سنة)، أن يتوقف عن الدراسة للالتحاق بزوج أخته في أدغال الأمازون، حيث توجد جالية مغربية يهودية بكثرة، لمساعدة صهره في إدارة تجارته. وهناك في الأمازون، وتحديدا في مدينة Manaus، «رضع» إسحاق بن آيون» أصول التجارة و«شرب» قواعد البيزنيس. إذ ما أن اشتد عوده ونضج، حتى ارتمى إسحاق في عالم المال الأعمال. وأسس وهو شاب، شركة IB Sabaa مختصة في التصدير. هذه الشركة سرعان ما نمت وتطور مجالات اشتغالها بشكل قادت «إسحاق بن آيون» إلى المغامرة، بل والمخاطرة بإحداث 42 شركة ومصنع. لدرجة أن مجلة «التايم» و«لوس أنجليس تايمز»، أطلقتا عليه «ملك الأمازون».


موازاة مع توسيع وتحصين امبراطوريته المالية، كان «إسحاق بن آيون» يراقب ويتابع بدقة ما يجري في الساحة من تموجات وصراعات وهوس البرازيل بالبحث عن طوق نجاة يمكن البلد من تأمين حاجياته الطاقية، وبالتالي تأمين سيادته في مجال المحروقات. خاصة وأن البرازيل مرت من تجارب مؤلمة في سبيل إرساء أسس صناعة نفطية مزهرة ومزدهرة.


فدستور 1937، في ظل حكم الرئيس Gertulio Vargas، نص على أن منح الامتياز في المجال النفطي يبقى حكرا على البرازيليين فقط، مع تخويل الحكومة الفيدرالية صلاحية المراقبة والتحكم في سوق النفط عبر تراخيص الاستغلال والتنقيب والتخزين والتوزيع. إلا أن هشاشة الاقتصاد البرازيلي آنذاك وغياب شركات كبرى قادرة على المخاطرة بالاستثمار في القطاع، لم يمنح للبلد حظوة تحقيق الهدف، أي السيادة الطاقية، وظلت البرازيل تعتمد على الاستيراد.


مع نهاية الحرب العالمية الثانية، تمت تهوية الدستور البرازيلي في سنة 1946، بالتنصيص على أن منح الامتياز لا يقتصر على البرازيليين فقط بل يشمل كذلك الشركات المهيكلة العاملة بالبرازيل. وهذا ما فتح الباب لإبرام شراكات مع شركات أجنبية فتحت فروعا لها.


إلا أن هذا الوضع لم يدم طويلا، بحيث أدت عودة الرئيس Vargas إلى السلطة عام 1951، إلى تخلي البرازيل عن منح الامتيازات للأجانب خوفا من لهف الأرباح كلها وتحويلها للخارج. في ظل هذا التخبط، قررت البرازيل تقزيم صلاحيات المجلس الوطني للنفط (CNP)، وسنت قانونا بتاريخ 3 أكتوبر 1953 يقضي بخلق شركة عمومية تحمل اسم: «La Petroleo Brasileiro sociedade Anonima» وتعني اختصارا «PETROBRAS».


في ظل هذا اللاستقرار، كان «إسحاق بن آيون» يمطط معاملاته ويراكم الأرباح في مختلف القطاعات التي غامر بالاستثمار فيها، مما جعل معظم النخب السياسية والمالية بالبرازيل تتودد إليه.


ولأن «إسحاق بن آيون» كان فعلا هو الملك والمالك لمفاتيح الولوج للأمازون الغنية بالثرواث الطبيعية الهائلة. فقد التجأ إليه الرئيس البرازيلي Kubitschek (حكم منذ يناير 1956 إلى يناير 1961) لطلب المساعدة. إذ كان الرئيس البرازيلي منشغلا بهاجسين اثنين: الهاجس الأول يرتبط بإنجاح مشروع ترحيل العاصمة الإدارية للبرازيل من «ريو دي جانيرو» إلى المدينة الجديدة «برازيليا»، أما الهاجس الثاني فيتمثل في البحث عن صيغة لاختراق الأمازون لدعم الصناعات وخلق الشركات. هاجس الرئيس Kubitschek اصطدم بتحدي كبير يكمن في أن خلق دينامية بالأمازون واستغلال ما تزخر به من ثروات مذهلة لن يتحقق بدون وجود محروقات. 


من هنا تولدت الفكرة لدى»إسحاق بن آيون» لخلق أول مصفاة بحوض الأمازون لتكرير البيترول، وأطلق عليها اسم (COPAM)، أي بالبرتغالية Companhia de Petroleo Amazonas. وهي المصفاة التي دشنت يوم 3 يناير 1957 بحضور الرئيس البرازيلي Juscelino Kubitschek.
وحين سقطت البرازيل في يد الديكتاتورية في 1964، قام العسكر في سنة 1971 بوضع اليد على مصفاة «إسحاق بن آيون» وتم تغيير اسمها باسم جديد (Reman). وبتاريخ 31 ماي 1974 ابتلعت شركة Petrobras مصفاة «إسحاق بن آيون» رسميا.
ورغم إسقاط ديكتاتورية العسكر بالبرازيل عام 1985، فإن معركة «إسحاق بن آيون» لاسترجاع معمل تكرير النفط لم تتوج بالنجاح إلا  بعيد وفاته بأشهر في عام 1996، حيث أزيل اسم Reman، وعوض باسم Rafinaria Isaac Sabbá.


ويحق لأبناء وحفدة «إسحاق بن آيون « أن يفتخروا بالإرث الذي تركه، ليس في البرازيل لوحدها بل في عموم أمريكا اللاتينية، بحيث كانت معركة إسحاق لاسترجاع مصفاته، بمثابة الشرارة التي أدت إلى موجة تحريرية لقطاع النفط والغاز في الأرجنتين وبوليفيا والبيرو،  وفي باقي دول المنطقة.