بنسعيد الركيبي: المغرب يتفاوض حول تنزيل الحكم الذاتي بطابع سيادي واستراتيجي

بنسعيد الركيبي: المغرب يتفاوض حول تنزيل الحكم الذاتي بطابع سيادي واستراتيجي بنسعيد الركيبي

بعد لقاء مدريد، الذي يؤكد انتقال النقاش الدولي حول قضية الصحراء المغربية من مستوى الجدل حول المشروعية إلى مستوى البحث في آليات التنزيل، عاد مقترح الحكم الذاتي إلى صدارة الاهتمام السياسي والدبلوماسي. اللقاء حمل دلالات تتجاوز رمزيته، إذ عكس اقتناعا متزايدا بأن المقترح المغربي أصبح أرضية عملية للحل. في هذا السياق أجرت جريدة "أنفاس بريس" حوارا مع الأستاذ بنسعيد الركيبي، بصفته مهتما ومتابعا لملف قضية الصحراء المغربية، حول شروط التفاوض وحدود الإحتياط في مرحلة دقيقة من مسار وتطورات ملف قضيتنا الوطني الأولى.

 

بعد لقاء مدريد، يتم الحديث بشكل واسع عن دخول المغرب جولة تفاوض حول مقترح الحكم الذاتي، كيف تقرأون هذا التطور؟

لقاء مدريد يشكل محطة دالة، لأنه يؤكد أن النقاش الدولي استقر على الحكم الذاتي كأفق واقعي، وانتقل إلى سؤال التنزيل، وهذا التحول يضع المغرب أمام مرحلة جديدة، رهانها تدبير المبادرة وليس تبريرها، والتفاوض هنا يحمل طابعا سياديا واستراتيجيا، ويتطلب وعيا بأن التفاصيل هي التي تصنع الفارق أكثر من الشعارات العامة.

 

ما هو أول احتياط ترونه ضروريا في هذا المسار؟

الاحتياط الأول يتمثل في ضبط معنى التفاوض بدقة، باعتباره مسارا لتنزيل الحكم الذاتي داخل السيادة المغربية، في اختصاصاته ومؤسساته وضماناته، دون تحويله إلى نقاش حول أصل السيادة أو مشروعية المقترح. وجريدة "أنفاس بريس" تعلم أن اللغة المستعملة في هذا السياق عنصر حاسم لأنها تحدد سقف النقاش واتجاهه.

 

وماذا عن عامل الزمن في أي مسار تفاوضي محتمل؟

الزمن عنصر مركزي، والتفاوض المنتج يرتبط بأجندة واضحة ومراحل محددة ومخرجات قابلة للتقييم. ومن تم فإن ضبط الإيقاع الزمني يمنح الدولة قدرة على التحكم في المسار وحمايته من التحول إلى حالة استنزاف سياسي ودبلوماسي تمتد دون أفق واضح.

 

أحيانا يطرح الطرف الآخر مفاهيم مثل تقرير المصير أو الاستفتاء في النقاش العمومي. كيف تنظرون إلى ذلك؟

هذه مفاهيم تم تجاوزها في السياق الدولي الحالي. التعامل معها يتم باعتبارها مغلقة سياسيا، لأن إعادة تداولها لغويا يعيد إدخالها إلى المجال السياسي ويغير طبيعة النقاش. والمغرب قد راكم خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا في مقاربة المجتمع الدولي للملف، والحفاظ على هذا التحول يفرض دقة مفاهيمية صارمة.

 

على مستوى الأطراف، ما الذي ينبغي الانتباه إليه؟

هناك محاولات متكررة لإعادة توصيف النزاع وتحويله إلى مواجهة ثنائية مباشرة، والمغرب معني هنا وبإلحاح، بالحفاظ على الإطار الذي استقر داخل منظومة الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، باعتباره نزاعا إقليميا تكون فيه الجزائر طرفا معنيا ومسؤولا سياسيا. وهذا التوصيف يحدد قواعد التفاوض ويمنحها اتساقها القانوني والسياسي.

 

ننتقل إلى مضمون الحكم الذاتي نفسه، أين تكمن أهم نقاط الحذر؟

تكمن أهم نقاط الحذر في الحفاظ على وحدة مقترح الحكم الذاتي. لأن الحكم الذاتي قدمه المغرب كوحدة متكاملة تشمل الاختصاصات والمؤسسات والموارد والتمثيلية والضمانات. فالتعامل معه بمنطق التجزئة يفتح المجال لتآكل بنيته بالتدرج. إضافة إلى ذلك تبقى الاختصاصات السيادية مثل الدفاع والأمن والعلاقات الخارجية والعملة والرموز الوطنية ضمن المجال السيادي المحصن غير القابل للنقاش بتاتا.

 

على المستوى الإعلامي ما أهمية الخطاب المواكب للتفاوض؟

الخطاب يشكل عنصرا من عناصر الأمن الاستراتيجي للتفاوض، والسردية المغربية مطالبة بتأطير الرأي العام وحماية المقترح من التأويلات المغرضة صونا للجوهر السياسي للمبادرة، وبما يحول دون تمكين المغرضين والمشوشين من تصوير المسار وكأنه تنازل ناتج عن ضغط خارجي.

 

وماذا عن الداخل المغربي في هذه المرحلة؟

من المعلوم أن الجبهة الداخلية تشكل العمق الاستراتيجي لأي تفاوض، فالوضوح حول ما يناقش وما يظل ثابتا يعزز الثقة ويقوي الموقف التفاوضي. كما أن إشراك النخب الصحراوية يكتسي أهمية خاصة حين يتم داخل المؤسسات الوطنية وضمن تصور وطني مضبوط، بما يجعل الإشراك رافعة للاندماج ودعامة للمقترح.

إن المغرب يدخل مسارا تنزيليا لمقترح راكم دعما واعترافا دوليا، لذلك فقوة هذا المسار تتجلى في حسن تدبيره لغويا وزمنيا ومؤسساتيا، وفي حماية شروطه الاستراتيجية بما يضمن انتقاله من مبادرة سياسية إلى حل مستدام.