منير لكماني: دموع للواجهة

منير لكماني: دموع للواجهة منير لكماني

تأتي الكوارث على حين غفلة، فتسقط الجدران وتنكشف النفوس. وحين يعلو صوت الإستغاثة، لا يبقى للخطابة بريقها المعتاد، لأن اللحظة تطلب فعلا لا صورة. عندها يظهر وجه ظاهرة صارت تتكرر: دموع النخبة في القاعات، مقابل عرق الناس في العراء. ظاهرة لا تتعلق بالعاطفة في ذاتها، فالبكاء فطرة، بل تتعلق بما يحيط بها: توقيتها، مسرحها، رسالتها الخفية، والجهة التي تتجه إليها.

 

دموع منضبطة

تبدو الدموع، في مثل هذه المشاهد، محسوبة أكثر مما هي عفوية. تتساقط أمام عدسات مستعدة، وترافقها كلمات منمقة، ثم تنتهي كما بدأت. لا أثر لإرتباك طبيعي، ولا لحرج الصدمة، بل طقس كامل: دخول رسمي، جلوس مدروس، تصفيق، ثم انفعال سريع يمنح الجميع شعورا بالصفاء. وهنا يصبح السؤال لازما: هل نحن أمام تعاطف مع المتضررين، أم أمام طمأنة داخلية لصف واحد يخشى تفسخ روابطه؟

 

حضور معلق

الأزمة الحقيقية لها رائحة لا تخطئها الأنوف: طين، ماء راكد، أسقف منهارة، ووجوه تفتش عن دواء وخبز ودفء. من يقترب من هذه الرائحة يضطر إلى التخلي عن كثير من الأقنعة. أما من يكتفي بالمنصات، فيستطيع أن يحافظ على هندامه وعلى لغته وعلى مسافة أمان تفصل بينه وبين الفوضى. المسافة هنا ليست جغرافية فقط، بل أخلاقية أيضا: من يتحمل مشهد الألم مباشرة، ومن يكتفي بسرده من بعيد؟

 

بكاء وظيفي

العاطفة قد تتحول إلى عملة. بعض الفاعلين يتعاملون معها كجزء من أدوات الحكم: دمعة تفتح بابا، وتنهد يرمم صورة، وارتجاف صوت يبعث رسالة مفادها أن القلوب حاضرة. غير أن العاطفة حين تصير وسيلة، تفقد معناها. عندها لا تعود الدموع علامة رحمة، بل إشارة تواصلية. ويتحول المتضرر، من إنسان له حق، إلى خلفية تساعد على تجميل المشهد.

 

قلق النفوذ

أخطر ما في الظاهرة أن البكاء قد لا يكون على الضحايا، بل على مركز مهدد. حين تهتز الزعامة أو تتغير موازين القوة، يظهر خوف من الفراغ: فراغ الحماية، وفراغ الإمتياز، وفراغ النفوذ. فينقلب الحزن من حزن على الناس إلى قلق على الذات. وتصبح الأزمة اختبارا لدرجة التعلق بالشخص لا بالقضية. عندها يختلط معنى الخدمة بمعنى التبعية، ويضيع الحد الفاصل بين المسؤولية والولاء.

 

تبرير منمق

يكثر، في هذه اللحظات، الكلام الذي يلمع ولا يداوي: عبارات عامة، ووعود فضفاضة، وتفسير للكارثة بدل تدبيرها. اللغة تصبح أداة لتوزيع الأعذار، لا لتوزيع المهام. بينما يحتاج المتضرر إلى قرار سريع، وتنظيم واضح، وشفافية في من يتولى ماذا، ومتى، وكيف. حين تكثر الخطب وتقل التفاصيل، فاعلم أن الصورة تتقدم على الواجب.

 

برهان الصدق

الصدق لا يحتاج استعراضا. له علامات بسيطة يمكن لأي قارئ ملاحظتها: حضور ميداني حقيقي بلا حواجز، إنصات لا مقاطعة فيه، قرارات قابلة للقياس، إعلان عن الأخطاء قبل إعلان الإنجازات، واعتراف بأن الكرامة لا تعوضها كلمات. الصدق أيضا أن يتحمل المسؤول جزءا من المشقة، لا أن يطلب من الناس الصبر وهو بعيد عن بردهم وخوفهم. من يتقدم إلى الأرض يربح ثقة لا تمنحها القاعات مهما ازدانت.

 

مفترق الطرق

تبقى الظاهرة جرحا في معنى القيادة: لماذا تظهر الدموع متأخرة حين تكتمل الصورة الإعلامية؟ ولماذا يكثر الحزن حين يتهدد المقعد أكثر مما يتهدد الناس؟ وكيف نقيس صدق المسؤول: بارتفاع صوته أم بثقل فعله؟ ثم سؤال أشد قسوة: ما الذي يجعلنا نصدق المشهد مرة بعد مرة، مع أن التجربة تعلمنا أن الأزمات لا تعالج بالإنفعال بل بالإنصاف؟ إذا كانت الكارثة مرآة، فأي وجه نريد أن نراه فيها غدا: وجه خدمة صامتة، أم وجه عرض متقن؟