المسجد الكبير في باريس
يستعد مسجد باريس الكبير لإصدار مؤلَّف جديد، يوم الثلاثاء، يتناول واقع المسلمين في المجتمعات الغربية، تحت عنوان: «المسلمون في الغرب: ممارسة ثقافية مستقرة وحضور متكيّف»، في خطوة تهدف إلى إعادة تأطير العلاقة بين المرجعية الدينية والسياق الجمهوري الفرنسي.
الكتاب، الذي شارك في إعداده أئمة وشخصيات سياسية وعامة، يقدّم معجمًا يضم أكثر من مئتي مفهوم مستمد من تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين، ويسعى إلى اقتراح مقاربات عملية للتوفيق بين الالتزام الديني ومتطلبات القوانين السارية في فرنسا.
وفي ما يتعلق بالحجاب، يوضح الدليل أنه يُنظر إليه في الإسلام بوصفه تعبيرًا عن الحياء، مع التأكيد على أن خيار ارتدائه يظل مرتبطًا بمسار كل امرأة وقناعاتها الشخصية. كما يتوقف عند التحديات التي تفرضها العلمانية الفرنسية، لا سيما القيود المفروضة على الرموز الدينية في الفضاء العام، مشيرًا إلى مبدأ “الضرورة” الذي يسمح بتعليق بعض الأحكام الدينية مؤقتًا إذا ترتب عليها ضرر بالغ، بما في ذلك حالات الإكراه المهني.
ويتناول المؤلَّف كذلك قضايا مفاهيمية حساسة، من بينها عبارات دينية جرى توظيفها في سياقات عنيفة، حيث يصف هذا الاستخدام بأنه تشويه لمعناها الروحي، مؤكدًا أن الإسلام يحرّم القتل والظلم، ويرفض أي تبرير للعنف باسم الدين.
وفي فصل مخصص لمعاداة السامية، يستحضر الكتاب الدور التاريخي لمؤسس مسجد باريس الكبير، قدور بن غبريط، الذي ساهم في حماية يهود خلال الحرب العالمية الثانية، مشددًا على أن معاداة السامية تتعارض مع قيم العدالة والاحترام، مع ضرورة التمييز بين نقد السياسات الإسرائيلية والخطاب المعادي لليهود.
أما في ما يخص التجديف، فيوضح الدليل أن هذا المفهوم، رغم اعتباره خطيئة دينية جسيمة في التراث الفقهي، لا يُعد جريمة قانونية في فرنسا، داعيًا إلى اعتماد سلوك قائم على ضبط النفس والاحترام، ومستشهدًا بسيرة النبي محمد ﷺ في التعامل المتسامح مع الإهانات.
وفي قضايا الأحوال الشخصية، يشدد المؤلف على أن الزواج الديني لا يكتسب أي صفة قانونية دون إتمام الزواج المدني، محمّلًا الأئمة مسؤولية التحقق من ذلك قبل إبرام أي عقد ديني. كما يتناول موضوع الإجهاض بوصفه مسألة أخلاقية معقدة، إذ يُعرض من منظور ديني كفعل مرفوض، مع التأكيد في الوقت ذاته على عدم إقصاء النساء اللواتي يلجأن إليه، مراعاةً للظروف الصعبة التي قد يواجهنها.