المهدي سبيك
تتجدّد بين الفينة والأخرى نقاشات مهنية جادّة حول موقع النقباء السابقين داخل هيئات المحامين وحدود أدوارهم وصلاحياتهم. وهو نقاش لا يستهدف الأشخاص بقدر ما ينصرف إلى حماية منطق العمل الجماعي، وضمان وضوح المسؤوليات، وصون الشرعية المهنية داخل المؤسسة، بما يرسّخ الثقة ويمنع الالتباس.
لا خلاف في أن النقباء السابقين يمثّلون ذاكرة حيّة للهيئة ورصيدا مهنيا وتاريخيا معتبرا، راكمته سنوات من التجربة في التدبير والدفاع عن استقلالية المهنة والتعامل مع توازنات دقيقة داخل المنظومة القضائية. غير أن هذه القيمة الرمزية الرفيعة، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر غموض في توزيع الاختصاصات، ولا إلى سلطة موازية خارج الأطر القانونية والتنظيمية المؤطرة للمهنة.
الأصل أن ممارسة النقباء السابقين لأي دور تكون داخل مجلس الهيئة، بصفتهم أعضاء منتخبين في فئة النقباء و عضوا بقوة القانون بالنسبةللنقيب السابق وفق التنظيم المهني والأعراف المستقرة.
وداخل هذا الإطار المؤسسي المحدد، يشاركون في المداولات واتخاذ القرارات، ويساهمون في تدبير شؤون الهيئة، ويقدمون الرأي والمشورة استنادًا إلى خبرتهم المتراكمة، وقد ينوب التقيب السابق عن النقيب الممارس في رئاسة جلسات المجلس أو الجمعية العامة عند الاقتضاء، ووفق ترتيب الأقدمية المعمول به. وفي جميع هذه الحالات، يظل النقباء السابقين أعضاء المجلس جزءا من هيئة جماعية، خاضعًين لقواعد التداول وللسلطة التقريرية المشتركة، شأنهم شأن باقي الأعضاء، دون امتياز خارج منطق الجماعة.
خارج مجلس الهيئة، لا يتمتع النقباء السابقون بأي صلاحيات ذاتية أو تلقائية. فالأصل هو انعدام السلطة خارج الإطار المؤسسي، ولا يُتصوّر أي دور إلا على سبيل الاستثناء المقيّد، إما بتكليف صريح ومحدد من النقيب الممارس أو من مجلس الهيئة للقيام بمهمة بعينها وضمن أجل معلوم، أو في حالة النيابة المؤقتة عند تعذر النقيب، دون أي توسع أو تأويل قد يمس بمبدأ وحدة المسؤولية أو يخلق ازدواجية في القيادة. وأي ممارسة خارج هذا الإطار، مهما حسنت النوايا، تظل دون سند قانوني وقد تؤدي إلى التشويش على وحدة القرار داخل الهيئة.
إن الاحترام الواجب لشخص النقباء السابقين ولمسارهم المهني لا يجوز أن يُفهم بوصفه تفويضا مفتوحا أو امتدادا دائمًا للسلطة. فمكانة الذاكرة ورمزيتها تؤدي وظيفة أخلاقية واستشارية، لا وظيفة توجيه أو وصاية. وتحويل الرأسمال الرمزي إلى نفوذ غير منضبط من شأنه أن يهدد مبدأ التداول السلمي على المسؤولية، ويؤسس لأعراف موازية تضعف المؤسسة بدل أن تعززها.
ويظل الفصل الواضح بين الاعتبار المعنوي والاختصاص القانوني، وبين الدور الاستشاري والسلطة التقريرية، شرطا أساسيا لحماية هيئة المحامين من الالتباس، وصون استقلالية قرارها، وضمان انتقال متوازن للمسؤولية بين الأجيال. فالنقباء السابقون يشكّلون قيمة مضافة حقيقية حين يُمارسون دورهم في إطاره المؤسسي الطبيعي، غير أن قوة الهيئة ومتانتها لا تُقاس بسلطة الماضي، بل بوضوح قواعد الحاضر والتزام الجميع بها.
لذا علينا جميعا الحوار داخل وعاء المؤسسة ووفق ما تقتضيه أعراف وتقاليد مهنتنا.
المهدي سبيك عضو مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء